الوفاء بالعهد دعوة وجهادا…

 قال الله سبحانه على لسان إحدى ابنتي شعيب: يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ 1، وقال على لسان جليس النبي سليمان عليه السلام: إِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ 2. وجاء على لسان يوسف، قوله سبحانه: اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ 3، وقد وصف رسوله بقوله: مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِين 4. قوة وأمانة وحفظ، أدوية استعجالية لعلاج هوان الأمة وذلها واستضعافها بين الأمم. أمناء أقوياء، يحملون هم الدعوة والجهاد بالتي هي أحسن وبالحجة والحوار ونبذ كل أشكال العنف أو الدعوة إليه “لأن الإسلام ما قام بعنف ولن يقوم،” 5 “وإن رسول الله صرح بوجوب الرفق وسمى العنف وأوصى بالحذر منه” 6، وفي المقابل أنكر علينا الاستكانة والدروشة والاستسلام، بل دعانا إلى القوة في الجهر بالحق والسير وفق “منهاج النبوة القائم على الرفق والحكمة للعمل الإسلامي” 7 والسعي إلى بيان نجاعته وضرورته لتغيير ما بالفرد والجماعة.

 في سنن الله التي لا تحابي أحدا، نذكر أنه سبحانه لا يصلح عمل المفسدين  8 و“إذا نفى الله إصلاحها فذلك بتركها وشأنها، ومن شأن الفساد أن يتضاءل مع الزمان حتى يضمحل” 9 ويموت ميتته الطبيعية، ومن سننه كذلك نصر كل مغلوب، وإظهار مظلمة كل مظلوم، وإظهار برهان كل داع اليه، فردا أو جماعة، بشرط أن يكون “الأمناء على الرسالة… أقوياء على أدائها وحَمْلِ أعبائها” 10، وأن يكونوا كذلك مستعدين لاسترخاص دمائهم وأموالهم… غايتهم إقامة العدل ونشر الأمن والسلام، “على ما فتح الله عليهم من أرض وأرزاق، يضيفونها إلى ما يبذلونَ من تليد أموالهم ليُنفقوا كل ذلك في سبيل الله.” 11 لا يخونون من خانهم، فأحرى من ائتمنهم، ولا من شهد على صك ائتمانهم، يعرفون بدقة معنى قوله تعالى: وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ 12، في حق من لم يقدر المسؤولية قدرها، ومن ضيع الأمانة، ولم يرفق وغفل عمن هم تحت رعايته أو وصايته أو… وأُبَشر هؤلاء أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان واضحا في هذا الشأن بقوله: “ما من عبد يسترعيه الله رعية يموت يوم يموت وهو غاش لرعيته إلا حرم الله عليه الجنة” 13وإنه لربط حقيقي بين المسؤولية والمحاسبة، هناك في محكمة لا تعرف المحسوبية ولا تحابي أحدا، ولا تنتظر تعليمات من أحد، ولا مجال فيها لمنطق الضيعة.

طالع أيضا  الوفاء بالعهد: اتباعا ومحبة ودعوة وجهادا... (5)

 منطق الضيعة، شجع أهل القرى الإمعان في إذلال من تبقى من نماذج طاهرة تمشي على الأرض، وجعل كل من يبدو شريفا طاهرا نقيا وذا كرامة، مهددا للسلم الاجتماعي، بل منغصا ومكدرا عليهم صفاء مجونهم، وبالتالي حق عليه تمريغ الوجه في التراب، ولسان حالهم يقول: لا مجال للطهر عندنا، أو كما قال سبحانه: وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَن قَالُوا أَخْرِجُوهُم مِّن قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ    14

 قيل عند فتح مكة: “من دخل دار أبي سفيان فهو آمن ومن أغلق عليه داره فهو آمن ومن دخل المسجد فهو آمن” 15، قوة وعزة ورفعة بعد استضعاف، أمانة وأمن وتأمين وطمأنة للناس على أرواحهم وأموالهم وأعراضهم في عز الانتصار وذل المنهزم الذي أصبح غنيمة وما يملك، يأتي الفرج والبشرى لكل مستضعف، كلام مسؤول من مسؤولين أمناء، مبشرين لا منفرين، يقدرون المسؤولية، بل وعلى استعداد لتقديم مهجهم “ثمنا لنُصرة دين الله والمستضعفين كما أمرهم الله في مُحكَم كتابه، ولم يكن هدفُهم أن ينهبوا خيراتِ البلاد المفتوحة” 16، أو تسمين الأرصدة هنا وهناك أو مسخ القدوة المجاهدة، أو تكميم الأفواه الناهية عن المنكر وبالمعروف آمرة في الأسرة والإعلام والمسجد والتعليم، بل كانوا أوفياء أمناء حافظين أقوياء وذوي نجدة وثقة.

