مقتطف من التقرير السياسي الصادر عن الدورة الحادية والعشرين للمجلس القطري للدائرة السياسية لجماعة العدل والإحسان

الملك سلطة مطلقة فوق السلط

إن من أخص خصوصيات النسق السياسي المغربي مركزية الملك داخله؛ باعتباره سلطة لها صلاحيات مطلقة يسود فيها الملك ويحكم دون أن يوازي ذلك أي نوع من المساءلة أو المحاسبة..

وقد حافظ الملك خلال هذه السنة على احتكاره للفعل السياسي وتحكمه فيه سواء في بعده الداخلي أو الخارجي من خلال مجموعة من الوسائل. ونكتفي في هذا التقرير بالتركيز على الخطب الأخيرة للملك التي أصبحت تستعمِل خطابا منتقدا سواء للإدارة العمومية أو الطبقة السياسية، وكأن الملك معارض وليس المسؤول الأول عن السياسيات العمومية.

إن الخطب الملكية الأخيرة في مجملها إقرار بالفشل، فشل ما سمي بالإصلاحات الدستورية، وفشل المؤسسة الحزبية والإدارة العمومية والمبادرات التنموية، والمقاربات الاجتماعية.

هذه الخطب عابت على السياسيين اختباءهم وراء القصر لتبرير عجزهم، لكنها تجاهلت أن الملكية بدورها تختبئ وراء السياسيين لتبرير تقصيرها والتهرب من تحمل مسؤولياتها التي من المفترض أن يقرها القانون والدستور، على علاتهما، باعتبار الملك رئيسا للدولة، فأين هو ربط المسؤولية بالمحاسبة؟؟؟ وصدق من قال: رمتني بدائها وانسلت.

إن انتقاد المؤسسة الحزبية والطبقة السياسية والاكتفاء بفضح عورها أصبح أمرا معروفا لدى الجميع؛ فما ينتظره المغاربة هو كشف المتسبب في ذلك، وفضح الاشتراطات التي تسيج الممارسة الحزبية والسقف الذي يرسم لها ولغيرها، وكشف أدوات التفتيت والاحتواء التي تستهدفها…. ناهيك عن آلية استنبات شخصيات ومؤسسات لا علاقة لها بالعمل السياسي إلا من باب الاسترزاق أو شق الصفوف أو… واللائحة تطول.

إقرار رسمي بفشل ما سمي بالنموذج التنموي المغربي الذي بذرت فيه الأموال الطائلة يتم تغطيته بترسيم الملك في خطاب العرش “للمقاربة الأمنية” وتبييض الاختيار القمعي للأجهزة الأمنية في مواجهة الاحتجاجات الشعبية على تداعيات فشل السياسات العمومية، في تجاهل تام للممارسات العدوانية التي مارستها القوات العمومية ضد مواطنين سلميين عزل، مما يؤكد أن الممارسات القمعية لم تعد فلتة بل أصبحت خيارا ونهجا.

طالع أيضا  د. متوكل: لا يمكن للأنظمة الاستبدادية أن تنسلخ عن طبيعتها ولا مجال للتغيير إلا بفعل مجتمعي

إن التجاء المخزن في الآونة الأخيرة لمثل هذا الأسلوب يعد محاولة للتماهي مع المواطن المغربي والتخندق معه في خط عدم الرضا وتقديم الحكومة والأحزاب والبرلمان وحدهم كأكباش فداء في تبعات الفشل الذريع لسياسات المسؤول الحقيقي. والموضوعية تقتضي الإقرار بنصيب مهم من المسؤولية للحكومة والبرلمان وبعض الأحزاب لكن أيضا بتثبيت المسؤولية الكبرى للملك باعتباره الممارس الأهم للسلط التشريعية والتنفيذية والأمنية والقضائية.

إن تحقيق مصالحة حقيقية مع كل مناحي الحياة العامة لا يقوم على تقديم “القرابين” التي تطيل عمر الفساد والاستبداد وتدفع عنه كل خطر يهدده، بل يقوم أساسا على الشجاعة في تحمل المسؤولية والقطع مع منطق التدبير المنفرد الذي يزداد استفحالا وتجدرا يوما بعد يوم.