يسر موقع الجماعة نت أن يستضيف في هذا الحوار القارئ المجود والمنشد الخبير والأستاذ الملحن محمد بهلافي، أحد مؤسسي العمل الفني الإسلامي في هذا البلد منذ أواسط الثمانينيات من القرن الماضي، لمحاورته في موضوع التغني بالقرآن الكريم، فضله وضرورته، وفي ما يدور في فلكه من قضايا. وفيما يلي النص الكامل لهذا الحوار. 

1. أستاذ بهلافي، هلا ذكّرتنا في مستهل هذا الحوار بما يمثله كتاب الله تعالى بالنسبة للعبد المؤمن؟

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله، وآله وصحبه ومن والاه.

شكر الله لكم هذه الاستضافة على موقع الجماعة نت، وهذا الاهتمام بالقرآن وبأهل القرآن وبكل ما يدور في فلك القرآن. وأسأل الله تعالى أن يبارك جهودكم ويسدد خطاكم ويتقبل منكم آمين.

أما فيما يخص هذا السؤال فإن كتاب الله تعالى، بالنسبة للمؤمن، يمثل صاحبا في الخلوات ودستورا في الحياة ونبراسا يهديه في طريقه إلى الله تعالى، ومنارا يستضيء به في حياته اليومية؛ قال تعالى: إن هذا القرآن يهدي التي هي أقوم ويبشر المومنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجرا كبيرا. فالإنسان، جبلةً وفطرةً، يبحث عما يسعده من خلال نصح أو توجيه أو تعلم أو إرشاد أو حكمة من كتاب أو غيره، وأعظم من يوجه هذا الإنسان ويرشده إلى خيري الدنيا والآخرة هو العليم بما ينفع عباده أو يضره وهو الله جلت عظمته الذي لا يخفى عليه شيء.

 2. إذا سلطنا الضوء على الجانب الذي يعنينا في هذا الحوار، ما هو حظ فضل التغني بكلام الله تعالى من عموم ما يرتبط به من فضائل؟

المطلع على سيرة خير الأنام وهديه صلى الله عليه وسلم يجد أنه نفى معيته عمن لم يتغن بأعظم وأحلى كلام. روى البخاري عن ابن أبي مليكة عن عبيد الله بن أبي نهيك قال لقيني سعد بن أبي وقاص وأنا في السوق، فقال تجار كسبة، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “ليس منا من لم يتغن بالقرآن”. لكن سيد الخلق في نفس الوقت، وكي لا تزيغ أمته عما خلقت من أجله وهو العبودية الخالصة له سبحانه في كل حركة وسكنة ونغمة، يقول عندما سُئِلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ أَحْسَنُ النَّاسِ صَوْتًا بِالْقُرْآنِ؟ فقَالَ: “مَنْ إِذَا قَرَأَ رَأَيْتَ أَنَّهُ يَخْشَى اللَّهَ تَعَالَى”؛ فأخبر أن حسن الصوت بالقرآن قراءته على خشية من الله.

 ويكفي المتغنين بكلام الله تعالى شرفا – مع ضبط قواعده في القراءة – أن يجعلهم المصطفى صلى الله عليه وسلم في مقام ما يشغل به الأنبياء عليهم السلام أوقاتهم وحناجرهم، فعن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال سمعته يقول: “مَا أَذِنَ اللَّهُ لِشَيْءٍ مَا أَذِنَ لِنَبِيٍّ حَسَنِ الصَّوْتِ ، يَتَغَنَّى بِالْقُرْآنِ يَجْهَرُ بِهِ”. وبشر صلى الله عليه وسلم سيدنا أبا موسى الأشعري رضي الله عنه في الحديث الذي رواه البخاري ومسلم من طريق أبي بردة عن أبي موسى رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: “لو رأيتني وأنا أستمع لقراءتك البارحة، لقد أوتيت مزمارا من مزامير آل داود”.

قال العلماء المراد بالمزمار هنا الصوت الحسن، وأصل الزمر الغناء، وآل داود هو داود نفسه وآل فلان، قد يطلق على نفسه، وكان داود عليه السلام حسن الصوت جدا. قاله النووي .وقال القرطبي: “قال العلماء: المزمار والمزمور الصوت الحسن، وبه سُمِّيت آلة الزمر مزمارا، وقد استحسن كثير من فقهاء الأمصار القراءة بالتزيين والترجيع”. وفي تتمة الحديث قال سيدنا ابو موسى: يا رسول الله لو علمت أنك تستمع لحبرته لك تحبيرا” .والتحبير عند أهل اللغة: تَحْسِينُهُ وتَزْيِينُهُ.

