حاور موقع الجماعة نت الأستاذة حفيظة فرشاشي، عضوة الهيأة العامة للعمل النسائي لجماعة العدل والإحسان، على خلفية الندوة التي نظمتها الهيأة تحت عنوان: “مركزية الأخلاق والقيم في بناء الفرد والمجتمع” يوم السبت 21 أكتوبر 2017، أوضحت فيه اهتمام الهيأة ومن ورائها الجماعة بموضوع الأخلاق، وكذا أسباب تراجع الوازع الأخلاقي في مجتمعنا بشكل ملحوظ، وما إذا كان الأمر يتعارض مع الحرية الشخصية للأفراد، ومحاور أخرى تتعرفون عليها من خلال نص الحوار.

 

ناقشتن، في ندوة نظمتها الهيئة العامة للعمل النسائي لجماعة العدل والإحسان، قبل أسبوعين موضوع “مركزية الأخلاق والقيم في بناء الفرد والمجتمع”. ما الذي جعل هذا الموضوع يحظى باهتمامكن؟

اختيار الموضوع نابع من اقتناعنا بأن الدين عبادة وخلق ومعاملة، وفي الفصل بين ذلك تجزيء للدين وتضخيم لجانب على آخر، خصوصا أن هناك من يريد أن يصور الإسلام من داخل الطوائف الإسلامية على أنه مجرد طقوس توقيفية تؤدى بروتينية في طمس للبعد القيمي للإسلام هذا من جهة، ومن جهة أخرى هذا الهجوم – الذي يتماهى مع نظرة الغرب للإنسان – على قيم وأخلاق الإسلام مما يؤدي إلى إحداث شرخ هوياتي عند المسلمين بصفة عامة.

ما الخلاصات الأساسية التي توصلت إليها الندوة؟

أهم الخلاصات التي توصلت إليها الندوة هي أن البعد القيمي الأخلاقي للإسلام حاضر عند المسلمين منذ القدم، وأن الإسلام بطبيعته دين يعلي من القيمة الأخلاقية للإنسان، وأن سموه ورقيه وقربه من الله مبني على مدى بلوغه لكماله الخلقي هذا من جهة، ومن جهة أخرى يبدو أن الهجمة الغربية المتمثلة في العولمة أحدثت اضطرابا لدى المسلمين بين الانتماء لمنظومة قيمية أخلاقية إسلامية وأخرى غربية لا تألو جهدا في غرس قيمها الغريبة في التربة الإسلامية بوسائل متعددة، محاولة إحداث استلاب حضاري لا يمكن أن يصمد بإذن الله أمام سمو مبادئ الإسلام، والذي هو الملاذ الآمن الذي تنتظره الإنسانية لتعود إلى فطرتها، وتتصالح مع ذاتها، وتلبي حاجاتها الروحية الغائبة في الحضارة الغربية، وتبني مجتمعات التراحم الإنساني حيث يجد الإنسان ضالته التي افتقدها في مجتمعات تحكمها روح السوق من تنافسية وتكاثرية وعنف ودوابية يعيش فيها صقيع فردانيته.

في الحديث عن الواقع المغربي، ألا يلاحظ تراجع كبير للوازع الأخلاقي والأساس القيمي، وهو ما انعكس انفلاتا أخلاقيا كبيرا وسط الشباب؟

كما أسلفت الذكر هناك منظومتان قيميتان تتنازعان الإنسان المغربي عامة والشاب المغربي خاصة، حيث يلاحظ إصرار الدولة على إغلاق كل القنوات التي يمكنها إحداث مصالحة للمغربي مع هويته الإسلامية، في حين هناك من جهة أخرى إفساح للمجال أمام قيم غريبة عن مجتمعاتنا والتمكين لها بوسائل شتى، مما يجعل الإنسان المغربي يعيش أزمة قيم وأخلاق؛ وهو معذور في ذلك فهي هجمة قوية يحاول أمامها ثلة من الفضلاء ربط الأجيال الصاعدة بهويتها وتجنيبها هذا الشرخ، وهم في مهمتهم هذه يتعرضون للتضييق وتغلق في وجوههم البنيات المتيحة للتواصل من إعلام وجمعيات، ناهيك عن الدور المغيب للمسجد والاستهداف الممنهج للمدرسة والأسرة كحاضنة للفطر السليمة وقاطرة لتمرير البعد القيمي الحضاري لمجتمعاتنا. إذا فالشباب المغربي ضحية لسياسات ممنهجة لسلخه عن هويته ويجب التعامل معه من هذا المنطلق لا من منطلق تحميله مسؤولية ما آلت إليه حاله وكيل الاتهامات له.

