“تجربة سنة من السجن أوقفتني على حجم الظلم المسلط على هذا الشعب في السجن كما خارجه.. لا قيمة للإنسان ولا كرامة، وكيف يُتصور الحديث عنها في السجن وهي مُفتقدة خارجه..”؛ عبارة للسيد عمر محب من حوار أجراه معه موقع الجماعة.نت بعدما أمضى سنة داخل سجن الظلم، تلخص حجم الضغينة والحقد والظلم المضروب على هذا الشعب من قبل نظام مخزني متسلط لا يقبل بمن يعارض قراراته، ومن يفضح ألاعيبه الماكرة لإخراس الأصوات الحرة والقضاء على المناضل الباحث عن كرامة المواطن.

إن نموذج عمر محب، لخير مثال للمعتقل السياسي الذي أبى أن يبيع كرامته، وحافظ على مبادئه التي آمن بها داخل تنظيم جماعة العدل والإحسان، الحاملة لمشروع النهوض بالإنسان، عبر قومة اجتماعية على مختلف الواجهات؛ فكان اعتقاله ورقة أخرى لعبتها السلطة في محاولة للي ذراع الجماعة، وثنيها عن المضي في مشروعها البناء.

السلطة لم يكفها جرم الاعتقال الظالم، فأمعنت في تعذيب محب، لرفع مستوى الضغط على الجماعة إلى مداه..  في هذا التقرير سنقف عند المحن التي عاشها المعتقل، دون أن تنال منه أو تزحزحه عما يؤمن به، محن تحولت مع الوقت إلى منح، حاز بها المعتقل الشاب شرف النضال، ومرتبة الكبار.

نستهل في أولى محن الرجل، بتعرضه منذ اعتقاله الأول إلى كافة ألوان التضييق حيث تعرض في 2 يوليوز 2007 لاعتداء شنيع من قبل موظفي السجن، مما نتج عنه معاناة من دوار مستمر في الرأس، وتلعثم في الكلام، وعدم القدرة على التركيز بسبب الضرب الفظيع التي تلقاه على مستوى الرأس، إضافة إلى الآلام الحادة على مستوى الكتفين والرجلين.

وفي سنة 2008 يتقرر ترحيله تعسفا من سجن عين قادوس إلى سجن بوركايز بضاحية فاس.. حيث تم تحويل الوجهة على الطريق، ليتحول التنقيل إلى عملية اختطاف محبوكة، فتم إيداعه سجن صفرو ضدا على القوانين والأخلاق والقيم..

طالع أيضا  ندوة حقوقية تناقش الاعتقال السياسي من خلال ملف عمر محب

وعانى عمر محب من عدة أمراض ألمت به داخل السجن نتيجة الإهمال الطبي وانعدام الشروط الصحية المتعارف عليها داخل المؤسسات السجنية، مما جعله يصاب بمرض الصرع والربو والحساسية، وصداع في الرأس وتمزق في العضلات وإصابة بليغة في كثفه الأيمن نتيجة البرد القارس الذي يعرفه السجن بسبب انعدام التدفئة والأغطية اللازمة.

وفي موقف آخر أصيب محب بجرح نفسي، وحزن عميق، وهو وفاة والدته صبيحة يوم الخميس 14 مارس 2013. حيث قررت إدارة السجن منعه على خلاف موقف السلطة في مناسبات مماثلة، من مغادرة السجن وإلقاء النظرة الأخيرة على أمه قبل دفنها وحضور جنازتها وتلقي التعازي فيها رحمها الله، وهو ما ترك في قلبه لوعة فراق أعز وأقرب إنسان إليه.

وتستمر المعاناة، وهذه المرة في 2 يوليوز 2014، عندما  قام موظفو سجن بوركايز بمدينة فاس باقتحام زنزانة عمر محب، واقتادوه إلى مكان منعزل عن الأعين والكاميرات، وطالبوه بتسليمهم “المخدرات التي بحوزته والهواتف النقالة”، وبعد نفيه حيازة أية مخدرات أو هواتف نقالة، طالبوه بخلع ملابسه الداخلية، فلما رفض وطالبهم باستعمال الآلات المخصصة للتفتيش، أسقطوه أرضا، وتحرشوا به جنسيا، ولما صرخ مستنكرا ما فعلوه، وجهوا له وابلا من السب والشتم بكلام ناب وخادش للحياء يستحي الحبر من كتابته وتدوينه، ثم انهالوا عليه بالضرب بالعصي والرفس بالأرجل بوحشية على مستوى الرأس والرجلين، كما تم لي ذراعيه، واستمر الاعتداء عليه حتى أغمي عليه لمدة أربع ساعات، ليستفيق بعد حقنه بحقن يجهلها لإعادة وعيه، وذلك خلافا لمقتضيات القانون 23.98 المتعلق بتنظيم وتسيير المؤسسات السجنية، الذي يقنن استعمال القوة ضد السجناء من قبل موظفي إدارة السجن.

