أجرى موقع الجماعة نت حوارا مع الدكتور عزيز بنصباحو، أستاذ العلوم الاقتصادية بجامعة ابن طفيل بالقنيطرة، على خلفية تقرير البنك الدولي حول الآفاق الاقتصادية في المغرب، بسط فيه رؤيته لمجموعة من الأرقام والمعطيات التي وردت في التقرير، هذا نصه:

أصدر البنك الدولي تقريرا جديدا حول الآفاق الاقتصادية لمجموعة من الدول ومن ضمنها المغرب. ما مدى مصداقية الأرقام التي وردت في التقرير؟

هي أرقام جلها ذات مصدر من البنك الدولي نفسه أو من تقارير المندوبية السامية للتخطيط، فهي إذن أرقام رسمية، إلا أن أغلبها يرسم صورة قاتمة عن النتائج المحصل عليها على المستوى الاقتصادي والاجتماعي (نسبة البطالة ونسبة النمو والعجز التجاري ونسبة الأمية…) مقارنة مع مستوى الاستثمار من جهة، ومقارنة مع النتائج التي حصلت عليها عدد من الدول التي كانت في نفس مستوى المغرب إلى زمن قريب.

أفصح التقرير عن انتعاش القطاع الزراعي عام 2017 بعد التقلص الذي عرفه خلال سنة 2016، فكان من نتائجه أن ارتفع معدل النمو الاقتصادي إلى 4,3% في النصف الأول من هذه السنة. إلى أي مدى ستمتد الآثار الإيجابية لهذا الانتعاش؟ وهل هناك سياسة تجعل القطاع غير مرتهن للتغيرات المناخية؟

ما يتميز به الاقتصاد المغربي هو مرهونية النمو إلى حد كبير بالإنتاج الفلاحي إضافة إلى تبعيته للظروف الخارجية (النمو في الاقتصاديات الشريكة خاصة أوروبا وكذلك سعر النفط)، مما يدل على أن نمو الاقتصاد المغربي حين يتصاعد لا يمكن إرجاع ذلك إلى سياسة اقتصادية إرادية للدولة، ومن تمّ تبقى الآثار الإيجابية لأي تطور محدودة في الزمن، إذ سرعان ما يتراجع معدل النمو، وهذا الأمر طبع الاقتصاد المغربي منذ السبعينات من القرن الماضي مما يدل على غياب استراتيجية اقتصادية شاملة لدى السلطات. إنه من المهم تحقيق نمو إيجابي لكن الأهم هو الحفاظ على مستوى نمو مرتفع على المدى الطويل أو على الأقل المدى المتوسط.

ارتفع معدل البطالة حسب التقرير إلى «9.3% في الربع الثاني لعام 2017، لاسیما في صفوف الشباب (23.5%) والمتعلمین (17%)». إلى ما تعزو هذا الارتفاع؟

للتصحيح فقد ارتفع معدل البطالة في الفصل الثالث من هذه السنة إلى 10,6% حسب المندوبية السامية للتخطيط، ويرجع الارتفاع في تقديرنا لعدة عوامل مركبة من بينها:

– ضعف التشغيل في القطاع الخاص لأسباب من بينها معاناة هذا القطاع مع تصرفات الدولة في تعاملها مع دفع المتأخرات وكذلك استرداد المستحقات من الضريبة على القيمة المضافة؛

– شبه استقالة الدولة وعدم تحمل مسؤولياتها في التوظيف خاصة وأن عددا من القطاعات تعرف خصاصا مهولا كالتعليم والصحة؛

– معاناة التشغيل الذاتي من العراقيل الإدارية والتمويلية.

جاء في التقرير أن عجز الموازنة تراجع في 2017، واستقر الدين العمومي عند نحو 65% من إجمالي الناتج المحلي. هل هذا يعني بداية تحرر الاقتصاد المغربي؟

أولا يجب التأكيد على أن معدل المديونية للمغرب تفوق 83 في المائة من الناتج الداخلي الخام،وما يتم الإعلان عنه ما هو إلا نسبة مديونية الخزينة (65 في المائة)، بحيث يتم إغفال دين المؤسسات والمقاولات العمومية والدين المضمون. فالنموذج الاقتصادي المغربي مبني أساسا على الدين سواء بالنسبة للأسر أو للدولة. وهذا النمودج غير ناجع لتحقيق التنمية على المدى المتوسط أو البعيد.

أما الكلام عن تحرر الاقتصاد المغربي فيبقى لحد الآن بعيد المنال، حيث تبقى المؤسسات المالية الدولية قابضة ووصية عليه من حيث التمويل وكذلك التوصيات فيما يتعلق بالسياسات التي يجب اتباعها. وتجدر الإشارة هنا إلى أن خط الوقاية والسيولة الذي منحه البنك الدولي للمغرب يبتز بواسطتة الدولة بأداء 120 مليون دولار سنويا (720 مليون لمدة ست سنوات) دون أن يتم استعماله.