يرى البعض أن التركيز على القيم والأخلاق تكبيل للحرية وتدخل في حياة الناس الأحرار في فعل واختيار ما يشاؤون. ما رأيك أستاذة؟
لا يختلف اثنان في أن الحرية قيمة معتبرة ويبقى الاختلاف حول الحرية من ماذا؟ فإذا كان الغرب المبني على إعلاء قيم الفردية والعقل كسلطان لا يعلى عليه ينظر إلى الحرية انطلاقا من هذا التصور، وأن سعادته الفردية تتجلى في إشباع ملذاته واتباع هواه ونزواته، فنحن في منظومتنا الإسلامية حيث يعتبر الإنسان جزءا من منظومة ربانية تحدد علاقته بربه وعلاقته بنفسه وعلاقته بأخيه الإنسان وبالكون عامة، فمفهوم الحرية يأخذ قيمته من قدرة الإنسان على التحرر من ثقل عالم المادة وسيطرة هواه ونزواته ليحقق قربه من الله واحترامه للعلاقات التي تجمعه داخل أسرة واحدة ومجتمع، وفي قناعتنا كمسلمين هي أسمى ما يحقق راحة الإنسان وسعادته واستقراره دنيا وآخرة. لذا على الغرب أن يمتنع عن فرض قيمه على حضارات أخرى تختلف عنه في نظرتها للحياة والإنسان، بل تتجاوزه في أبعاد تعجز عن إدراكها ترسانته الفكرية والقيمية، وأقصد بها البعد الغيبي وعلاقة الإنسان بربه، وها نحن نرى كيف تتبلور هذه الأزمة الروحية عندهم ولا مجيب لها من داخل الفكر السائد عندهم.

في تصوركن، هل القيم تصاغ في “حضن المجتمع” أم في “مؤسسات الدولة”؟ وما الأمثل؟

على الدولة أن ترفع يدها عن المجال العام والتحكم فيه بقصد ضمان الولاء المطلق للنظام سواء بالترهيب أو الترغيب والإلهاء، وتحرر الفضاء العام ووسائله من مجتمع مدني وإعلام ومسجد من قبضتها الحديدية، وللمجتمع المسلم الحي القدرة على بلورة قيمه وحماية أخلاقه النابعة من عمق هويته الإسلامية دون الخوف من حدوث استقطابات حادة تهدد تماسك نسيجه المجتمعي، أو إرهاب فكري مجتمعي ضد أقلية مذهبية، فالحمد لله في الحالة المغربية هناك من النضج ما يكفي لدى النخب لتفادي الوقوع في مثل هذه المنزلقات. خصوصا أننا نرى أن أي تغيير منشود لا يكون بالعنف ورفض الآخر بل هي مشاريع مجتمعية تتدافع بآليات الحوار والاستيعاب وتغليب المشترك.

