انعقد المؤتمر الأول  للمنظمة الصهيونية العالمية بزعامة تيودور هرتزل في مدينة بازل بسويسرا يوم 29 غشت 1897. وهو المؤتمر الذي ضم كل الجاليات اليهودية في العالم بهدف الترويج لفكرة استعمار فلسطين وإقامة وطن لليهود على أرضها، حيث نص برنامج المؤتمر  على أن هدف الصهاينة هو “إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين يضمنه القانون العام”.

ليس صدفة أن تكون معاهدة “سايكس بيكو” سنة 1916 إحدى أهم المحطات الحاسمة في ذلك البرنامج الصهيوني. محطة هيأت للهدف المنشود الأرضية التي جاء وعد بلفور المشؤوم سنة 1917 ليضع أولى لبناته، وهو الوعد الذي وعد من خلاله اللورد بلفور اليهود بوطن يؤويهم فكان ترجمة فورية عملية أولى لذلك المؤتمر العالمي الصهيوني وتلك المعاهدة المشؤومة التي اقتسمت بموجبها فرنسا وبريطانيا بلاد العرب والمسلمين مشرقا ومغربا كما يقتسم الأكلة القصعة بينهم تحت أسماء خادعة من قبيل “الانتداب، الحماية…) وبروح شعار “فرق تسد”.

كان العالم في تلك المرحلة على عتبة نظام عالمي جديد أفرزته نتائج الحرب العالمية الأولى (1914-1918) من ناحية، وأملته مصلحة أقوياء العالم الذين ترجموا قوتهم إلى التكالب على الظهر الحامي لفلسطين وهو الدولة العثمانية (الرجل المريض) الذي سُلب آخر مظهر من المظاهر  الشكلية لـ”الخلافة الإسلامية” على يد أتاتورك سنة 1924.

وعلى مدى 100 سنة من الوعد البريطاني الذي تتبجح به رئيسة الوزراء البريطانية الحالية (تيريزا ماي) وتفتخر بإنجازه علنا دون أن تستحضر الآثار الكارثية التي تمخضت عنه، على مدى ومنها اقتلاع شعب كامل من أرضه، وتقتيل لما يستعصي على العد من الأرواح البشرية صاحبة الحق في أرضها. وعلى هذه ال 100 سنة سلط الصهاينة بدعم وتمويل وتسليح من بريطانيا ومن الولايات المتحدة وفرنسا ومن كل الغرب… سلطوا على أصحاب الأرض وعلى البلاد التي نصرت حقهم في الوجود حروبا مدمرة أحرقت الأخضر واليابس، وهجّرت شعوبا بأكملها من غير حق، فأفرز مكرها أوضاعا جديدة تفتيتا للمقسم كما حدث مع تفتيت العراق والشام إلى دويلات صغيرة ضعيفة متحكم فيها، حتى ينفرد الصهاينة بالأرض المقدسة دون مقاومة.

وعلى هذا الأساس كانت حرب 1948 التي فضحت تواطؤ الأنظمة العربية التي زودت المقاومين بسلاح فاسد، وكانت حرب 1956 وحرب 1967 وحرب 1973. كما كان من تجليات هذا المخطط اجتياح الصهاينة للبنان سنة 1978 وسنة 1982. وتحتفظ ذاكرة العالم بوحشية مجازر صبرا وشاتيلا التي دبرت في حق الفلسطينيين المهجرين قسرا إلى لبنان.

لقد كان وعد بلفور مركز الزلزال الذي زلزل به الغرب أركان الأمة التي كانت لديها القابلية الكاملة للانهيار بحكم الاستبداد الذي استعبدها على مدى قرون طويلة. وإن قضية فلسطين لهي الميزان الذي تقاس به حياة الأمة أو موتها، قوتها أو ضعفها، كما تقاس به قدرتها على المقاومة ومستوى إرادتها ودرجة اقترابها من ساعة انعتاقها من ربقة الاستبداد.

لم يكن لوعد بلفور أن ينجح في تحقيق أحلام الصهاينة لو لم يكن الاستبداد في بلاد العرب والمسلمين عاملا حاسما بخضوعه للغرب المستكبر من ناحية، وبتسلطه على المستضعفين من شعوبنا ومن القوى المتطلعة للحرية وللكرامة وللعدل.