مع حلول شهر ربيع الأول تعيش الأمة الإسلامية تحت أنوار ذكرى من الذكريات الخالدة التي تبعث في النفوس المؤمنة إشراقا متألقا ووصالا متجددا يزيد من لوعة الشوق إلى لقاء حبيب القلوب وطبيبها. إنها ذكرى ميلاد حبيبنا محمد صلى الله عليه وسلم.

إنها ذكرى غالية تستوجب منا وقفة تأمل وتدبر لكل ما يحيط بها ويكتنفها من حيثيات الزمان والمكان والأحوال، عسى أن نكتشف بعضا من الحكم الربانية في الاختيار.

المكان: مكة أم القرى

تلك الأرض الطيبة التي حظيت بكل التشريف والامتنان والتفضيل على سائر الأوطان.

رغم ظروف العيش القاسية التي تحيط بها وبعدها عن كل ما ترتاح له الحواس من خضرة الأرض ونسائم الجو العليلة، ورغم وجودها بين جبال جرداء وسط صحراء قاحلة، فقد كانت المكان الأنسب لمولد خير الرجال. رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ 1 ولا شك أن طباع الناس تتأثر بالبيئة التي ينشأون فيها، فالإنسان العربي الذي ترعرع في صحراء الجزيرة عُرف بصبره وجلده ومواجهته لصعوبات الحياة وتحدياتها.

يقول الإمام الشهيد حسن البنا في أحد دروسه: (وكانت نشأته صلى الله عليه وسلم في هذه البيئة الطيبة والمنبت الكريم تتناسب مع المهمة العظمى التي اختير لها، فالعربي يواجه الكون وجها لوجه يفترش الأرض ويلتحف السماء ويكافح عناصر الكون كفاحا شديدا، يستشعر البرد على حقيقته والحر على قيظه…).

غير أن مشهد الصحراء التي لا زرع فيها ولا نبات يكشف وجها آخر مما كان عليه المجتمع يومئذ من زيغ وضلال.

فالجاهلية بكل مظاهرها هي السائدة، وقد ألقت بألوانها القاتمة على حياة الناس في معتقداتهم وسلوكهم، مما يجعل مهمة التغيير والإصلاح أعظم وأشد من تحويل أرض صحراوية إلى بستان وارف الظلال.

طالع أيضا  في علامة محبته صلى الله عليه وسلم

إنها مكة التي احتضنت أول بيت وُضع للناس وتجسدت على أرضها أروع صور التضحية في سبيل الله حين صّدق إبراهيم الخليل الرؤيا فهمّ بذبح ولده إسماعيل عليه السلام، تتحول مع مرور الزمان وطول الأمد إلى معقل للشرك والوثنية، تنتشر فيها كل الموبقات من أكل الربا وشرب الخمر وسفك الدماء لأتفه الأسباب واحتقار المرأة والتفاخر بالأنساب وأكل الميتة وإتيان الفاحشة، باستثناء بعض مكارم الأخلاق التي لم تفارق العرب كالشجاعة والمروءة والكرم.

في هذه الظروف الحالكة والجو الشاحب، يبزغ الفجر من جديد ليضيء بنوره الساطع أرجاء الكون، بل هي الرحمة تتنزل من السماء لتحيي الأرض بعد موتها. وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِن بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ 2 هكذا تتحقق دعوة إبراهيم الخليل وبشارة عيسى المسيح، فيبعث الله رسولا في الأميين يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة.

الزمان: عام الفيل

من جميل الأقدار أن كل حادث عظيم يغير مجرى التاريخ، قد تسبقه بشارات وإرهاصات. ولعل أهم حادث سبق ميلاد رسول الله صلى الله عليه وسلم هو وقعة أصحاب الفيل، حتى غدت هذه الوقعة العنوان الأبرز الذي يؤرخ لميلاد خاتم الأنبياء والمرسلين.

إنها موافقة بليغة لها دلالاتها حين ينهزم الطغيان ويندحر الباطل فوق أرض كان مثلها مثل باقي الموجودات تتهيأ لاستقبال أعظم إنسان يصطفيه الله لتبليغ رسالته.

قصة أصحاب الفيل قصها علينا القرءان الكريم مجملة مختصرة في بضع آيات بينات بأسلوب استفهامي تذكيري: أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ{1} أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ{2} وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبَابِيلَ{3} تَرْمِيهِم بِحِجَارَةٍ مِّن سِجِّيلٍ{4} فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَّأْكُولٍ{5} 3 ولعل ما يربط بين حادثة أصحاب الفيل وميلاد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن في الأولى أرسل الله طيرا أبابيل تحمي بيته الحرام وتنقذه من الهدم والتحطيم، أما في الثانية فالأمر أجل وأعظم، إنه حماية الكون بأكمله من الضياع وإنقاذ البشرية من الضلال، فتطلب هذا إرسال رحمة من السماء. وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ 4 إن الدعوة التي جاء بها محمد صلى الله عليه وسلم هي دعوة لتحرير الإنسان من قيود الاستعباد والجور، وهي دعوة لتنوير العقول التي عشش فيها الوهم والجهل، وهي دعوة لتطهير القلوب من الرجس واتباع الهوى.

طالع أيضا  مبشرات في ليلة ميلاد الرسول صلى الله عليه وسلم

هي دعوة جعلت الكون يحيى ربيعا محمديا يتجدد في كل وقت وحين…

ولد الهـدى فالكائنات ضياء ** وفـم الزمان تبـسم وثـناء

الروح والملأ الملائك حوله ** للدين والدنـيا به بشـراء

والعرش يزهو والحظيرة تزدهي ** والمنتهى والسدرة العـصماء

وحديقة الفرقان ضاحكة الربا ** بالتـرجمان شـذية غـناء

يا خير من جاء الوجود تحية ** من مرسلين الى الهدى بك جاؤوا

بك بشر اللـه السماء فزينت ** وتضوعت مسكا بـك الغـبراء

يوم يتيه على الزمان صباحه ** ومـساؤه بـمحمـد وضـاء

ذعرت عروش الظالمين فزلزلت ** وعـلت على تيجانهـم أصداء

والنار خاوية الجوانب حـولهم ** خمدت ذوائـبها وغاض الـماء

والآي تـترى والخوارق جـمة ** جـبريل رواح بـها غـداء


[1] سورة إبراهيم – 37.
[2] سورة الشورى – 28.
[3] سورة الفيل – (1 – 5).
[4] الأنبياء – 107.