كيف تتعاطى الدولة المغربية مع مسألة القيم والأخلاق في رأيك؟

رغم أن النظام المغربي يدعي أن له مشروعية دينية فأنه يعمل بشتى الوسائل لسلخ المغاربة عن هويتهم الإسلامية ليستتب له الأمر في استبداده وفساده، حيث نرى كيف أصبحت المدرسة المغربية عاجزة عن لعب هذا الدور وأنى لها ذلك وهي تتعرض لمعاول الهدم، فلا بنية تحتية مؤهلة ولا رجل تعليم له قيمته ومكانته الاعتبارية ولا برامج تعليمية في مستوى ما تتطلبه التحديات المستقبلية، بل أصبح التعليم سوقا يتحكم فيه صاحب الشكارة، أضف إلى ذلك إعلام لقيط يروج لقيم تضرب في الصميم دور الأسرة المحوري في البناء القيمي الإسلامي، وصورة المرأة المبتذلة التي لا تعدو أن تكون بضاعة للاستهلاك نافية عنها قيمتها كإنسان، كما يعمل على تضخيم الظواهر السلبية للتطبيع معها، ولا يقوم بأدنى دور في طرح بدائل تتماشى ومرجعيتنا وتفتل في حبل بناء مجتمع له مناعة تعطيه فعالية في وجه الأعطاب والتردي، هذا مع التشجيع على الميوعة وفتح الباب على مصراعيه أمام رياحها العاتية التي تجعل شبابنا كورقة في مهب الريح، ويضاف إلى هذا كله احتكار الشأن الديني ورهن العلماء الرسميين في المجالس العلمية دون دور فعال يذكر في غرس القيم والأخلاق الإسلامية، حيث يروج لإسلام القشور والمناسبات والتبرك، واقفا بالمرصاد لأي حركة تروم إرجاع الأمور إلى نصابها بمحاصرتها وإغلاق الأبواب دونها، ولا ننسى السياسات التفقيرية ودورها في اضمحلال قيمة الإنسان وترديه في دركات امتهان كرامته الإنسانية من أجل لقمة مرة.

كيف تؤدي جماعة العدل والإحسان دورها في غرس ورعاية الأخلاق في نفوس الأفراد؟ وما الأثر الإيجابي الذي يمكن أن يعود على المجتمع؟

تحتل مادة الأخلاق مكانتها المعتبرة داخل المنظومة التربوية والتعليمية للجماعة تصورا وممارسة باعتبار أن الدين عبادة ومعاملة وأخلاق، من هذا المنطلق ننظر على أن طلب الكمال الخلقي بتحري مكارم الأخلاق شرط أساسي في الترقي الإحساني وطلب القرب من الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم، وبهذا الفهم تصبح معالجة العيوب الخلقية جزءا لا يتجزأ من إعادة صياغة الأفراد، وإشاعتها شرط ضروري في بناء مجتمع مسلم.

كما تعمل الجماعة على غرس قيم التعايش ونبذ العنف واحترام الآخر، ورفض تام لتجريم المجتمع أخلاقيا وإصدار أحكام قيمية، فنحن نعيش كمغاربة في صراع هوياتي، وأن رأس البلاء هو هذا الاستبداد والفساد الجاثم على الرؤوس، وأن فعلنا المجتمعي لا يمكن أن يتجاوز إطار التدافع السلمي والحوار دون إقصاء للآخر المختلف عنا في مرجعيته، وما نطلبه هو أن يفسح لنا المجال كباقي الفاعلين المجتمعيين لعرض مشروعنا المجتمعي.

ما القيم التي تحملها الهيئة العامة للعمل النسائي؟ وما الدور الذي تقوم به مؤسساتها في تربية النساء على الأخلاق الحميدة؟

القيم التي نسعى إليها هي قيم إسلامية نرى أن فيها راحة وسعادة الإنسان بصفة عامة والمرأة بصفة خاصة، فمن قيمة حضور البعد الغيبي في حياة المرأة واستعادتها لحقها في معرفة الله كمجال ليس حكرا على الرجل، ففي ذلك تحرير لها من دونيتها واستعادة لثقتها بربها وبنفسها كأنثى ومصالحتها مع فطرتها، فالاختلاف لا يعني النقص، والرجل ليس مقياسا تقيس به المرأة كمالها، ومن مقتضيات فطرتها اعتزازها بدورها كأم حاضنة للفطرة وقطب الرحى في استقرار الأسرة بما أوتيت من أخلاق الرفق واللين والبذل وحسن التصرف والقدرة على تمرير العملية التربوية بنجاعة، وأن الأسرة لبنة أساسية في بناء مجتمعات سوية، هذا مع التأكيد على دور المرأة المحوري في أي تغيير مجتمعي منشود، وأن حضور العين النسائية في الشأن العام مطلب إسلامي ملح في الوقت الحالي، وغيابه لقرون بتغييب المرأة ونظرتها للأمور أثر سلبا على تطور سوي ومتوازن للمجتمعات المسلمة.