عقدت الدائرة السياسية لجماعة العدل والإحسان، يومي السبت والأحد 15 و16 صفر الخير 1439/ 4 و5 نونبر 2017، مجلسها القطري في دورته 21، تحت شعار “من أجل فعل مجتمعي مشترك، يحرر الإرادة ويصنع التغيير”، بحضور أعضاء الأمانة العامة وأعضاء المؤسسات والقطاعات واللجان القطرية وممثلي الكتابات الإقليمية وفعاليات وضيوف، وبرعاية وحضور عدد من أعضاء مجلس الإرشاد يتقدمهم الأمين العام.

وسط أجواء من الاستبشار ومعاني الأخوة بلقاء المؤمنين والمؤمنات أتوا من مناطق المغرب المتنوعة، وبعد تشنيف الأسماع بآيات طيبات من الذكر الحكيم، افتتح رئيس الدورة الأستاذ رشدي بويبري أشغال المجلس بالترحيب بالأعضاء والضيوف، وبالتذكير بنعمة الله على الجماعة، وبعرض برنامج اللقاء، فاتحا المجال للأمين العام للجماعة الأستاذ محمد عبادي ليتفضل بكلمة افتتاحية توجيهية.

انطلق الأستاذ عبادي في كلمته بمقطع من وصية الإمام “أوصي أن العدل قرين الإحسان في كتاب ربنا وفي اسم جماعتنا، فلا يُلهنا الجهاد المتواصل لإقامة دولة العدل في أمتنا عن الجهاد الحثيث لِبلوغ مراتب الإحسان…”، مذكرا في حديثه بمبدإ “ربط المسؤولية بالمحاسبة” الذي قال بأنه نعم الشعار والبند في الدستور وبئس الفعل والتطبيق، متسائلا، بعد أن ذكر بالإعفاءات التي تطال بعض صغار رجال الدولة، “من يسائل الملك عن تصرفاته ومشاريعه.. من يسائل المخزن.. من يسائل الدولة عما تقترفه في حق الشباب الذي يخرج إلى الشارع لتواجهه بالهراوات والسجون.. من يسائل الدولة على الملف الأمني وتغول الجهاز الأمني -وهو الحكومة الفعلية- وقهره الشعب. لا سبيل إلى الأمن إلا بالعدل”.

وجدد الأمين العام اقتراح الجماعة لخلاص هذا الشعب والإنسانية جمعاء من هذا المستنقع والوهدة؛ والذي ينطلق من داخل الإنسان وترسيخ نصيبه من الإحسان، مع تشديده على حسن تدبير الاختلاف حتى يرتقي المخالف إلى التفريق بين الفعل والشخص.

بعدها تفضل رئيس الدائرة السياسية الدكتور عبد الواحد متوكل بإلقاء كلمته التي قال بأنها مناقشة هادئة لواقع معقد، معنونا ورقته، التي ننشرها لاحقا، بـ“الملكية بين الربقة والمعضلة”. بانيا تحليله على طرحين قديم (لعبد الرحمن بن خلدون) ومعاصر (لصامويل هنتنغتون)، مستنتجا خاصية أساسية تميز الأنظمة المستبدة وهي “التصرف بمنطق الضيعة”، ومستعرضا جملة من مظاهر هذا العطب الشديد في الحكم.      

وبعد استعراض جملة من الاختلالات الكبرى التي تثبت الطابع الاستبدادي لنظام الحكم المغربي، خلص الدكتور متوكل إلى ثلاث خلاصات رئيسية وهي: لا ينبغي أن ننتظر من دار المخزن شيئا، من دخل دار المخزن فإنه لن يخرج سالما (خرافة التغيير من الداخل انتهت، فلنبحث عن طريق آخر)، خارج دار المخزن هناك فضاء فسيح لكي يسمع الشعب كلمته.

حينها كان أعضاء مقدس على موعد، في جلسة ثانية، مع “التقرير التنظيمي”، إذ قدمت الدكتورة أمينة البوسعداني والدكتور مصطفى الريق والمهندس أبو الشتاء مساعيف، تقريرا عن عمل مؤسسات الدائرة السياسية في مستوياتها المركزية والمحلية وعلى مختلف واجهاتها التنظيمية والإشعاعية والتأطيرية. وهو التقرير الذي شهد نقاشا مستفيضا حرصا على تبين مكامن القوة بغية تعزيزها ومواطن القصور سعيا لتجاوزها.

وككل مجالس الجماعة، حيث يتمثل الأعضاء شعار ومعنى “العدل والإحسان”، كان المؤمنون والمؤمنات على موعد في الفترة الليلية مع القيام بين يدي المولى الكريم قياما لليل ودعاء وتبتلا واستغفارا، طلبا ممّن بيديه الخير وإليه المصير، وطرحا للحاجة وتقربا من المولى الكريم، وتثبيتا لمواعيد ومحطات العبودية والسلوك والتزود من “ناصية الليل” لخوض “سبح النهار” وفق نية ووجهة وقصد يضفي للسعي في الدنيا والعمل للأمة والناس معنى السلوك إلى الله والعبادة والتقريب إلى الحق سبحانه وتعالى.   

