السؤال:

الاسم: علي

المهنة: موظف

المدينة: خريبكة

السؤال: سؤالي هو أنني صليت يوما الفريضة في المسجد، وعندما فَرَغْنَا من الصلاة، سلمت على من بيميني فصافحته وصافحني، وعندما أردت أن أصافح من عن يساري – وكان شابا – نهرني، وقال: إن هذا العمل بدعة غير مشروع، فخرجت من المسجد وأنا جد متوتر، وفي الآن ذاته لمت نفسي؛ إذ أنني صافحته، وكذا لكوني لا أمتلك العلم الكافي للرد عليه، لاسيما أنه قد عَنَّفَ علي وأغلظ القول. أجيبونا جزاكم الله خيرا، هل المصافحة عقب الصلاة المكتوبة جائزة أم أنها بدعة ضلالة؟

الجواب:

الحكم على الشيء بأنه بدعة أمر ليس بالسهل، لذا تجد عالما حكم ببدعية فعل ما وعالم آخر أجازه، ومعلوم أن الأمر المختلف فيه لا يمكن وصفه بالبدعة.

ومن العلماء من أجرى على الأمر المستحدث “البدعة”  الأحكام الخمسة من واجب ومندوب ومباح ومكروه ومحرم فالتسرع في القول بالبدعة لأي فعل مخاطرة ومغامرة، لكن الجامع للقول ببدعية الفعل، هو أن تكون البدعة فيه في الأصول الكلية والمقاصد العامة، أما إذا خلا الفعل من ذلك فلا يمكن بحال الحكم بالبدعة علما أن العلماء مختلفين في تحقيق معناها تنزيلا كما أشرنا سابقا، قال صاحب المجاز الواضح:

وسنــة  النـبـي  قوله  الأبر ** وفعله  وما  عليه قد قدر

والمحدثات بعده هي البدع ** وكلها  ضلالة إن  لم  تقع

داخلة  تحت  دليل  شرعي ** للجزم أو للندب  أو للرفع

ورجوعا إلى النازلة محل السؤال فنقول: إن الأمر بالمصافحة عموما دون تقييد مندوب فيه أحاديث كثيرة، منها ما أخرجه الترمذي في سننه (كتاب الاستئذان، باب ما جاء في المصافحة ح: 2727) وأبو داود في سننه، (كتاب الأدب، باب في المصافحة، ح: 5212) عن البراء رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: {ما من مسلمين يلتقيان فيتصافحان إلا غفر لهما قبل أن يتفرقا} ولا شك أن حكم الفارغ من الصلاة كمن التقى بصاحبه.

طالع أيضا  خدمة جديدة.. "فريق البحث الشرعي" يجيب عن أسئلتكم الفقهية عبر موقع "الجماعة نت"

ومنها أيضا ما أخرجه أبو داود في سننه (كتاب الأدب، باب في المصافحة، ح: 5214) عن أيوب بن بشير العدوي، عن رجل من عنزة، قال: {قلت لأبي ذر حيث سير إلى الشام: إني أريد أن أسألك عن حديث من حديث رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم. قال: إذن أخبرك به إلا أن يكون شرا. قلت: إنه ليس بشر، هل كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يصافحكم إذا لقيتموه؟ قال: ما لقيته قط إلا صافحني، وبعث إلي ذات يوم ولم أكن في أهلي فجئت فأخبرت أنه أرسل إلي فأتيته وهو على سريره فالتزمني فكانت تلك أجود وأجود}.

ومنها ما رواه الطبراني (المعجم الكبير 6/256، بإسناد حسن كما قال المنذري في الترغيب والترهيب 3/291) عن سلمان رضي الله عنه أن النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم قال: {إن المسلم إذا لقي أخاه فأخذ بيده تحاتت عنهما ذنوبهما كما يتحات الورق عن الشجرة اليابسة في يوم ريح عاصف، وإلا غفر لهما ولو كانت ذنوبهما مثل زبد البحر}.

