أورد الأستاذ المصطفى حمور، في إحدى فقرات مجلس النصيحة، وهو يتناول موضع الصدق «قصة صحابي جليل فاتته غزوة بدر، هو سيدنا أنس بن النضر رضي الله تعالى عنه.. فكبر عليه هذا الغياب، وأخذ يقرع نفسه ويحاسبها كونه غاب عن أول مشهد يشهده سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم»، وهو ما جعل الصحابي الجليل يقطع على نفسه عهدا أظهر «عزيمته وقوة إرادته وكيف انتقل بها من قاع النفس إلى عزائم الأمور» قائلا «غبت عن أول قتال قاتله رسول الله صلى الله عليه وسلم المشركين، لئن أشهدني الله عز وجل قتالا ليرين الله ما أصنع»، «فشهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم غزوة أحد من العام القابل، فاستقبله سيدنا سعد بن مالك فقال له يا أبا عمر أين؟ فأجابه ‘الجنة ورب النضر إني أجد ريحها من دون أحد’».

ويكمل الأستاذ حمور القصة ساردا «وفي غزوة أحد ينكشف المسلمون ويتخاذل بعضهم ويرجع بعضهم بعد الهزيمة التي تلت النصر المعروف، فيتجه سيدنا أنس إليهم ويرفع يده إلى السماء ويقول ‘اللهم إني أعتذر إليك مما صنع هؤلاء’ ثم يلتفت إلى المشركين ويقول ‘وأبرأ إليك مما جاء به هؤلاء’، ثم يتقدم فيلقاه سيدنا سعد بن معاذ رضي الله عنه فيقول له أنا معك، قال سعد ‘فما استطعت يا رسول الله ما صنع’ حتى قتل فوجد في جسده بضع وثمانون ما بين ضربة سيف وطعنة رمح ورمية سهم، تقول أخته الربيّع بنت النضر رضي الله تعالى عنها ‘فما عرفت أخي إلا ببنانه’».

ويسترسل حمور: «وفيه نزل قوله تعالى مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ۖ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ ۖ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا، فكان الصحابة يقولون فيه وفي أصحابه نزلت ومنهم سيدنا طلحة ابن عبيد الله وسيدنا عثمان بن عفان وسيدنا حمزة وسيدنا مصعب بن عمير ».

صدق الصحابي الجليل عهده و«ظهر صدقه في هاته الغزوة المباركة لما أشاعت قريش أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قتل حتى ينخذل المسلمون، فيقول رضي الله تعالى عنه واللواء بيده بل موتوا على ما مات عليه’.. فيقف النبي عيه الصلاة والسلام وهو ينظر إلى سيدنا مصعب بن عمير وهو مقتول ويتلو هذه الآية ويقول «أشهد أن هؤلاء شهداء عند الله يوم القيامة فأتوهم وزوروهم، والذي نفسي بيده لا يسلم عليهم أحد إلى يوم القيامة إلا ردوا عليه».

ثم انتقل حمور بعد سرده لقصة سيدنا النضر في وفائه بعهده وصدقه مع الله لشرح الآية التي نزلت فيه «في هذه الآية من المؤمنين رجال تحدث الله تعالى عن المؤمنين، بل عن خصوصية في هذا الإيمان وهي خصوصية الرجولة، أي من المؤمنين ثلة أبطال شجعان مخلِصون بل مخلَصون لله تعالى، كاملون في شجاعتهم وفي وفائهم وإخلاصهم وثباتهم لله تبارك وتعالى، ولذلك فكلمة رجال هي صفة جامعة كما قال الإمام عبد السلام ياسين في كتابه “الإحسان” بين صفتين؛ صفة الصدق كما في هاته الآية وصفة الذكر في قوله تعالى فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوّ وَالاَصَالِ * رِجَالٌ لاّ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللّهِ وَإِقَامِ الصّلاَةِ وَإِيتَآءِ الزّكَـاةِ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأبْصَارُ ، فهم صادقون ذاكرون لله تعالى».

