1- أثر الخطاب الدعوي الشارد في الأمة:

مع تحرر منابر الخطاب من قبضة الأنظمة الحاكمة في العالم الإسلامي، خصوصا على الشبكة العنكبوتية، نشط الخطاب الدعوي بمختلف أنواعه، وبغثه وسمينه. فكما كان لهذه الثورة مزاياها وثمارها في تبليغ صوت الدعوة المختنق، فقد سنحت الفرصة لخطاب الدعوة الشارد عن ضوابط الشرع، المفعم بالشرة والاندفاع والتحريض دون تمييز، المفتقر لآليات الخطاب الراشد وشروطه ومقوماته، أن يقول كلمته دون رقابة أو قيد، في بيئة كبتت فيها الحريات، وصودرت فيها الإرادات، وبسط الظلم الاجتماعي والسياسي ويلاته في الأمة، فإذا بالشباب المتعطش للحق والعدل، التواق للخلاص والانعتاق من ربقة الاستعباد، يجد ضالته المنشودة، زاعما بصق نية أنه يستجيب لنداء القرآن والسنة، وقد أسلس قياده لمن أحسن فيهم ظنه من خطباء الدعوة، دون القدرة على التمييز، خصوصا إذا كان المتلقي للخطاب حديث العهد بالتدين والتوبة، وقد جنت الأمة – وما زالت – كثيرا من الويلات، ضاعفت من مصائبها، ومن نتائج هذا الخطاب:

– توسيع دائرة الخلاف في الأمة:

يسعى هذا النوع من الخطاب لتنزيل النصوص الشرعية في واقع الأمة، دون مراعاة للأولويات أو أحوال المخاطب وبيئته، ولا التقيد بسنة التدرج، متجاهلا مقاصد الشرع وحكمته في التنزيل، منصبا نفسه قاضيا في الأمة، ناطقا باسم الشرع بالحق المطلق، والقول الفصل النافذ، رافضا كل ما توارثته الأمة من اجتهادات لا تساير قراءته للنصوص الشرعية، وقد أثار هذا المنهج الغريب ردود فعل عنيفة من العامة والعلماء والمفكرين، نشبت عنه خلافات حادة، غزت دور العبادة، والمنتديات الفكرية، ووسائل الإعلام المختلفة، فأصبحت الأمة مزعا وطوائف ومذاهب، لا تقف عند اختلاف الرأي وتدبيره تحت سقف الأخوة الجامعة، بل خلاف ونزاع نزع معه الولاء وحل التكفير والبراء.

– انتهاك حرمات المسلم:

لا يتورع أصحاب هذا الخطاب وأنصاره من كيل التهم لعامة الأمة، وتكفير حكامها، وتضليل علمائها، مما أدى إلى انتهاك حرمات المسلمين، ونعتهم بالشرك تارة، وبالكفر أخرى، وبالنفاق ثالثة، مستعملين النصوص على ظواهرها، ضاربين عُرض الحائط ما أجمع عليه سلف الأمة وخلفها من اجتهادات وقواعد تجلب للأمة وحدتها، وتدفع عنها ما يزيدها نزاعا وفرقة، قال تعالى: وَأَطِيعُوا اللَّـهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ، وَاصْبِرُوا، إِنَّ اللَّـهَ مَعَ الصَّابِرِينَ 1وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “لا تحاسدوا ولا تناجشوا ولا تباغضوا ولا تدابروا ولا يبع بعضكم على بيع بعض وكونوا عباد الله إخوانا المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يحقره التقوى ههنا ويشير إلى صدره ثلاث مرات بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه  2

– تغذية التطرف والعنف:

لم يقف الأمر عند السجال اللفظي، بل تعداه إلى النزال، خاصه أنصار الخطاب الدعوي الشارد، مع معارضيهم، تحت يافطة “البراء والولاء”، فأحلوا دماء المسلمين، في استدراج فظيع، فمن الحكام العلمانيين، إلى كافة الحكام المعطلين لشرع الله، إلى المبتدعين بدعة شرك أكبر من عامة المسلمين حسب اجتهادهم، إلى تعميم جواز القتل لكل خارج عن ملة الإسلام دون تمييز، بل حتى المخالفين لهم في الأحكام الشرعية الاجتهادية من نفس الطائفة والمذهب، كما يحدث الآن في بعض الدول الإسلامية.

وهكذا تطور هذا النوع من الخطاب الدعوي، من وعظ وخطبة، إلى منهج تفكير، إلى فتنة مزقت الأمة مزعا، وانتهكت حرمات المسلم، إلى نزال عنيف أهريقت بسببه كثير من دماء المسلمين وما زالت تهرق، ودمرت قدراتها في مختلف المجالات، وحتى المراجعات التي قام بها بعض رواد هذا الخطاب، لم تأت أكلها بعدما طفح الكيل، وعم البلاء.  

 


[1] الأنفال 46 .
[2] رواه مسلم في كتاب البر والصلة والآداب.