ومنها كذلك ما رواه الإمام مالك (الموطأ 2/908) عن عطاء الخرساني، أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم قال: {تصافحوا يذهب عنكم الغل وتهادوا تحابوا وتذهب الشحناء} وهو حديث عام في المصافحة غير مخصص بزمان ولا مكان، ومن القواعد المقررة أن العام يبقى على عمومه حتي يأتي الدليل على تخصيصه، علما أن المصافحة لا يمكن إدخالها في المقاصد التي لا ينبغي أن تكون إلا مشروعة البتة، بل هي وسيلة من الوسائل المفضية إلى حصول المحبة والألفة، ومعلوم أن الوسائل تبع للمقاصد من حيث الأحكام، فوسيلة المندوب مندوبة ووسيلة الوجوب واجبة ووسيلة المكروه مكروهة وهكذا، بل إن الوسائل المحرمة إذا أفضت إلى مطلوب أجيزت بضوابط، فكيف بالوسيلة المباحة التي تفضي إلى مندوب أو واجب، قال الشيح العلامة عبد الرحمن بن ناصر السعدي في كتابه (منظومة القواعد الفقهية ص 10):

طالع أيضا  قضايا شرعية: كفارة من أفطر متعمدا في رمضان

وسائل الأمور كالمقاصد ** واحكم بهذا الحكم للزوائد

ثم إن الأمر بالمصافحة وإفشاء السلام في عصرنا أحوج ما نكون إليه؛ إذ المجتمع مجتمع كراهية وبغضاء وحسد، فيأتي السلام مقرونا بالمصافحة بلسما وترياقا للشفاء من تلكم الأمراض المتفشية في المجتمع، زد على ذلك تطهيره للذنوب المقترفة من قِبَلِ الناس.

وعلى فرض القول ببدعيتها – وإن كنا نقول: إنها مندرجة تحت أصل – إلا أنه أجازها جمع من العلماء، منهم النووي الإمام (المجموع شرح المهذب 4/633)، حيث قال: “وتسن المصافحة عند كل لقاء، وأما ما اعتاده الناس من المصافحة بعد صلاتي الصبح والعصر فلا أصل له في الشرع على هذا الوجه، ولكن لا بأس به فإن المصافحة سنة، وكونهم خصوها ببعض الأحوال وفرطوا في أكثرها لا يخرج ذلك البعض عن كونها مشروعة فيه” وقال في موضع آخر (روضة الطالبين وعمدة المفتين 10/237): “وأما المصافحة فسنة عند التلاقي سواء فيه الحاضر والقادم من سفر، والأحاديث الصحيحة فيها كثيرة جدا. وأما ما اعتاده الناس من المصافحة بعد صلاتي الصبح والعصر فلا أصل لتخصيصه، لكن لا بأس به، فإنه من جملة المصافحة، وقد حث الشرع على المصافحة”. والمراد من قوله: “لا أصل لتخصيصه” أي بإفراد الصبح والعصر بالمصافحة، أما مع عدم التخصيص، فهو مندرج تحت الأصل العام من المصافحة، وقال الإمام عز الدين بن عبد السلام (قواعد الأحكام في مصالح الأنام 2/122)، حيث قال: “وللبدع المباحة أمثلة، منها المصافحة عقب الصبح والعصر…”، كما ذهب إلى جوازها الإمام علاء الدين الحصني (رد المختار 26/253) والإمام شهاب الدين الرملي (فتاوى شهاب الدين الرملي 1/222)، حيث سئل عما يفعله الناس من المصافحة بعد الصلاة هل هو سنة أو لا؟ فأجاب: “بأن ما يفعله الناس من المصافحة بعد الصلاة لا أصل له، ولكن لا بأس به”. وذهب ابن الأعرابي (القبل والمعانقة والمصافحة ص 22) إلى كونها محدثة وقال بجوازها إذا لم يقصد بها التعبد المتمحض.

طالع أيضا  قضايا شرعية (3): اغتسال المرأة في حال اجتماع الجنابة والحيض

وقد كره بعض العلماء المصافحة عقب الصلوات لكن نظرهم للمسألة كان نظرا ذرائعيا، وإلا فالمصافحة إن خلت مما قلنا سلفا – من اعتقاد السنية – فإن هذا الأمر جائز، وقد يكون مرغبا فيه للمقصد الذي يمكن حصوله بها، ثم إن من تمسك بكون المصافحة لم تثبت عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقد أبعد النجعة ولم يسعفه هذا التمسك؛ إذ إن الترك لا يدخل ضمن تعريف الأصوليين للسنة، كما أن الترك لا يفيد التحريم؛ وإنما غاية ما يفيد عدم الفعل. وبالله التوفيق.