إنه من المعلوم أن الله عز وجل اصطفى حبيبه وخليله محمدا صلى الله عليه وسلم خيارا من خيار، وخصه بخصائص جليلة وفضائل عظيمـة، وأعطاه من التشريف والتكريم ما رفعه به على سائر الأنبياء درجات. كما لا يخفى على أحد رأفـته صلى الله عليه وسلم ورحمته بأمته، وحرصه على هدايـتها وإنقاذها من النار.

أخرج مسلم في صحيحه عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم تلا قول الله تعالى: رب إنهن أضللن كثيرا من الناس فمن تبعني فإنه مني ومن عصاني فإنـك غفور رحيم (إبراهيم) وقول عيسى عليه السلام: إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنـك أنت العزيز الحكيم (المائدة). فرفع يديه وقال: اللهم أمتي أمتي وبكى. فقال الله عز وجل: “يا جبريل، اذهب إلى محمد وربك أعلم فسله: ما يُبكيه؟ فأتاه جبريل عليه السلام فسأله، فأخبره بما قال وهو أعلم، فقال الله يا جبريل، اذهب إلى محمد، فقل له: إنا سنرضيك في أمتك، ولا نسوؤك”.

وقد أشار لذلك بعض العارفين بقوله:

قرأنا في الضحى ولسوف يعطي *** فسَرَّ قلوبنـا ذاك العطـا

وحاشا يا رسـول الله ترضــى *** وفينا من يُعذّب أو يُسـاء

قال الإمام النووي في شرحه لصحيح مسلم: الحكمة في إرسال جبريل إظهار شرف النبي صلى الله عليه وسلم وأنه بالمحـل الأعلى فيسترضى ويكرم بما يرضيه والله أعلم. (لا نسوؤك) لا نحزنك وننجي الجميع من النار. وفي هذا الحديث بشارة عظيمة لهذه الأمة، وبيان عظيم منزلة النبي صلى الله عليه وسلم عند الله عز وجل، وعظيم لطفه وكمال شفقة المصطفى عليه الصلاة والسلام بأمته واهتمامه بأمرهم.

وأخرج البزار والطبراني في الأوسط وأبو نعيم بسند حسن عن علي رضي الله عنه أن رسول الله عليه الصلاة والسلام قال: «أشفع لأمتـي حتى يناديني ربي أرضيت يا محمد؟ فأقول: إي ربي رضيت».

هذا وعد من الله لرسوله لا يتخلف. فإذا أضيف إليه وعد رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنه لا يرضى وواحد من أمته في النار كما سبقت الإشارة إليه، كان في ذلك بشارة وأي بشارة لكل مسلم ومسلمة بحرص رسول الله عليه الصلاة والسلام الشديد أن يفوز جميع أمته عند الله عز وجل. فالحمد لله على نعمة رسول الله صلى الله عليه وسلم أحيانا الله على سنّته، وأماتنا على ملّته، وحشرنا في زمرتـه.

ولله در من قال:

لم يقـل أمتي، سـواه إذا ما *** اشتد خطب الحساب والصحف تتلى

مـا تـرى إلا قول كل نبـي *** لـيـس إلا محـمـد لـيـس إلا

ما أروع ما قاله سيدنا عمر بن الخطاب عليه الرضى والرضوان، مبينا فضل النبي صلى الله عليه وسلم ومعرفا لقدره وعلوّ مرتبته عند الله عز وجل: روي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، سُمع بعد موت رسول الله صلى الله عليه وسلم يبكي ويقول: بأبـي أنت وأمـي يـا رسول الله، لقد كان جذع تخطب الناس عليه، فلما كثر الناس اتخذت منبرا لتسمعهم. فحـنّ الجذع لفراقك حتـى جعلت يدك عليه فسكن، فأمتك كانت أولى بالحنين إليك لما فارقـتهم. بأبـي أنت وأمـي يا رسول الله، لقد بلـغ مـن فضيلتك عنده أن جعل طاعتك طاعته. قال عز وجل من يطع الرسول فقد أطاع الله (النساء).

بأبـي أنت وأمي يـا يا رسول الله، لقد بلغ من فضيلتك عنده أن أخبرك بالعفو عنك قبل أن يخبرك بالذنب. فقال تعالى: عـفـا الله عنـــك لم أذنت لهم (التوبة) بأبي أنت وأمي يا رسول الله، لقد بلغ مـن فضيلتك عنده أن بعثك آخر الأنبياء وذكرك فـي أولهم فقـال عز وجل: وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم (الأحزاب).

بأبي أنت وأمي يا رسول الله، لقد بلغ مـن فضيلتك عنده أن أهل النار يودون أن يكونوا قد أطـاعوك وهم بين أطباقها يعذبون، يقولون: يا ليتنا أطعنا الله وأطعنا الرسولا (الأحزاب).

بأبي أنت وأمي يا رسول الله، لئن كـان موسى بن عمران أعطاه الله حجرا تتفجر منه الأنهار. فماذا بأعجب من أصابعك حين نبع منها الماء صلى الله عليك وسلم. بأبي أنت وأمي يا رسول الله، لئن كان سليمان بن داود أعطاه الله الريح غدوها شهر ورواحها شهر. فماذا بأعجب من البراق حين سريـت عليه إلى السماء السابعة، ثم صليت الصبح من ليلتك بالأبطح صلى الله عليك وسلم. بأبي أنت وأمي يا رسول الله، لئن كـان عيسى بن مريم أعطاه الله إحياء الموتى. فماذا بأعجب من الشاة المسمومة حين كلمتك وهي مشويـة، فقالت لك الذراع: لا تأكلني فإني مسمومة. بأبي أنت وأمي يا رسول الله، لقد دعا نوح على قومه فقال: رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا (نوح). ولو دعوت علينا بمثلها لهلكنا كلنا. فلقد وطئ ظهرك، وأدمي وجهك، وكسرت رباعيتـك، فأبـيت أن تقول إلا خيرا، فقلت: اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون. بأبي أنت وأمي يا رسول الله، لقد اتبعك في قلـة سنك وقصـر عمرك ما لم يتبع نوحـا في كثرة سنه وطول عمره، ولقد آمن بك الكثير وما آمن معه إلا القليل. بأبـي أنت وأمي يا رسول الله، لو لم تجالس إلا كفؤا لك ما جالستنا، ولو لم تنكح إلا كفؤا لك ما نكحت إلينا، ولو لم تواكل إلا كفؤا لك ما واكلتـنا. فلقد والله جالستنا ونكحت إلينا، وواكلتنا ولبست الصوف وركبت الحمار وأردفت خلفك، ووضعت طعامك على الأرض، ولعقت أصابعك تواضعا منك. صلى الله عليك وسلم 1.


[1] انظر إحياء الغزالي ص 280 ج 1، وفي الفتح في باب الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ص 118 ج 11.