كشف التقرير أنه، وعلى صعيد المعاملات الخارجية، تفاقم عجز الميزان التجاري في النصف الأول لعام 2017، وأن معظم الواردات تتألف من منتجات الطاقة. كيف والمغرب يتوفر على احتياطي عالمي من الفوسفاط؟

تفاقم عجز الميزان التجاري ليس وليد سنة 2017 بل هو في تدهور مستمر منذ سنوات خلت، والمفارقة هي أن المغرب اعتمد كثيرا في استراتيجيته التنموية على السوق الدولية حينما وقع عدة اتفاقيات للتبادل الحر مع عدد من الدول، ولحد الآن فالمغرب يعرف عجزا تجاريا مع كل هذه الدول.

نعم المغرب يتوفر على احتياطي عالمي مهم من الفوسفاط، إلا أن هذا القطاع يعاني من معوقات كغياب التنويع في الإنتاج والتصدير وكذلك عدم استقرار الأسعار على المستوى العالمي، أضف إلى ذلك ضعف رقابة أجهزة الدولة على هذا القطاع مالية كانت أو تدبيريه.

أقر تقرير البنك الدولي باستمرار «التفاوتات بين المناطق في الحصول على الخدمات ومرافق البنية التحتية». ما الذي يجعل هذه التفاوتات تزداد مع الزمن بدل أن تعمل الجهات المختصة على تقليصها؟

منذ ما سمي بالاستقلال ونحن نسمع ونقرأ عن المغرب النافع والمغرب غير النافع، وهذا الحال لا يزال قائما حتى اللحظة بالرغم من الكلام على الجهوية والجهوية الموسعة التي تبقى شعارا في غياب الفعل الحقيقي، ذلك أن المشاريع ”التنموية” تبرمج مركزيا ولا استشارة فيها للجهات المعنية، بل حتى تفويت بعض الصلاحيات للجهات تبقى جد محدودة وغير فعالة إذ لم تهم كل القطاعات وبشكل متوازٍ ومصاحبة بالإمكانيات المالية والمادية، ذلك أن المشاريع التنموية بطبيعتها مركبة وتحتاج لتدخلات أطراف عديدة ولآليات مالية ومهاراتية متنوعة، وهذه الإمكانيات لا تتوفر عليها جل مناطق البلاد.

أعزى البنك الدولي تضرر نموذج النمو في المغرب إلى انخفاض الإنتاجية، وتدني عوائد الاستثمار.. بسبب افتقار استثمارات القطاع العمومي إلى الكفاءة. هل فعلا يفتقر المغرب إلى كفاءات تستطيع النهوض بالقطاع الاقتصادي المغربي؟

المقصود هنا هو أن المسؤولين في المغرب اهتموا بالاستثمار في الرأسمال الثابت وتناسوا العنصر البشري، أو كما يمكن تسميتها ”التنمية الحجرية على حساب التنمية البشرية‘’.

ولا يتصور تنمية بلد ما في غياب سياسة تهتم بتنمية القدرات والكفاءات والمهارات الإنسانية للمواطنين، فكل السياسات الإصلاحية في التعليم باءت بالفشل، ونسبة الأمية في البلد لازالت جد مرتفعة، وفي غياب الاهتمام بتربية وتكوين الإنسان لا ترجى تنمية.

قدم البنك الدولي مجموعة من المقترحات لأجل الحفاظ على نمو الإنتاجية، من قبيل «زيادة انتقال الأيدي العاملة ورؤوس الأموال من الشركات ذات القيمة المضافة المنخفضة إلى الشركات ذات القيمة المرتفعة»، و«تحسين جودة التعليم»، وغيرها. ما مدى نجاعة هذه المقترحات في رأيكم؟

كما هو معروف يوجد في الاقتصاد المغربي قطاعين: قطاع مهيكل وآخر غير مهيكل، وفي القطاع المهيكل، صناعيا كان أم فلاحيا أم خدماتيا، توجد شركات ذات إنتاجية عالية بينما تعاني الشركات التقليدية من ضعف القيمة المضافة المنتجة، فانتقال اليد العاملة من الفلاحة إلى الصناعة من شأنه أن يضر بالإنتاج الفلاحي ويرهن مستقبل الأجيال القادمة فيما يتعلق بالأمن الغذائي.

القطاع الفلاحي قطاع استراتيجي وجب تطويره بجانب القطاعات الأخرى وذلك للحد من التبعية للخارج، إلا أن تطوير وتنويع الإنتاج لا يمكن تحقيقه في غياب سياسة تربوية وتعليمية وتكوينية ناجعة.