وأكمل شارحا صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْه: «تحدث الله تعالى عن صدقهم، فقد حققوا وأنجزوا مواثيقهم ووفوا بعهودهم التي عاهدوها الله ورسوله؛ من الثبات على العزيمة ومن التصبر في المعركة وعدم التزلزل من المحل الذي عين لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في صف القتال ولم يجبنوا ولم يضعفوا، لذلك أخبر الله سبحانه وتعالى عنهم ورفع من شأنهم. ولم يذكر الله سبحانه وتعالى المعهود وإنما ذكر صدقهم في العهد»، وتساءل «ما هو عهدهم مع الله تعالى؟» وأجاب موضحا «كل ما يأتيهم من الله تعالى فهو عهد معه سبحانه وتعالى”. وساق حمور مثالا للتوضيح: «يحدثنا سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن عهد الصلاة.. فيقول: «العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر» والحديث نسمعه كثيرا وقد ينصرف الذهن إلى نوع من الناس، ويفهم أن المقصود من الحديث هم تاركو الصلاة»، وأوضح المعنى من الآية الكريمة «ترك الصلاة ترك خشوعها، وترك التدبر فيها، وترك آدابها، وترك الإحسان وإقامة الفطرة إلى الله سبحانه وتعالى.. فالمقصود بالكفر هنا ما يقابل الشكر وليس الخروج عن الملة كما ذهب بعض الناس»، يعضد هذا حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم «إن العبد لينصرف من صلاته ولم يكتب له إلا نصفها إلا ثلثها إلا ربعها إلا خمسها إلا سدسها إلا سبعها إلا ثمنها إلا تسعها إلا عشرها» فهي «صلاة أجساد لا صلاة أشباح». إذن فالحفاظ على الصلاة عهد وجب على المسلم الوفاء به.

وزاد المتحدث موضحا قول الله تعالى فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ ۖ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا أن «الله تعالى عندما تحدث عن هؤلاء الرجال الصادقين فصلهم قسمين؛ من قضى نحبه، والنحب، قال العلماء، المقصود به النذر والعهد وهناك من قال المقصود به الموت».

واستشهد حمور في استخلاصه لمعاني الآية الكريمة المادحة للصادقين بقول الإمام القشيري رحمه الله ”شَكَرَ صنيعَهم في المراس، ومدح يقينهم عند شهود البأس، وسماهم رجالاً إثباتاً لخصوصية رتبتهم وتمييزاً لهم من بين أَشكالهم بعلوِّ الحالة والمنزلة، فمنهم مَنْ خرج من دنياه على صدْقه ومنهم مَنْ ينتظر حكم الله في الحياة والممات، ولم يزيغوا عن عهدهم، ولم يراوغوا في مراعاة حدِّهم ؛ فحقيقةُ الصدق حِفْظُ العهد وتَرْكُ مجاوزة الحدِّ».

وختم حمور كلمته بمقتطف من كتاب الاحسان، الفصل الخامس، المنزلة العظمى للإمام عبد السلام ياسين رحمه الله «فاتك تصحيح النية والصدق في الطلب والصواب في التوجه. وتلك هي المنزلة العظمى. لا يغنيك تألّق مصير الجماعة، ولا تمكين دين الله في الأرض، ولا فلاح من أفلح، ولا اختلاف من اختلف إن لم تتحقق لك أنت مع الله جل شأنه رابطة العبودية والمحبة والقربة لتكون من الذين إن تقربوا إليه شبرا تقرب إليهم باعا، وإن تقربوا إليه بالفرض والنفل صادقين صابرين منتظرين داعين راجين خائفين قربهم وكان سمعهم وبصرهم ويدهم ورجلهم. ويحك! إن لم تصحح القصد وتصدُقْ في الطلب قيل لك يوم يكلَّل هامُ الأمة بتاج الخلافة في الأرض: قم، فقد استوفيت حقك، ونلت ما كتب لك، وأُعْطيتَ سُؤْلك، لم تطلب الله يوما. ومن فاته الله فاته كل شيء. ويحك! طلبت منه النصر والجنة، ما طلبت قربه والنظر إلى وجهه! وما طلبت مقعد الصدق عنده مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين. ضاع عمرك!

حفظت العهد ما خنت الأمانة ** فحفظ العهد أصل للديانة

نذرت دمي دفاعا عن حماها ** ورفضا للخنوع والاستكانة

فها أنا ذا في معترك المنايا ** عليّ القدر مرتفع المكانة ».