الوفاء بالعهد عزة وذلة:

قال الله عز وجل على لسان المنافقين: لئِن رَّجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ ا 1، فأجابهم الواحد القهار: وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَٰكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ 2، وفي آية أخرى: مَن كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعاً 3. لقد فَهم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنهم أجمعين الدرس جيدا، فنالوا شرف الصحبة والثناء والرضى من ربهم، فقال فيهم: مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ ۚ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ 4، ووعدهم ووعده حق، حين قال: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا 5، لقد تعلموا معنى الكرامة والعزة في غير تكبر ولا تجبر ولا استكانة، فكانوا أوفياء لها أحق الوفاء.

ورد عَنْ أَبِي ذَرٍّ  في (حديث مرفوع)، وعن ثَوْبان – رضي الله عنه – “أنَّ رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قال: %مَنْ يَتَقَبَّل لي بواحدةً، أَتَقَبَّل له بالجنة%، قال: قلتُ: أنا يا رسول الله، قال: %لا تسأل الناس شيئًا%، قال: فربما سقط سوطُ ثَوْبان وهو على بعيره، فما يسأل أحدًا أن يناوله، حتى ينزل إليه فيأخذه” 6، وقد وردت رواية أخرى بصيغة الجمع: “ولا تسألوا الناس شيئاً” 7. علق القرطبي رحمه الله؛ بعد أن أخذ الرسول صلى الله عليه وسلم العهد على أصحابه؛ قائلا: إنه “حملٌ منه على مكارم الأخلاق، والترفع عن تحمل منة الخلق، وتعليم الصبر على مضض الحاجات، والاستغناء عن الناس، وعزة النفوس، ولمَّا أخذهم بذلك التزموه في جميع الأشياء وفي كل الأحوال، حتى فيما لا تلحق فيه منة؛ طردا للباب، وحسما للذرائع” 8، وقَالَ مَالِكُ بْنُ دِينَارٍ وهو  يبكي: “الْمُؤْمِنُ كَرِيمٌ فِي كُلِّ حَالَةٍ، لا يُحِبُّ أَنْ يُؤْذَى جَارُهُ، وَلا يَفْتَقِرَ أَحَدٌ مِنْ أَقْرِبَائِهِ… هَذَا وَاللَّهِ الْكَرَمُ! هَذَا وَاللَّهِ الْكَرم”َ . 9

فكيف لنا الوفاء جمعا بين النقيضين؟ القوة والذلة؟ الشدة والرحمة؟ كيف يمكننا أن نكون لينين هينين وأقوياء أعزاء معتزين بديننا “صاعقة على الكافرين والمنافقين” 10؟ أفي الأمر تصنع ومجاملة؟

شدة ورحمة، ذلة وعزة، قيم قد ينافيها أحيانا ذل وهوان؛ “لأن المؤمن الضعيف يميل به ضَعفه إلى طبع الاستكانة والسكون” 11 والخجل من الانتماء إلى هذا الدين والاعتزاز به، أو عدم الجهر بالحق في مواطنه، أو اقتحام عقبات الأنفس والمال والسلطان والعلم… لذلك، أيلين المؤمن حين يلين لإخوانه ويتواضع لهم طوعا دون إكراه مادي أو معنوي أم هو خجل يتشربه خوف؟ لكن الخوف ممن وعلى من وعلى ماذا؟ ما المصلحة في ذلك؟ إن في الأمر لسرا لا يعرفه إلا “نفوس بلغ منها التهذيب مبلغا جيدا تلك التي تقدر على نبذ أنانيتها، وتهاجر إلى الله ورسوله من قعودها، وتتألف قلبا وقالبا على موجبات التنظيم وواجباته.” 12 وتعرف مقاصد أذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ. 13 بل إنه “لمن أهم بواطن التربية وأدقها” 14. قال الله عز وجل: فبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ 15.

فالأمر يحتاج إلى مداومة وصبر وتواص بالحق “دائما لا نمل. والتقصير البشري لا سبيل لتلافيه إلا بإجماع الإرادات الصالحة” 16وفق مبدإ الوفاء بالعهد ذلة للمومنين وعزة على الكافرين والمنافقين، ومحاربة للطغيان الذي قد يجعلنا، لا قدر الله، حثالة 17 لا يُؤبه بنا، غرباء نتخفى، خائفين نترقب، جوعى تدوسنا الأقدام، ثم تلقى المسؤولية على الأقدار؛ وقد تمكن السفلة الذين اختلطت عهودهم وأماناتهم، من رقابنا وأعراضنا وأموالنا 18 من لصراخ المظلومين وعويل المكلومين المستضعفين من الرجال والولدان والنساء… النساء اللواتي متن ويمتن رفسا بالأقدام من أجل كسرة خبز؟ ما هذا الذل والهوان؟ من لهم ولهن حينها إلا الله سبحانه بعد طغياننا وتخاذلنا؟ لذلك حذرنا الإمام رحمه الله قائلا: “فإن كان كل جندي وعضو في الجماعة ذا نفس خاملة، وفكر مظلم، وطاقات هزيلة فإن المجموع مهما نظمناه سيبقى كمًّا جديرا بالإهمال”. 19

