قد يموه المستبد على الناس حينا من الزمن، وتنطلي عليهم حيله حينما يصور لهم ظلمه عدلا، وتسلطه رشدا، ووجوده رحمة، وغيابه فوضى ودمارا. وقد يزداد تمويها عندما ينشئ مؤسسات صورية لتمثيل الشعب ويدعي إشراكه في الحكم، ويدبج القوانين الشكلية بمفاهيم الحرية والعدل والمساواة والكرامة، وينشر الدعاية في الداخل والخارج على أنه مثال يحتذى به ونموذج يُقتفى أثره في الانتقال الديمقراطي وترسيخ دولة الحق والقانون وإعطاء مفهوم جديد للسلطة. 

لكن هذا التمويه سرعان ما ينكشف زيفه لينكسر الادعاء الديمقراطي الهش على صخرة الواقع الصلب، فتصادر الحريات وتحاصر الأفكار وتقمع الإرادات الحرة، ويزج بالأحرار في السجون والمعتقلات لأنهم عشقوا العدل وفكروا بحرية وتصرفوا بكرامة يأباهما منطق الاستبداد الذي لا يري في الشعب إلا قطيعا يقاد.

ولأن عمر محب مواطن حر كريم اختار الانتماء إلى حركة حرة كريمة، شجاعة في قولها للحق ومناصرتها له بالحكمة والرحمة والرفق، وثابتة في مدافعتها للباطل بالموقف الصلب المسؤول، وهي جماعة العدل والإحسان التي لم يدخر النظام الاستبدادي في المغرب جهدا لإجهاض مشروعها، ومكرا لإسكات صوتها، وحيلة لمحاصرة فكرتها، وفرصة لإبعاد الناس عنها. فقد ناله، فرج الله كربته، ما نال إخوانه من قبله ومن بعده من اعتقال ظالم ومحاكمات صورية وسنوات من التعذيب والإهانة والاستفزاز لعله يتنكر لجماعته أو يتنازل عن كرامته أو تقدم جماعته تنازلات أو تتخلى عن بعض مبادئها، ليصفو الجو للاستبداد ليستحوذ على الحكم بلا رقيب، ولينهب البلد بلا حسيب، وليتسلط على الناس بلا معارض.

وتعود أطوار هذا الملف إلى يوم الخامس عشر من شهر أكتوبر سنة 2006م حينما اعتقلت السلطات المخزنية السيد عمر محب بشكل مفاجئ من داخل معرض كان يُنظمه بمدينة فاس، بناء على مذكرة بحث مزعومة صادرة في حقه منذ سنة 1993م في موضوع مقتل الطالب آيت الجيد بنعيسى الذي قتل في 25 فبراير 1993م في خضم الصراع الإيديولوجي الذي عرفته الساحة الجامعية في مجموعة من المواقع الجامعية حينذاك.

طالع أيضا  زيارة أسرة في ذكرى أسير

 هذا في الوقت الذي كان فيه السيد عمر محب يعيش على مرأى ومسمع من الجهات الرسمية طيلة هذه المدة، بل على علاقة إدارية دائمة – في إطار عمله التجاري وكذا المعارض التي يُنظمها – مع السلطات بفاس، مما يطرح أسئلة مشروعة حول الخلفيات الحقيقية للاعتقال خاصة وأن العلاقة بين المخزن وجماعة العدل والإحسان شهدت توترا كبيرا سنة 2006م، حيث شنت الدولة على الجماعة حملة مسعورة غير مسبوقة من الاعتقالات والمضايقات لأعضائها وأطرها وخطبائها وجمعياتها ومقراتها.

كما أن تفاصيل المتابعة التي تعرض لها السيد محب أوضحت الخلفية الحقيقية للاعتقال والمقصود الفعلي من الاستهداف، فإضافة إلى المدة الفاصلة بين حدث مقتل آيت الجيد وتاريخ القبض على محب، أكدت هيئة دفاع السيد عمر محب أن المسطرة التي توبع محب بناء عليها شابتها مجموعة من الخروقات الشكلية، سواء فيما يتعلق بالبحث التمهيدي أو بالأمر بالإحالة، وعددت الدفوع في انعدام حالة التلبس، وعدم توفر أركان تهمة القتل العمد التي توبع بها عمر محب، وسبقية البث في التكييف القانوني؛ إذ سبق لقاضي التحقيق أن تابع شخصين آخرين بالضرب والجرح المفضي للموت، فيما تابع آخر وهو الخمار الحديوي بالمشاركة في نفس الفعل، هذا بالإضافة إلى الخروقات مست جوهر القضية وتتمثل أساسا في اعتماد المتهم الأخير شاهدا وحيدا.

سياق الاعتقال وحيثيات المتابعة إذن تؤكدان أن اعتقال محب هو اعتقال سياسي حاول المخزن أن يلبسه لبوس الحق والقانون لاستهداف خصمه السياسي العنيد جماعة العدل والإحسان، وفي هذا يقول المعتقل السياسي عمر محب نفسه في حوار أجراه معه موقع الجماعة.نت من وراء أسوار الاعتقال في أكتوبر 2007: “بالتأكيد ملف غير عادي.. وإلا أين كانت السلطة منذ ما يقارب 14 سنة.. لقد اعتُقلتُ في أوج الحملة المخزنية على أعضاء جماعة العدل والإحسان، حيث كانت التهم تُكال للمئات من أعضاء الجماعة في ربوع الوطن.. وكان نصيبي تهمة من العيار الثقيل: “القتل العمد”. لكن هيهات أن تنال مثل هذه التهم الملفقة من التنظيم أو من أعضائه”.

