(الحياء أساس الأخلاق) عنوان يستشعره المتدبر لحديث عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “اسْتَحْيُوا مِنَ اللَّهِ تَعَالَى حَقَّ الْحَيَاءِ”، قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا نَسْتَحِي قَالَ: “لَيْسَ ذَلِكَ، وَلَكِنْ مَنِ اسْتَحَى مِنَ اللَّهِ تَعَالَى حَقَّ الْحَيَاءِ، فَلْيَحْفَظِ الرَّأْسَ وَمَا حَوَى، وَلْيَحْفَظِ الْبَطْنَ وَمَا وَعَى، وَلْيَذْكُرِ الْمَوْتَ وَالْبِلَى، وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ، فَلْيَتْرُكْ زِينَةَ الدُّنْيَا، فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ، فَقَدِ اسْتَحَى مِنَ اللَّهِ تَعَالَى حَقَّ الْحَيَاءِ” 1.

حق الحياء من الله مرتبة إحسانية عالية، ومراقبة لحضرته في كل وقت وحين، إن لم تكن تراه فهو يراك. ودون هذه الدرجة، الحياء من العالمين (وكل ما سوى الله هو من العالمين)، ومنه الحياء من الملائكة؛ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال: “إياكم والتعري فإن معكم من لا يفارقكم إلا عند الغائط وحين يفضي الرجل إلى أهله، فاستحيوهم وأكرموهم” 2، ثم الاستحياء من الناس لقوله عليه الصلاة والسلام “استح من الله استحياءك من رجلين من صالحي عشيرتك” 3.

الحياء من الله مرتبة سنية، يتمايز الناس في حظهم من التماسها، فأعرفهم بالله أشدهم منه حياء، لذلك كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم منه النصيب الأوفر ثم لأصحابه من بعده، فعن أبي سعيد قال: “كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أشد حياء من العذراء في خدرها زاد في رواية وإذا كره شيئا عرف ذلك في وجهه” ثم الأمثل فالأمثل.

ثم هذا أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ يَخْطُبُ النَّاسَ ويقول: “يا معشر المسلمين، استحيوا من الله، فوالذي نفسي بيده إني لأظل حين أذهب إلى الغائط في الفضاء متقنعا بثوبي استحياء من الله عز وجل” 4، وروي عن الإمام مالك كان لا يدخل بيت الخلاء إلاّ كل ثلاثة أيام مرة ويقول: (والله لقد استحييت من ربي في كثرة تردد للخلاء)، بل كان يغطي رأسه، وقد نهى عن كشف العورة واقفا عند قضاء الحاجة والاغتسال، ومن الصالحين من لم يُر قط مادا ركبتيه ولكن جلسة العبودية (جلوس التشهد).

إن الحياء خلق محمود، كما جاء على لسان خير البرية “الحياء خير كله” 5 “الحياء لا يأتي إلا بخير” 6، فهو حالة نفسية وليدة للمراقبة، ووازع داخلي قلبي يبعث على فعل الخير واجتناب القبيح ويمنعه من فعل المعصية، فهو إذن نظير الإيمان، وهو ثالث دوافع العمل الصالح: خوف من الله أو رجاء فيه أو استحياء منه جل وعلا، (وللحياء بشتى درجاته المكانة الطيبة في ضبط أقوال المومن والمحسن، وضبط أفعالهما، وإضفاء السكينة والوقار على شخصيتهما) 7.ورب قبيحة ما حال بيني *** وبين ركوبها إلا الحياء

فكان هو الدواء لها ولكن *** إذا ذهب الحياء فلا دواء

لكن الحياء يصير مذموما إن كان مانعا للخير ومن قول الحق والتعلم، ولا يكون حياء حقيقيا شرعيا بل يصير عجزا وخجلا، وما تسميته حياء إلا من طريق المجاز.

ويكفي الحياء فخرا وعلوا ومكانة أن يكون من أخلاق الله عز وجل، فقد روى أبو داود أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: “إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ حَلِيمٌ حَيِيٌّ سِتِّيرٌ يُحِبُّ الْحَيَاءَ وَالسَّتْرَ، فَإِذَا اغْتَسَلَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْتَتِرْ” 8.

لكن، إن كان الحياء في حق الذمم الفردية فضلا وشعبة من شعب الإيمان، ودرجة من مدارج السالكين تقربا إلى الله، فهو في حق الأمة فرض وخلق وشعار، فعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “إِنَّ لِكُلِّ دِينٍ خُلُقًا، وَإِنَّ خُلُقَ الْإِسْلَامِ الْحَيَاءُ” 9.

يقول الأستاذ عبد السلام ياسين رحمه الله: (فمن لم يرتدعْ بإيمانه بالله وخوفه من عذاب الله في الآخرة وحيائه من ربه المنعم الحليم الكريم فسوْطُ السلطان وحد الشريعة وتعزير القاضي يسُدُّ في سلوكه ثغرةً انفتقت بانفتاق إيمانه. والأشخاص الذين يتناولهم وازِعُ السلطان ورادع الحد والتعزير هم الاستثناء من جماعة المسلمين لا الأصل، وكلما كان وازعُ القرآن في القلوب أقوى كان حيّز وازع السلطان والحد والتعزير أضيق.) 10.


[1] شعب الإيمان، البيهقي، باب الحياء.
[2] سنن الترمذي، باب ما جاء في الاستتار عند الجماع.
[3] الحديث ضعيف.
[4] شعب الإيمان، البيهقي: باب الحياء.
[5] صحيح مسلم، باب شعب الإيمان.
[6] المصدر نفسه.
[7] كتاب الإحسان، عبد السلام ياسين ج2، ص307، مطبوعات الأفق، ط 1، 1998.
[8] سنن النسائي، باب الاستتار قبل الاغتسال.
[9] سنن ابن ماجة، باب الحياء.
[10] العدل، الاسلاميون والحكم ص 167، مطبوعات الأفق، ط 1، 2000م.