مقتطف من كلمة رئيس الدائرة السياسية لجماعة العدل والإحسان الدكتور عبد الواحد متوكل التي افتتح بها أشغال المجلس القطري في دورته 21 يومي السبت والأحد (4-5 نونبر 2017).

تأكيدا على أن النظام الذي يتأسس على احتكار السلطة والثروة يصبح الحاكم فيه أسيرا لهذا النظام، جاء حكيم المؤرخين ابن خلدون بمصطلح معبر، وهو ما أسماه بـ“ربقة الملك”. وقال: “واعلم أن الخلاص من ذلك (أي من الملك) بعد الحصول فيه عسير ممتنع” [المقدمة ص260]. فحتى لو أراد الملك، وتجاوز سلطان العادة والطبع والتقاليد، وهذا نادر جدا، فإن جحافل المنتفعين لا تمكنه من ذلك. والنتيجة، كما ذكر الأستاذ عبد السلام ياسين رحمه الله، هي أن الأمة أصبحت “سجينة نظام الملكية وأصبح السجان سجينا” (ن م 60). وهذا لا ينفي أنه قد مر في التاريخ الإسلامي ملوك أفاضل، لكنهم، يؤكد الأستاذ الإمام، كانوا استثناءات عبرت المجال وبقي نظام العض والجبر وحكم الاستبداد مستمرا إلى يوم الناس هذا.

تحدثنا عن  مقتضيات “ربقة الملك” من جانب الاستئثار بالسلطة أو بتعبير ابن تيمية بـ”الرياسة على الناس”، ونتحدث وإن باقتضاب لضيق المجال، عن جانب آخر لا يقل أهمية وهو الاستئثار بالثروة. ولاشك أن الكلام فيه يطول، والحديث عنه ذو شجون. ففي كتب التاريخ القديم والحديث قصص تزري بحكايات ألف ليلة وليلة وتفوقها في الإغراب. نقرأ عن أعراس أودت بخزانة الدولة إلى الإفلاس، مثل زواج قطر الندى من الخليفة العباسي الذي أفلست معه مصر تماما. ذلك لتعلموا أن العطب قديم، كما قال أحدهم. لقد كان الحاكم يرى أن له الحق الكامل في التصرف في مال المسلمين كيف يشاء، وعلى الجميع، بتعبير وزير الأوقاف، أن ينأى بنفسه عن منازعته في ذلك.

ولا يزال هذا التقليد، وأعني احتجان الأموال بطرق مشروعة وغير مشروعة، والتصرف في مال الأمة بدون حسيب ولا رقيب، مستمرا إلى يومنا هذا. ولئن كانت الممارسة فجة وصادمة في بعض البلاد العربية، مثل ما جاء في كلام المسؤول الخليجي الصريح الفصيح، فإنها في بلاد أخرى ومنها المغرب تتم بأشكال أخرى ناعمة، دون استبعاد الأساليب الخشنة عند الاقتضاء.

فهل يعرف المغاربة مثلا حجم ثرواتهم من معادن مثل الفوسفاط والذهب والفضة وغيرها من النفائس المذخورة في باطن أرضهم أو الموجودة على سطحها؟ وهل يعرفون مقدار ثرواتهم السمكية ومن يستفيد وكيف؟ هل يعرفون كيف تمنح رخص الصيد في أعالي البحار ومقالع الرمال واستغلال الغابات وكيف تفوت أراض بثمن بخس ولمن ولماذا؟ وهل يعرفون حجم الأموال المهربة والحسابات البنكية السرية في الخارج ومن أصحابها؟  الكل يتحدث، مختصون وغير مختصين، مغاربة وأجانب، بأن المغرب يتوفر على ثروات هائلة لو أحسن استغلالها لتغير وجه المغرب ولذهبت عنه وعن بناته وبنيه التعاسة والبؤس بغير رجعة. وقد تعبت الأصوات مطالبة بضرورة الاقتسام العادل لهذه الثروات بدون جدوى. ذلك لأن هذه المطالب، حسب منطق الضيعة دائما جراءة غير مقبولة، ومحاولات وقحة لتجريد صاحب الشأن من بعض ما يعتبره هو المالك له أصالة.