المدينة: الناظور
المهنة: ربت بيت (50 سنة)

السؤال:
أنا سيدة متزوجة تزوجت صغيرة السن في رمضان وأفطرت يوما أنا وزوجي لم أكن أعرف لصغر سني والآن أنا في الخمسين من عمري…. ودائما يأتيني تأنيب الضمير أثناء النوم فهناك من يقول لي أن أصوم شهرين متتابعين وأنا لا أقدر اليوم وهناك من يقول لي الفدية ولا أدري ما أفعل… دائما أفكر في الأمر ما هو رأي الشرع في هذا الأمر؟

الجواب:

قبل الإجابة عن السؤال، لابد أن نعظم شعيرة صيام شهر رمضان – الشهر الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس – وأن نراعي حرمته عند الله، فمن انتهك حرمة رمضان مستهترا به فإنه آثم قلبه باتفاق العلماء ومن رعاها فإنها من تقوى القلوب، ومن فعل الموبقات في رمضان فعليه المبادرة بالتوبة والاستغفار والندم على ما فات منه من تقصير وتفريط في جنب الله سبحانه وتعالى، بل يخشى الإنسان المفرط المستهتر على نفسه من تعجيل العذاب له في الدنيا قبل الآخرة.

أما عن السؤال، فنحن بداية أمام أمرين اثنين، الأول أنكِ أفطرتِ في حال الصغر وكنتِ لا تعلمين (كفارة ذلك أو وجوب الكفارة؟ لا ندري! وهل كان هذا الإفطار بجماع أم بأكل وشرب؟ لا ندري كذلك!). الأمر الثاني: هو أنكِ اليوم بعد تأنيب الضمير الذي أقلقكِ، ونزع النومَ من عينيك، سألتِ أناسا، منهم من قال لكِ بصيام شهرين متتابعين، ومنهم من قال غيرَ ذلك مما يفيد وجوب الكفارة عليكِ، والآن تسألين عن حكم الشرع في المسألة، فتفرع عن ذلك كلِّه، سؤالان اثنان، هما: 1) هل الإفطار متعمَّدا بالأكل والشرب حكمه حكم الإفطار بالجماع في القضاء والكفارة أم لا؟ 2) هل الكفارة واجبة فيه على الترتيب أم على التخيير؟

طالع أيضا  خدمة جديدة.. "فريق البحث الشرعي" يجيب عن أسئلتكم الفقهية عبر موقع "الجماعة نت"

ففيما يخص السؤال الأول: فإن العلماء اختلفوا في مسألة من أفطر رمضان بالأكل والشرب متعمدا هل كفارته ككفارة من أفطر رمضان متعمدا بجماع على قولين:

الرأي الأول: وهو مذهب الإمام مالك وأصحابه ومذهب الإمام أبي حنيفة وأصحابه وكذا الإمام الثوري، قالوا بأن من أفطر رمضان متعمدا بأكل أو شرب عليه القضاء والكفارة المذكورة في الحديث الذي أخرجه الشيخان البخاري ومسلم، عن سيدنا أبي هريرة أنه قال: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم فقال: هلكت يا رسول الله، قال: (وما أهلكك؟) قال: وقعت على امرأتي في رمضان، قال: (هل تجد ما تعتق به رقبة؟) قال: لا، قال: (فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟) قال: لا، قال: (فهل تجد ما تطعم به ستين مسكينا؟) قال: لا، ثم جلس، فأتي النبيُّ صلى الله تعالى عليه وآله وسلم بفَرَقٍ فيه تمرٌ، فقال: (تصدق بهذا)، فقال: أَعَلَى أفْقَرَ مني؟ فما بين لابتيها أهلُ بيتٍ أحوجَ إليه منا، قال: فضحك النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم حتى بدت أنيابه، ثم قال: (اذهب فأَطْعِمْه أهلَك).

الرأي الثاني: وهو مذهبُ الإمامِ الشافعي والإمامِ أحمد وأهل الظاهر، قالوا: إن الكفارة لا تلزم إلا في الجماع للحديث السالف الذكر.

ومنشأ الاختلاف بين العلماء: هو اختلافهم في جواز قياس المفطر بالأكل والشرب على المفطر بالجماع، فمن رأى أن شبههما فيه واحد هو انتهاك حرمة الصوم؛ جعل حكمهما واحدا. ومن رأى أنه وإن كانت الكفارة عقابا لانتهاك الحرمة فإنها أشد مناسبة للجماع منها لغيره، لم يوجب الكفارة، أما من لا يرى القياس وهم الظاهرية فإن حكم الجماع عندهم لا يتعدى إلى الأكل والشرب.. أما نحن فمع الإمام مالك ومن نحا نحوه من وجوب الكفارة لانتهاك حرمة رمضان.

طالع أيضا  قضايا شرعية: حكم المصافحة بعد الصلاة

أما فيما يخص السؤال الثاني المتعلق بالترتيب أو التخيير، فهناك من ذهب إلى الترتيب، وهو أن لا ينتقل من كفارة لأخرى إلا بعد العجز عن الأولى، فالإمام الشافعي والإمام أبو حنيفة والإمام الثوري وسائر الكوفيين ذهبوا إلى أن الواجب أولا هو العتق فإن عجز فالصيام فإن عجز فالإطعام. أما الإمام مالك فعنده على التخيير وفي رواية ابن القاسم عنه استحباب الإطعام أكثر من العتق ومن الصيام، وهذا الاستحباب حكاه الشيخ خليل بقوله: “وإن أمنى بتعمد نظرة فتأويلان. بإطعام ستين مسكينا لكل مُدٌّ، وهو الأفضل، أو صيام شهرين، أو عتق رقبة كالظهار..” [مختصر خليل ومعه شفاء العليل في حل مقفل خليل ص 193]، ومستند الإمام مالك ما رواه في الموطأ، (أن رجلا أفطر في رمضان فأمره رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم أن يعتق رقبة أو يصوم شهرين أو يطعم ستين مسكينا) أنها على التخيير؛ إذ أن (أو) إنما تقتضي في لسان العرب التخيير.

ورجوعا إلى السائلة الفاضلة، نقول: إن عليك القضاء مع الكفارة، وهذه الأخيرة على التخيير، فإن شئت صمت أو أطعمت والإطعام مستحب عند الإمام مالك كما تقدم، وهو في حقكِ أفضل لحصول المقصود به – وهو الكفارة – وحصول المنفعة بإطعام المساكين بدون إسراف ولا تكلف، بل على قدر المستطاع لحديث الأعرابي: “أن النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم أُتِيَ بفَرَقٍ فيه تمر، فقال له: (تصدق بهذا)”. وإنما استحب الإمام مالك الابتداء بالإطعام قياسا وليس من روح الحديث السابق الذكر؛ “لأنه رأى رحمه الله الصيام قد وقع بَدَلُه الإطعام في مواضع شتى من الشرع، وأنه مناسب له أكثر من غيره بدليل قراءة من قرأ: وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين [البقرة: 184]، ولذلك استحب هو وجماعة من العلماء لمن مات وعليه صوم أن يكفر بالإطعام عنه، وهذا كأنه من باب ترجيح القياس الذي تشهد له الأصول على الأثر الذي لا تشهد له الأصول.” (كما في بداية المجتهد ونهاية المقتصد للإمام ابن رشد الحفيد ص 348 بتصرف).

طالع أيضا  قضايا شرعية (3): اغتسال المرأة في حال اجتماع الجنابة والحيض