مقتطف من كلمة رئيس الدائرة السياسية لجماعة العدل والإحسان الدكتور عبد الواحد متوكل التي افتتح بها أشغال المجلس القطري في دورته 21 يومي السبت والأحد (4-5 نونبر 2017).

 

لعل أحدث مثال – لاستئثار الملكية بالسلطة – ما جاء على لسان وزير الأوقاف وهو يحاول أن يفسر هذه الفلسفة العصية على الفهم لجمهور الطلبة في كلية المحمدية في محاضرة بعنوان “فكرة العلماء في النظام العام”، ألقاها يوم الأربعاء 11 أكتوبر 2017، يدعو فيها العلماء إلى النأي بأنفسهم عن منازعة الحاكم في شؤون الحكم. وهي دعوة منسجمة مع طبيعة النظام الحاكم بمنطق الضيعة. فالعلماء هم علماء الحاكم، أو هكذا ينبغي أن يكونوا وإلا اعتبروا خارجين عن الإجماع، أو دعاة فتنة. وكذلك الشأن بالنسبة للمثقفين والموظفين السامين وغيرهم من أعيان المجتمع.
وتأكيدا لهذا المنطق الذي لا يصح معه للعالم أن يفتي ولا للقاضي أن يحكم بخلاف ما يهوى الحاكم، نذكر قصة جاءت في كتاب أخبار ابي حنيفة وأصحابه لأبي عبدالله الصيرمي ملخصها أن محمد بن الحسن الشيباني، تلميذ أبي حنيفة وواحدا من أبرز المساهمين في إغناء الفقه الحنفي، عندما كان قاضيا في الرقة (سوريا)، سأله هارون الرشيد (149ه ـ 193ه/766 ـ 809) إن كان بإمكانه أن يسحب عقد الأمان الذي كان قد أعطاه الرشيد لرجل يدعى يحيى بن عبد الله الحسن. وعندما أجابه الشيباني بأنه لا يمكنه أن يفعل ذلك من الناحية الشرعية، غضب الرشيد غضبا شديدا ورماه بمحبرة كانت على مقربة منه (حجم المحبرة في ذلك الزمان) شجت رأسه وتلطخ ثيابه بالدماء والمداد. ومنع من الإفتاء من بعد ذلك زمانا.
هذا مثال للحظة فارقة تمسك فيها كل طرف بمرجعه والأساس المعياري الذي يستند إليه: موقف الحاكم الذي يتصرف بمنطق الضيعة والناس عبيد له وخول، وموقف الفقيه الذي تصرف بمعيار الشريعة والقانون والأخلاق. ولذلك انزعج السلطان وفقد أعصابه لأنه يرى أن الواجب على العالم والقاضي والمثقف وغيرهم من أعيان المجتمع أن لا يتكلموا بما يزعج الحاكم، حتى وإن كان حقا أبلج، لأنهم ليس لهم وجود مستقل عن السلطان. فهم إليه ينتسبون، وبأمره يعملون، وفي مرتاضه يتفانون، أو هكذا ينبغي أن يكونوا.

طالع أيضا  دة. بوسعداني: نؤمن بضرورة الفعل المشترك لصناعة تغيير حقيقي