انطلق اليوم الثاني بجلسة ثالثة عن “التقرير السياسي لسنة 2017”، أداره عرضا ونقاشا الأستاذان حسن بناجح ومحمد منار والأستاذة أمان جرعود. وتطرق التقرير إلى الواقع السياسي والاقتصادي والاجتماعي الذي ميز المغرب خلال هذه السنة في سياق دولي متقلب.

وهكذا تم التدليل على “تهاوي شعارات الواجهة” على المستوى السياسي؛ فالملك سلطة فوق السلط يحتكر السلطة الدينية ويتحكم في “حكومة محكومة”، ليؤكد التقرير أن “الموضوعية تقتضي الإقرار بنصيب مهم من المسؤولية للحكومة والبرلمان والأحزاب، لكن أيضا بتثبيت المسؤولية الكبرى للملك باعتباره الممارس الأهم للسلط التشريعية والتنفيذية والأمنية والقضائية”، وعلى مستوى السياسة الخارجية رأى التقرير أن الديبلوماسية المغربية ما تزال أسيرة مرضها العضال “التدبير بالإرادة المنفردة”، ليعرج التقرير إلى واقع وأعطاب المجال الحقوقي والاقتصادي والاجتماعي وواقع المرأة والشباب وصولا إلى جواب الشارع المتمثل في “الاحتجاج المنذر بالانفجار”.

وقد عرف التقرير نقاشا مستفيضا من قبل أعضاء المجلس القطري للدائرة السياسية، الذين أضافوا وعلقوا وتساءلوا وطوروا من مضامين التقارير وأرقامه ومعطياته.

ثم كان المجلس على موعد مع كلمة للأستاذ فتح الله أرسلان، نائب الأمين العام والناطق الرسمي باسم الجماعة، إذ أشار إلى بعض الجوانب والمقترحات الخاصة بالتقرير السياسي وفاعلية الجماعة في واقع وميدان الفعل، كما شدد على معنى ربط “المسؤولية بالمحاسبة” بالمدلول الإحساني والتربوي وذلك باستحضار مسؤولية الفرد المؤمن أمام الله سبحانه وتعالى، وعظم الأمانة التي تكلَّفها في امتحان الدنيا.

بعد ذلك انطلق المجلس في جلسة رابعة حول موضوع “اللجن الوظيفية الإقليمية”، التي أدارتها الدكتورة حسناء قطني والأستاذان عبد الصمد فتحي ومنير الجوري، إذ عرضت الورقة وظائف ومكونات وصلاحيات اللجن الوظيفية والرهانات عليها والتحديات التي تعترضها وكيفيات التعاطي معها، كل ذلك بغية تقييم وتقويم هذا العمل الهام في عمل الدائرة السياسية على مستوى المحلي والقطري.

لتعقبها جلسة خامسة عن “البرنامج السنوي للدائرة السياسية لسنة 2017-2018”، وهي الجلسة التي أطرها الدكتوران محمد بنمسعود وعمر إحرشان والمهندس أبو الشتاء مساعيف، وقد لامس البرنامج واجهات العمل المختلفة؛ إعدادا للأطر وإحكاما لبناء المؤسسات واللجان والقطاعات وتطويرا لمسارات الفعل في المجتمع.

بعدها  كان المجلس على موعد مع الجلسة الختامية؛ إذ تفضل الدكتور محمد سلمي بتلاوة البيان الختامي للمجلس القطري للدائرة السياسية في دورته 21، والذي ذكّر ببرنامج وفقرات وأجواء اللقاء، قبل أن يعلن إدانته بالتردي السياسي والاجتماعي العام، مع استنكار ارتفاع الاعتقالات والقمع وتكميم الأفواه، معبرا عن دعم الأعضاء لحراك في الريف ومختلف الاحتجاجات التي تعرفها باقي مناطق المغرب، ودعوتهم عقلاء البلد إلى توحيد الجهود من أجل خلاص الوطن والمواطنين. وبعد أن صادق مقدس على البيان الصادر عنه، عرض الدكتور مصطفى الريق التوصيات العامة والخلاصات الأساسية المستقاة من مختلف الأوراق والأوراش، بغية تطوير وإنضاج العمل، والاستفادة من جهود أعضاء الدائرة وحركتهم بأفضل الصور الممكنة.   

ثم أخذ الكلمة في الأخير الدكتور عبد الواحد متوكل رئيس الدائرة ونائبه الأستاذ محمد حمداوي، في كلمات طيبات نيّرات تضمنت توجيهات خاصة وعامة تهم طبيعة عمل الدائرة وواجهاته وأهدافه، فقاما بشكر كافة الأعضاء على عملهم المبذول على مدار السنة وفي مستويات مختلفة، مع تخصيص الأخوات في الدائرة ونساء الجماعة عموما على ما يبدلنه من أعمال وجهود.