وقد جاء في رسالة الوفاء التي بعث بها المجلس القطري للدائرة السياسية لجماعة العدل والإحسان إلى المعتقل السياسي عمر محب، وذلك في دورته السابعة عشر المنعقدة في يناير 2014م والتي جعلت من الوفاء لقضية عمر محب شعارا لها ما يثبت هذا الطرح: “لقد تم اعتقالك على خلفية أحداث شجار طلابي لم تحضره ولم تشارك فيه من قريب أو بعيد، وبعد مضي أزيد من ثلاثة عشرة سنة على الحدث … رغم معرفة من اعتقلوك أنك معتقل سياسي وأن سبب اعتقالك الخفي هو انتماؤك لجماعة العدل والإحسان الحركة السلمية التي لم تنبذ شيئا كما نبذت العنف. ومعاناة أسرتك الصغيرة أثناء الزيارة، ومنع أسرتك الكبيرة من الأقارب والأصدقاء والمحبين من زيارتك”.

 الأستاذ فتح الله أرسلان نائب الأمين العام لجماعة العدل والإحسان اعتبر من جهته أن اعتقال عمر محب المحكوم بعشر سنوات، قضى منها 7 سنوات في سجون الظلم هو “لتصفية حسابات سياسية مع خصم سياسي، أريد من خلال هذه المحاكمات والملفات المطبوخة تركيع وتطويع الجماعة وبأن تستسلم وتقبل اللعبة كما يريدها النظام”. وأضاف، في سياق زيارة دعم ومؤازرة قام بها وفد من قيادة الجماعة لأسرة عمر محب بمناسبة الذكرى السابعة لاعتقاله، أن “هذا الملف المطبوخ اتهم فيه أخونا محب ظلما بجريمة قتل بريء منها، وقد كان في البيضاء ولم يكن في الأصل بمدينة فاس حينها.. ولم يكن الغاية منه رأس عمر محب، بل رأس الجماعة، كما جرى مع الكثير من أعضاء الجماعة في سنوات سابقة.. ولكن الحمد لله، لم ينل ذلك منه شيئا”.

من جانبه اعتبر الدكتور محمد سلمي منسق الهيئة الحقوقية لجماعة العدل والإحسان بأن “المحاكمة التي تعرض لها محب غير عادلة، تبين توظيف المخزن لمثل هذه القضايا لتصفية الحسابات السياسية مع المعارضين، مشددا على أن اعتقال عمر يجسد فشل الدولة في إصلاح العدالة وفشلها في إقامة قضاء مستقل ونزيه”. كما أشار أيضا في سياق آخر “أن اعتقال عمر محب اعتقال جائر هو ومعتقلي الريف وكافة معتقلي الرأي”.

الأستاذ محمد أغناج، الحقوقي والمحامي بهيئة الدار البيضاء وعضو هيئة دفاع الأستاذ عمر محب  أكد بدوره أن الملف سياسي بامتياز، بدليل أن “الاعتداء الذي وقع على الطالب آيت الجيد بنعيسى كان بتاريخ 25 فبراير 1993  وألقي القبض ساعة وقوع الحادثة على مجموعة من الطلبة، وحتى بعدها بأيام خلال شهر مارس، وأحيلوا على المحاكمة التي استمرت لمدة من الزمن وصدرت في حقهم أحكام، وبقي السيد عمر محب حرا طليقا، استمر بمتابعة دراسته بالجامعة بفاس، حاز على شهادة الإجازة من كلية العلوم، تزوج، بل وقعت له حادثة سير خلال سنة 2000، واستمر في نشاطه التجاري والمهني لمدة 13 سنة دون أن يتعرض في أية لحظة من اللحظات لأية عملية قضائية أو غير قضائية تتعلق بهذا الملف، إلى أن تم اعتقاله بتاريخ 15 أكتوبر 2006، في سياق التضييقات التي وقعت على جماعة العدل والإحسان وعلى أنشطتها وأعضائها ومقراتها بعد الحملة الشهيرة المؤرخة بـ26 ماي 2006”.

إن مظلومية عمر محب بادية للعيان، فكل أركان الاعتقال السياسي متوفرة في هذه القضية، فإذا كان رهان المخزن من وراء ذلك الضغط على الجماعة، فقد أظهرت السنوات السبع التي أمضاها محب وراء القضبان الظالمة، وقبلها العشرون سنة التي قضاها طلبة العدل والإحسان الإثنا عشر، وغيرها كثير من الملفات، أن هذا الخيار فاشل بفضل ثبات أعضاء الجماعة وصمودهم في وجه كل ما لحقهم من عنت وجور السلطة، وأن الجماعة ماضية بإذن الله تعالى في اصطفافها إلى جانب العدل وتسعى إلى تحقيقه نصرة للحق وإزهاقا للباطل، وهي حينما تطالب بالحرية الفورية لعمر محب فهي لا تستجدي عطفا ولا تتوسل عفوا، بل تدعو السلطة السياسية الحاكمة إلى الاتساق مع شعاراتها وتصحيح هذا الملف الذي يعلم الجميع حجم الخروقات والاختلالات التي شابته.

طالع أيضا  اللجنة المحلية لمساندة المعتقل السياسي عمر محب تصدر بلاغا حول أنشطتها التضامنية لشهر أكتوبر