في ندوة جريدة هسبريس الإلكترونية حول الإسلاميون والمشاركة السياسية بين الثوابت والمتغيرات، توجه الأستاذ نور الدين لشهب، منشط الحوار، إلى الدكتور عمر احرشان بسؤال حول سبب تحول التيار السلفي من تيار مهادن إلى تيار جهادي يطالب بتحكيم شرع الله ويطالب بدولة إسلامية، هل هو ناتج عن قراءة في النص أم أن واقعا معينا هو الذي أفرز هذه التجربة؟

استهل الدكتور عمر احرشان جوابه برصد “إشكالين مهمين لتطور العمل السياسي الإسلامي” اعتبرهما “السبب في كل التحولات التي يعيشها المغرب” هما “1- التصدي النظري لموضوع العمل السياسي عند الإسلاميين وخاصة في المغرب، هذه من الإشكالات الكبرى التي نتج عنها كل هذه التباينات. 2- إشكال التأصيل الشرعي أو التأصيل الفقهي للعمل السياسي الإسلامي”.

ثم انتقل لتوضيح خريطة العمل السياسي الإسلامي في المغرب قائلا: “خريطة العمل السياسي في المغرب هي خريطة متنوعة جدا، يصعب أن تطلق عليها حكما واحدا، متنوعة ليس فقط على مستوى المظاهر التنظيمية أو الخطاب أو المواقف، بل على مستوى المرجعيات الفقهية التي تعتمدها، والتي استطاعت أن تضع نظما فقهية، فمثلا لدى الإسلاميين في المغرب رافد إخواني حاضر بقوة كمدرسة وليس كتنظيم”.

وأضاف احرشان “أن مسألة التنظيم العالمي حسمت في بداية الثمانينات عمليا.. أما نظريا فحسمها طرف واحد هو شهادات الأستاذ عبد السلام ياسين رحمه الله، الذي تكلم عن  قطرية التنظيم وليس عالمية التنظيم، والكل اليوم حاسم بأنه لا يتوفر على امتدادات عالمية بل على امتدادات قطرية داخل الوطن”.

ونبه الأستاذ نور الدين لشهب أن تنظيمي حزب العدالة والتنمية وجناحه الدعوي الإصلاح والتوحيد والعدل والإحسان لديهما امتدادات خارج المغرب، مثل الأحزاب السياسية التي كانت لديها امتدادات في وقت سابق، وأن المنتمين إليهما لا ينفون ولاءهم للتنظيمات داخل المغرب.

طالع أيضا  د. إحرشان: إدارة الشأن الديني يجب أن تضطلع بها مؤسسة مستقلة عن مؤسسات الدولة

وضح الدكتور احرشان الفكرة قائلا: “أعتقد أنه بالنسبة لحزب العدالة والتنمية هو وضع عادي تعيشه كل الأحزاب، والتي لديها تنظيمات تابعة لها، أما بالنسبة للتنظيمات الدعوية فلا أعتقد، فتنظيم الإخوان المسلمين العالمي يتوفر على مجلس شورى عالمي وعلى مرشد عالمي إذن فهو تنظيم تراتبي هرمي، وهذا لا يوجد عند الإسلاميين المغاربة”.

ثم انتقل ليعدد المدارس الإسلامية المغربية كاشفا أننا “عندما نتكلم عن المدرسة الإخوانية فنحن نتكلم عن مدرسة إصلاحية، اجتهادها موجه نحو الإصلاح من داخل الأوضاع القائمة بمعنى أنها لا تبنى على فكرة التغيير الشامل الكلي. عندنا مدرسة ثانية، وهي التي تتوفر داخل المغرب على امتداد مجتمعي كبير جدا، هي المدرسة الصوفية، وهذا معروف حيث يقال إنه “إذا كان المشرق بلد الأنبياء فالمغرب بلد الأولياء”، وهذه المدرسة تهتم بالشأن الخاص والتربية. عندنا كذلك مدرسة التبليغ، وهي مدرسة مهمة جدا، فدورها في الثمانينات خصوصا في الجانب الدعوي في المجتمع كان مهما، وهي تتبنى فكرة الشأن الخاص الفردي وتغلب جانب الدعوة. عندنا كذلك المدرسة السلفية، ولا أتكلم هنا عن السلفية المغربية، لأنه للأسف الحركة الإسلامية في المغرب لم تستفد كثيرا من المنتوج السلفي المغربي؛ علال الفاسي، أبو شعيب الدكالي، بلعربي العلوي، كنون، المختار السوسي، هذا الرعيل لم يتتلمذ عليهم هؤلاء بل على المشارقة. وهذه المدرسة وهي ما يصطلح عليها بالوهابية أو السلفية التقليدية تنبني على فكرة الدعوة وعدم جواز القيام على الحاكم. ثم المدرسة الشيعية والتي كان لديها تأثير كبير خصوصا بعد 1979 بعد الثورة الإيرانية”.

ليخلص إلى أن “هذا الخليط هو الذي أعطى خريطة الإسلاميين في المغرب”.  

وعاد احرشان ليوضح خصائص الحركة الإسلامية في المغرب قائلا “الحركة الإسلامية في المغرب استغرق منها موضوع التأصيل الفقهي تاريخا كبيرا جدا في التفاصيل. والتجربة الإسلامية كانت تجريبية غير مبنية على أساس علمي، الاجتهاد النظري الوحيد الذي حاول البدء من النظرية ثم يترجمها في الواقع هو كتابات الأستاذ عبد السلام ياسين رحمه الله.. أما غيرها فتفتقر إلى وجود منظومة نظرية متكاملة.. وهذا ما جعلها تتفاعل مع أي واقع وتتبع تيار الموجات، وهذا ما يفسر أن الإسلاميين لديهم القدرة على الانتقال من النقيض إلى النقيض أثناء الممارسة، ليس لأنها براغماتية ولكن لأن المرجع النظري الذي يمثل الضوء الكاشف والمؤطر لم يكن حاضرا مطلقا”. وأضاف “الأمر الأخير هو أن الموضوع الفقهي الذي بقي منطقه حاكما هو الثنائيات، فمنطق الحلال والحرام هو الذي ظل يحكم الممارسة السياسية عند الإسلاميين، وبالتالي فالمساحات الرمادية كانت ضيقة جدا عند الإسلاميين”.

طالع أيضا  الدكتور إحرشان يستعرض تجربة الحركة الإسلامية في تأصيل حقوق الإنسان

ليؤكد في الأخير أن “الاجتهاد الحزبي المتطور الآن هو المدرسة الإخوانية، وسيبقى وفيا للمدرسة الإخوانية، مجتهدا في إطار المذهب.. وهذا يتفاقم للأسف مع مرور الأجيال، لأن الجيل الأول كان يتمتع ببعض المعرفة في العلم الشرعي والاطلاع الفكري، أما الآن فهو زمن الماكينات التنظيمية”.