رسالة إلى شبيبة العدل والإحسان

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسولنا الكريم. 

أيها الإخوة والأخوات، يا أبناء وبنات شبيبة العدل والإحسان، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

تمر السنين والأعوام، ويمضي الزمن بما مضى، وقدر الله لا يحابي أحدا. نكتب بإيماننا وأَيْمَاننا ونياتنا وأعمالنا ما نقف به أمام الله عز وجل، حين يقول سبحانه اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَىٰ بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا. إنها سنة الحياة، فقد كتب الله أن يكون لكل شيء نهاية، وقد قدر أن تكون نهاية مشواري داخل شبيبة العدل والإحسان في هذا اليوم، أسأل الله تعالى أن يتجاوز عما قصرت من عمل وأن يتقبل مني جهد المقل.

اليوم أغادر هذه القلعة الفريدة، لا يعرف فرادتها إلا من قضى شبابه ينعم بين أحضانها تربية وتأهيلا ومحبة وأخوة، رجولة وثباتا وصمودا. هكذا هي شبيبة العدل والإحسان التي آوتني وعلمتني وصبرت على عيوبي وتحملتني، فكتب الله لي أن أتنقل بين مسؤولياتها المحلية والإقليمية والوطنية والوظيفية على مدى عشرين سنة خلت.

فهذه اللحظة ليست بسيطة، أن أقف أمامكم لأسلمكم مشعل الشبيبة ثم أغادر دون أن ألتفت لأرمق الجيل اللاحق بعين مطمئنة، جيل خبرت صدقه وإيمانه بمشروع العدل والإحسان، خبرت عزته ويقينه، خبرت صفاءه وجميل سريرته، خبرت تفانيه وخدمته لدينه وبلاده وأمته، فماذا يفيد أن أرجع النظر وكلي ثقة فيه واطمئنان على أمانة يديه؟ إن كنت سأشعر بالاشتياق فهو اشتياق لذكرى دروب البناء وليالي الذكر والتراتيل القرآنية، اشتياق لوجوه طيبة جمعتني بهم لحظات محبة وجمال، فهل أبكي تلك السنين الدائبة في أعماقي، أم أبكي تقصيري وهواني؟

لا يرى الناس في هذه الشبيبة إلا ما رشح من عمل أو فعل، إلا أني استنشق من بين ثناياها عبق أمل ينبجس ليسقي البحار الضمآنة والصحاري الباردة، وينتشر نورا يضيئ الليالي الشاحبة، ويمضي جدولا رقراقا ينشر الحب والرفق ويسقط اليأس والظلام. لا يرى الناس في هذه الشبيبة إلا شخوصها وأحداثها التي باتت تثقن صنعها، لكني أراها روحا تسري وسط الناس، أراها همة تبعث الحياة، أراها ضميرا يوجع الفاسد ويوقظ التائه وينتزع بسمة من على محيا المقهور. هكذا قضيت سنوات أرقب بذورها وهي تنمو وتستقيم شامخة بين الأقران، وأصغي لهمسات القلوب وهي ترتقي طلبا للقرب من الله، وأتعقب لمسات الأخلاق وهي تسمو وتشع رحمة وبهاء. لذلك سأظل ملتفتا أتملى، وعاشقا يستسقي المحبة، وممتنا يعترف بالجميل، وتلميذا يتعلم على أعتاب شبيبة العدل والإحسان، أتلقن معاني الرجولة والإيمان منَسَّمَة برحيق الشباب وحيوية الشباب وإرادة الشباب، هكذا حتى يغدو حنين العواطف فعلا ويغدو الشوق جسر خلاص… هكذا حتى لا تمضغ الأرض سنواتي ضياعا ولا تخترق اللقالق أحلامي مواتا.. فهذه الشبيبة بكل تفاصيلها تلزمني كذاكرة، تلزمني كحياة.

طالع أيضا  هيئة الدفاع تعرض بالحجة والدليل تهافت قرار تشميع بيت حساني (فيديو)

سادتي أيها الكرام اسمحوا لي أن أترك بين أيديكم كلمات، وصايا إن شئتم أو نصائح مجرب. نصيحتي لكم أجملها في ثلاث؛ وفاء وصفاء وعطاء.

وفاء: وفاء لجيل الآباء. التزام بالعهد وثبات على خطنا التغييري الذي لم تزده الأيام والأحداث إلا مصداقية ووضوحا. تربية وتنظيما وزحفا، قوة ورفقا وثباتا، يقينا في الله وسلوكا إلى الله وحضورا مع الله، هكذا ننجمع على الله. ليبقى الله تعالى غايتنا وطلب وجهه مرادنا، لنجدد الإيمان في قلوبنا ونمضي بين الناس بالخير وبالبشرى للتائه وبالنصرة للمظلوم. انسجوا من جنح الظلام نور سكينة واجعلوا من لحظة الامتنان زمنا لتجديد الوفاء.

صفاء: الصفاء بين الأحباء، محبة ورفقا وتعظيما للمؤمنين والمؤمنات، احتراما وتقديرا واحتضانا، تكريما ومواساة وتفقدا. إنه سر من الأسرار الكبيرة التي ترفع العاملين درجات، وتيسر عملهم وتهوِّن وعثاء الطريق. الصفاء بلسم للروح ومبعث للإبداع والتفاني في العطاء. الصفاء كرم الكريم تعالى تناله القلوب الشفافة المنيرة وتحظى به الأنفس الواقفة تذللا بين يدي المعطي، الصفاء طريق نجاة وحياة لأن الكدر موت وفناء. إياكم والعيون التي يخدعها غبش الألوان الكاذبة، إياكم والأصوات الموشوشة المفسدة. حاربوا بحسن الظن كل ضغينة واجعلوا من لحظة الدعاء زمنا لتجديد الصفاء.

عطاء: العطاء نشر للضياء، ضياء الأتقياء الأصفياء، العطاء نور يسري بين التائهين والحيارى، واليائسين والمستضعفين. العطاء تهمم بأمة المحبوب عليه الصلاة والسلام، العطاء بذل للوسع، بل استفراغ للوسع. هم يومي بل لحظي؛ بم وكيف ومتى ولم ؟؟ العطاء سؤال يتردد صداه بين ثنايا الروح التواقة الناصرة، ويجري مجرى الدم؛ هل قصرت؟ هل خذلت؟ حرروا إبداعكم، في كل بضع منكم يكمن فعل وعبير وخيط رجاء. وعلى ضفافكم عين ترعاكم ولسان يلهج بالدعاء إليكم، وعيون تتابعكم بفخر واعتزاز، فاجعلوا كل لحظة من عمركم زمنا للعطاء.

طالع أيضا  أنغام السماء.. مع الشيخ أبو العينين الشعيشع رحمه الله

بالمجمل، إياكم والقلوب اليابسة والأرواح اليائسة والأدمغة الفارغة…فيوما ما ستكبر الشمس بين أيديكم لتنير أشعتها عتمة ليالي بلادنا وأمتنا.

أما أنا فسأكون بجواركم، أدعم صنيعكم، وأداعب حنيني لكم، وأسعد بالمشعل المتوهج بين أيديكم، أراقبه تتناقله الأجيال فيزداد ضياء وبهاء، أجدد مع كل لحظة امتنان معاني الوفاء والصفاء والعطاء … فلا تنسوني من صالح دعائكم. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أخوكم ومحبكم  منير الجوري: الكاتب العام السابق لشبيبة العدل والإحسان.

البيضاء  في 29 أكتوبر 2017 / 09 صفر الخير 1439.