إنها ليست حرب ألْسن وقلوب لاهية، ولا خطب دكاكين سياسية مناسباتية خاوية، ولا لغو منابر إعلامية ومسجدية، ولا اختباء وراء القضاء والقدر لتبرير التفقير والقتل الممنهج وتلكم الداهية، بل قلوب خاشعة مفتقرة، لا تنسى أبدا وقت عزتها ولمن ومع من، وأوان ذلتها ولمن ومع من، ولنترك الحثالة وخطباءها وشعراءها وسفاءها في خيلائهم وزعقهم ونعقهم وقتلهم وقمعهم ومكرهم يعمهون 20 ويتلذذون في إعداد نعوش الموتى والتفنن، بل الإشادة بالعمل الكبير: لولاهم لبقيت أجساد موتانا عرضة لنهش الكلاب والطيور… سيصعقون وسيسألون، ستطوى صفحتهم رويدا رويدا وفق السنن الإلهية التي لا تحابي أحدا، فإنه “إذا كانت… الجهالة الوثنية بالله العلي القدير هي اللب والمعنى، فإن السيطرة بالعنف، والاستكبار الفرعوني في الأرض هما الوظيفة الحيوية، والرسالة الحضارية.” 21 ولن نختلف حينذاك حول أسباب العنف والإفساد في الأرض.

ألا فلنستعد لنسيم من لا يزال على العهد أذلّة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم. ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء. والله ذو الفضل العظيم. 22 لأنهم على حق ومعهم الحق ورسول الحق، فلا تجوز الاستكانة والذلة في حقهم إلا لله عبادة وترقيا في السلوك إليه، ثم تفانيا في محبة النبي الحريص علينا الرؤوف الرحيم بنا، ثم “كل مؤمن يبذل أقصى ما فيه من خير. ثم يشاهد تقصيره، ويقبل النصح، ويتعاون، ويلين لإخوته، ويحب، ويتشاور، ويطيع” 23، صبرا ورفقا وخفضا للجناح وذلة وتحملا للأذى، وبفتح قلوبنا وجيوبنا وبيوتنا وبالبشارة والاستبشار على وجوهنا، بذلك… ننال حب ربنا ورسولنا وأحبتنا، فننال ما تحقق لأصحاب نبينا حين وصفهم ربهم بقوله: لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً  24


[1] لمنافقون: 8.
[2] المنافقون: 8.
[3] فاطر: 10.
[4] الفتح: 29.
[5] الفتح: 29.
[6] القناعة والتعفف، بَابُ ذَمِّ الْمَسْأَلَةِ وَالزَّجْرِ عَنْهَا وَالْفَضْلِ … الحديث: 3، نقلا عن موسوعة الحديث. مسند الإمام أحمد (5/281).
[7] صحيح مسلم (2/721) برقم (1043).
[8] القرطبي، المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، (3/86).
[9] نضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم – صلى الله عليه وسلم، عدد من المختصين بإشراف الشيخ/ صالح بن عبد الله بن حميد إمام وخطيب الحرم المكي، دار الوسيلة للنشر والتوزيع، جدة، الطبعة : الرابعة، عدد الأجزاء : 12 (11 ومجلد للفهارس)
[10] ياسين عبد السلام، رسالة تذكير، ص: 25 ـ 25.
[11] ياسين عبد السلام، الإحسان: 1، ص: 487.
[12] ياسين عبد السلام، المنهاج النبوي تربية وتنظيما وزحفا، ص: 387.
[13] المائدة: 54.
[14] ياسين عبد السلام، الإحسان: 1، ص: 487.
[15] آل عمران: 159
[16] ياسين عبد السلام، مجلة الجماعة، ع: 11، ص: 17.
[17] الحثالة القُشارة والرديء من كل شيء.
[18] ياسين عبد السلام، سنة الله: 38/ 39.
[19] ياسين عبد السلام، مجلة الجماعة، ع: 11، ص: 17.
[20] سنة الله: 39
[21] ياسين عبد السلام، الإسلام والقومية العلمانية، ص: 73.
[22] المائدة: 54.
[23] المنهاج النبوي تربية وتنظيما وزحفا، ص: 387.
[24] الفتح: 18.