وفي مشهد أخر من مشاهد التعذيب، منعت إدارة سجن بوركايز بتاريخ 29 فبراير 2016 عمر من زيارة الطبيب المعالج، المختص في جراحة الدماغ، مما نتج عنه تدهور خطير في حالته الصحية. وبتاريخ 19 يوليوز 2016 أقدمت إدارة السجن نفسه على ترحيل المعتقل السياسي محب إلى سجن رأس الماء دون مبرر، ودون سابق إشعار. وقد تم تجريده أثناء عملية الترحيل من العديد من أغراضه، من قبيل الكتب، والمراجع الدراسية، والأفرشة، وبعض الألبسة، وموصل كهربائي، وتلفاز وغيرها.

طالع أيضا  الهيئة الحقوقية توضّح مغالطات إدارة السجن بشأن الوضعية الصحية لعمر محب

وقد أمعن حراس السجن في إهانته وحطوا من كرامته أثناء القيام بإجراءات الترحيل، بالصراخ في وجهه والغلظة في القول، خلافا لمقتضيات القانون 23.98 المتعلق بتنظيم وتسيير المؤسسات السجنية، والعهود والمواثيق الدولية التي صادق عليها المغرب، دون اكتراث لظروفه الصحية المتدهورة، ودون حتى مراعاة لظروفه الدراسية، حيث كان من المفترض أن يجتاز إحدى الامتحانات في اليوم الموالي للترحيل.

وبعد نقله إلى السجن الجديد، تم إيداعه في زنزانة انفرادية ضيقة لا تتوفر على أبسط الشروط الضرورية للحياة، على نحو لا يتناسب وظروفه الصحية، ويبدو أن الترحيل اتخذ كإجراء عقابي في مواجهة محب دون وجود ما يبرره، بدليل الظروف التي واكبت إجراءات الترحيل والطريقة المستفزة والمهينة التي تعامل بها حراس السجن معه، علما أنه لم يصدر أي مقرر تأديبي بذلك عن اللجنة التأديبية المنصوص عليها في المادة 53 من القانون رقم 23.98. ورغم أن توزيع السجناء على السجون ينبغي أن يراعي مجموعة من الاعتبارات من بينها سكنى عائلة السجين وحالته الصحية البدنية والعقلية، عملا بمقتضيات المادة 29 من القانون 23.98 المتعلق بتنظيم وتسيير المؤسسات السجنية.

في خضم هذه المحنة، ولدت منحة، بل منح، حيث نال الرجل ما قد يعجز غيره عن نيله خارج المحبس، حيث ارتقى بنفسه إلى درجات مشرفة في طلب العلم، بحصوله على شواهد علمية مشرفة في مجالات مختلفة، إضافة إلى علاقته بكتاب الله حفظا وضبطه للعلوم الشرعية، ثم منح ربانية أخرى قوت عزائمه، وخففت من آلام الظلم الذي لاقاه وما زال داخل محبسه.

ونعود في الختم لمقتطف آخر من جواب عميق المعنى للسيد عمر محب في نفس الحوار الذي أجراه معه موقع الجماعة. نت، بعد اعتقاله قال فيه: “الاعتقال بما هو سجن وابتعاد عن الأهل والأحباب قد يكون وجها من أوجه المحن، لكن الأكيد أنه منحة بما هو خلوة وفرصة للتدبر والتفكر، ومحك للتمحيص وقياس الصبر والتحمل في سبيل الله وتفويض الأمر إليه سبحانه، وبما هو مناسبة ومجال واسع للتفرغ لذكر الله وحفظ كتابه وتحصيل العلم.. أسأل الله أن يجعل هذا الابتلاء مغنما، آمين”.

طالع أيضا  وقفة تضامنية مع السيد عمر محب أمام البرلمان