 فأهينت؛ بعدهم؛ كرامة العالم والفقيه والداعية والمعلم الذي كاد أن يكون رسولا؛ وهي إهانة لا مجال لقياسها بمقاس السياسيين، وإنما “بمقاييس… الفشل الخلقي والحضاري العام هو أن يهان رجال التعليم ويساموا الخَسف ويذلوا إذلالا” 17، ومع ذلك، وهذا هو العجب العجاب، ألاّ يرقى إذلالهم، حسب من يهمهم الأمر، إلى تجريم من أهانهم. رزْء وأي رزْء رُزِئنا به: إهانات وسب ولعن وضرب وجرح، وإذا “أهين المعلم وسُب ولُعن حتى جُرحت كرامته الجرح الذي لا يندمل فإنما أهين الشعب وديست كرامته” 18. وقس على ذلك إهانة حملة القرآن، أشراف الأمة، والأئمة العاملين، والاستخفاف بهم؛ وإنما هو استخفاف بكتاب الله؛ وجعلهم خداما، تحت القهر والحرمان، أوفياء يسبحون بحمد من استأجرهم بأبخس الأثمان، وما خلقوا لذلك لأنهم أمناء على نور ربنا.

طالع أيضا  الوفاء بالعهد: اتباعا ومحبة ودعوة وجهادا... (4)

 لقد تعلمنا في جماعتنا اليقين في موعود ربنا، وألا تشغلنا الأحداث اليومية أو تستفزنا، فإنما هي فتنة، فبعد انجلاء غشاوة السحر يبدأ الزحف إلى من تهفو القلوب والأسماع إليهم، حينها يفر كل مستضعف مظلوم، يشكو مظلمته إليهم، يشكو عرضه الذي انتهك وماله الذي نهب وأخلاق أبنائه وبناته التي ميعت وكرامة الأرملة التي ديست… بل وخيرات وطنه البشرية والطبيعية التي سرقت وهربت تحت مسميات عدة، حينئذ ينبري الوفي القوي الحفيظ العليم والأمين، فيشاركهم آمالهم بصدق، ويستمع لأنينهم ويخالطهم مجالسهم وأسواقهم، “نفسه مُنيبَةً إلى الله، ترفعه نيتُه الصالحة إلى حيثُ لا تنَال منه نوازعُ الهَوَى. ويُشَرِّفُه تواضعُه لله، وانبساطهُ غير المفتعل لعباد الله، فلا يحتاج أن يتملق الشعب كما يفعل طُلاب الرئاسة والزعامة وقناصو الأصوات الانتخابية” 19، رافضا “كل ذل، وكلِّ منكر، وكلِّ عبودبة لغير الله عز وجل.” 20

 


[1] القصص: 26.
[2] النمل: 39.
[3] يوسف: 55
[4] التكوير: 21.
[5] ياسين عبد السلام، تقديم، الإسلام غدا، ص: 9، انظر خدمة سراج.
[6] الإسلام غدا، ص: 116، انظر خدمة سراج.
[7] تقديم، الإسلام غدا، ص: 9، انظر خدمة سراج.
[8] يونس: 81.،
[9] الطاهر بن عاشور، التحرير والتنوير 11/256.
[10] ياسين عبد السلام، إمامة الأمة، ص:268
[11] إمامة الأمة، ص:268
[12] الصافات: 24.
[13] متفق عليه.
[14] الأعراف: 82.
[15] محمد شمس الحق العظيم آبادي، عون المعبود، دار الفكر1415هـ / 1995م، سنن أبي داود، كتاب الخراج والإمارة والفيء، باب ما جاء في خبر مكة.
[16] إمامة الأمة، ص: 268
[17] ياسين عبد السلام، مجلة الجماعة، ع: 2، ص: 7.
[18] مجلة الجماعة العدد 02
[19] إمامة الأمة، ص: 30.
[20] نفسه، ص: 30.