3. القرآن الكريم كلام الله تعالى وفيه الجمال المطلق، فما الحكمة إذن من ترغيب المؤمنين في التغني بكلام الله تعالى تأكيدا على مزيد من الحرص على تزيينه؟

تزيين الصوت بكلام الله جل وعلا والتغني به من ديننا، حيث ينشغل المؤمن بالقرآن صحبة دائمة لصيقة آناء الليل وأطراف النهار، اقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم الذي كان خلقه القرآن قراءةً وسلوكا. فلا بد أن يغرف المؤمن من هذا العلم ويكون له الحد الأدنى منه إن لم يتح له أن يكون متبحرا محبّرا للقرآن كما كان الصحابي الجليل أبو موسى وغيره. والحديث الشريف تحدث عن التغني بالقرآن، وعن تزيين الصوت بالقرآن وعن تحبير القراءة… وكلها تدعو إلى عرض القرآن على الأسماع بجمال يرغب النفوس التي جبلت على حب الجمال المسموع حتى يكون وسيلة تدخل بها المعاني القرآنية إلى القلوب بيسر. فعن البراء بن عازب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “زينوا القرآن بأصواتكم، فإن الصوت الحسن يزيد القرآن حسنا”. والقرآن لا يحتاج غلى من يزيده حسنا لأن فيه الحسن كله، ولكن المقصود أن يقرأ القارئ القرآن بأسلوب جميل وبصوت ندي تتفاعل معه النفوس المطبوعة على التأثر بالأنغام الجميلة، والتي لا تستطيع التفاعل مع المعاني القرآنية مباشرة، حتى تكون التفاعل النغمي وسيلة ومقدمة للتفاعل مع معاني القرآن. وفي حياتنا اليومية ندرك هذا الأمر من خلال مثال نقرب به الفكرة. ألا ترى مثلا أن كثيرا من القصائد لكبار الشعراء اشتهرت وجرت وتجري على ألسنة الناس لسبب بسيط هو أنها لُحِّنَت وتغنى بها المتغنون فانتشرت وشاع ذكرها، بل تجد كثيرين يحفظونها عن ظهر قلب لأنها وجدت من يحسنها بصوته؟ وخير نموذج في هذا الشأن قصيدة البردة للإمام البوصيري رحمه الله. فقد كان دخول عنصر التغني على القصيدة سببا في انتشارها من جهة، وسببا في بث محبة النبي صلى الله عليه وسلم في القلوب.

4. تتحدث عن التغني بالقرآن الكريم وفيه وجهان، الأول له صلة بالقواعد والأحكام، والثاني له صلة بقواعد الأداء الصوتي كتوظيف المقامات الموسيقية وما إليها، غير أننا نلاحظ اهتماما بالوجه الأول على حساب الثاني، ما هو السبب في نظرك؟

لا شك أن قواعد وأحكام التجويد من قبيل صفات الحروف ومخارجها والمدود وأحكام النون الساكنة والتنوين وأنواع الوقف وغيرها هي الأساس والمنطلق الذي لا ينبغي الخروج عنه، لأن أي خروج عنه يفضي شيئا فشيئا إلى تحريف كلام الله تعالى. وقد حفظ الله تعالى كتابه من التحريف فهيأ سبحانه لهذا بما اختارهم سبحانه من علماء وضعوا قواعد وأحكاما لهذا العلم، أقصد علم التجويد، ينافحون عن كتاب الله في هذا المجال. وهناك فن آخر مكمل لقواعد وأحكام التجويد هو فن التغني بكلام الله تعالى. وهو فن، وسمه ما شئت: موسيقى، أنغام، مقامات… يهدف إلى تحسين الصوت بالقرآن وعدم النشاز فيه حتى لا يؤذي القارئ آذان المستمعين فينفر أرواحهم ونفوسهم وقلوبهم من كلام هو الجمال عينه. والله تعالى يحب الجمال لأنه جميل بديع أحسن كل شيء خلقه ثم هدى. وفسر بعض المفسرين قوله تعالى “يزيد في الخلق ما يشاء” بأن المقصود في الخلق في الآية الكريمة هو الصوت الحسن.

ولعل السبب في تشدد بعض العلماء والمهتمين بالتجويد في الأحكام والقواعد هو الخوف من أن يطغى جانب التغني بالقرآن على القواعد والأحكام من باب سد الذرائع، وحتى لا يشوش النغم على المطلب المقصود والهدف المنشود. لهذا نجد أغلب هؤلاء العلماء، القدامى منهم والمتأخرين، لا يهتمون إلا بقواعد التجويد فقط. وهو جزء من التجويد العام الذي يجب أن نهتم به. وأقصد بالعام هنا ألا ننسى ونتجاهل أيضا ما يتعلق بالنغمة والصوت… ولعل من أسباب تهميش بعض المتخصصين في علم التجويد لجانب التغني وتحسين الصوت بالقرآن قلة بضاعتهم في ما أنعم الله على غيرهم من صوت حسن ومن تمكن في الأنغام.

5. ليس لكل الناس القدرة على بلوغ درجة عالية من إتقان التغني بكلام الله تعالى، فكيف يحقق العبد المؤمن أكبر قدر منه؟

يجتهد كل بحسب ما وهبه الله من صوت، ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها. غير أن بلوغ أعلى درجات التغني بالقرآن الكريم يتأتى بكثرة الاستماع إلى أقطاب هذا الفن كالشيخ محمد رفعت ومصطفى إسماعيل والمنشاوي والبهتيمي والفشني والبنا وغيرهم… وهؤلاء العمالقة هم النموذج المثالي الذي يصلح للاقتداء. فهم متمكنون في القواعد والأحكام بأعلى ما يمكن من درجات، وهم متقنون مبهرون في التغني حتى فاقوا في التمكن من التغني خيرة رواد فن الغناء. ويتأتى التمكن من فن التغني بالقرآن الكريم كذلك بالتلقي المباشر عمن وهبهم الله تعالى هذا الفن من المجودين المشهود لهم من أصحاب الأصوات الجيدة والصيغ الجميلة في القراءة.