قال الدكتور عمر إحرشان معلقا على ما بات يعرف بالزلزال السياسي إنه “ليس هناك زلزال سياسي، القرارات في حد ذاتها ليست زلزالا ولكنها استباق من قبل المحيط الملكي لهذا الزلزال باعتباره الأدرى بالمعطيات الحقيقية للبلاد. والمغرب عرف قرارات مثل هذه كما حصل بُعيد الانقلاب الفاشل في بداية السبعينات حيث حاكم الحسن الثاني وزراء وسعى بعدها إلى انفتاح سياسي. وفي 1996 عرف المغرب حملة تطهير وكان الحسن الثاني قد أعلن قبلها أن البلاد تعيش السكتة القلبية بعد تقارير البنك العالمي وصندوق النقد الدولي. وبعدها حصل انفراج سياسي متمثلا في التناوب التوافقي…  وسبق الإعلان عن الزلزال إعلان الملك عن فشل النموذج التنموي المغربي وسننتظر ماذا سيحصل بعده. النظام المغربي يحسن طبع كل مرحلة من المراحل السياسية بعنوان معين: زلزال سياسي، العهد الجديد، التناوب التوافقي…”.

وقال مجيبا عن سؤال ميزة تقرير المجلس الأعلى للحسابات في الحلقة الجديدة من برنامج “لقاء خاص” على قناة الشاهد الإلكترونية إنه “يراقب المالية العمومية ويرفع سنويا تقريرا إلى الملك ورئيس مجلس النواب ورئيس الحكومة ورئيس مجلس المستشارين وينشر في الجريدة الرسمية.  السؤال هنا هو ما وجه الخصوصية في هذا التقرير مقارنة مع التقارير السابقة التي كانت تتضمن اختلاسات للمال العام عكس هذا التقرير الذي لا يشير إلى وجود اختلاسات؟ إذن فالأمر تحكمه خلفية معينة”.

وعن طبيعة قرارات الإعفاء أكد الباحث السياسي والأستاذ الجامعي أنه “كان يمكن أن تكون القرارات إيجابية جدا لو أنها نبعت عن اقتناع ذاتي وليس استجابة على ضغط خارجي وأن تكون وفق منهجية عمل عادية ولا تحكمها الانتقائية أو الموسمية أو الحملة… ولو كانت نابعة من اقتناع ذاتي لتم إخضاع التقارير السابقة إلى مسطرة قضائية لمحاكمة أو الإعفاء. ولاحظ أن وزراء التجمع الوطني الأحرار لم يمسهم الإعفاء رغم أن بعضهم، على الأقل، معنيون بشكل مباشر بما حصل من تقصير كوزارة الفلاحة والصيد البحري التي هي المعنية الأولى لأن الحدث الذي أطلق شرارة الاحتجاج هو موت محسن فكري رحمه الله بعلاقة من هذا القطاع. ووزراء العدالة والتنمية لم يمسوا رغم أن وزاراتهم معنية بشكل مباشر خاصة وهي التجهيز والنقل والطاقة والتعليم العالي. وتقرير المجلس الأعلى للحسابات نص على جوانب التقرير في هذا الباب”. ومن ناحية أخرى تم إعفاء مدير التكوين المهني وتم إعفاء الوزير الوصي الذي هو بلمختار، وبالمقابل تم إعفاء مدير المكتب الوطني للماء والكهرباء ولم يتم إعفاء الوزير الوصي الذي هو وزير الطاقة. ولهذا لا يمكن أن ننظر إلى هذه الإعفاءات بالمنظور الإيجابي لأنها انتقائية وتحكمها خلفية سياسية ولأنها غير مكتملة”.

وعلق على هذا المشهد مؤكدا أن “ما رأيناه هو عقوبة سياسية والأصل أن من يوقع العقوبة السياسية هو الشعب من خلال الانتخابات، فإذا حصل تقصير ووقع الإعفاء ينبغي أن تصحبه مسطرة قضائية لأن التقصير مرادف للاختلاس لأن التقصير تفريط أو نقص في الحكامة وتضييع للوقت وللمال تضييع للجهد وللأمانة”.

أما عن الخلفيات الحقيقية لاتخاذ قرار الإعفاء فأشار الدكتور إحرشان أن “أهم خلاصة ينبغي أن يفهمها المواطنون هو أن الغضب الشعبي والاحتجاجات فكلما تحرك الشعب كلما فرض جدول عمل على الدولة وأولويات على الدولة. وهناك مثال حركة 20 فبراير ومثال ساكنة الشمال ضد أمانديس واحتجاجات الريف. وكلما كان الضغط مستمرا ومتناميا وشعبيا كلما كانت درجة التجاوب كبيرة”.

وعن خلفيات تجاوب السلطة مع هذه الاحتجاجات أضاف أن “السلطة تحرص دائما على ألا يكون تجاوبها تجاوبا مباشرا وجوابا مع الاحتجاج.  فالملك في خطاب 9 مارس 2011 لم يقل إني تجاوبت مع الاحتجاج ولكن قال لقد تلقيت تقريرا عن الجهوية المتقدمة.  ولكن الكل يعرف أن ذلك التقرير كان في الأدراج وتم تحريكه وإلا فالسبب المباشر هو حركة 20 فبراير. فالتجاوب هو محاولة لامتصاص الشارع خاصة أن الريف هو منطقة واحدة في المغرب، وهناك مناطق أخرى كزاكورة وتنغير و… فالدولة تحرص على ألا تتجاوب بشكل مباشر وأن يكون التجاوب في حده الأدنى وتحرص على نصف تجاوب حتى يبقى لها الفرصة للرجوع في أي لحظة.  الاستمرارية والقدرة التجميعية للحركات الاحتجاجية هي التي تفرض ميزان قوى جديد والإيقاع وسقف المطالب”.

وحول دستورية قرار الإعفاء أكد إحرشان “أن هناك حرصا ظاهرا على احترام الدستور في قرار الإعفاء ولكن في حقيقة الأمر لم يحترم. ونخاف أن يقع ما وقع في برنامج منارة المتوسط، فبنكيران صمت ولم يقل آنذاك إنه لا علم لي بالأمر، وبأنني اطلعت على الخبر من خلال الإعلام وأن الوزراء لا يخبرونني بما يكون بينهم وبين الملك، ففرط في اختصاصاته.  وتخيل أن حكومة يعفى منها تسعة وزراء ولا تظهر مسؤولية رئيس الحكومة، هذا هو الزلزال الحقيقي، فالحكومة يجب في هذه الحالة أن تتحمل مسؤوليتها في التضامن الحكومي وخاصة رئيس الحكومة.  فالمسؤولية السياسية حاضرة لدى رئيس الحكومة في الوقت الذي لم يُمَسَّ هو ووجد مبررا أنه لم يكن يعلم. مع العلم أن هذا يعني أنه لم يمارس صلاحياته وهو مسؤول عن هذا”.

وعن سؤال: هل نسير في المرحلة المقبلة في اتجاه أن المؤسسة الملكية هي الوحيدة القادرة على الحكم دون مساعدة الأحزاب السياسية؟  أجاب أن المؤسسة الملكية “هي التي تحكم، والأمر يسير في اتجاه قتل الأحزاب السياسية لفائدة التكنوقراط.  فنحن على أعتاب مرحلة جديدة سمتها الأساسية أن تبقى الملكية هي الفاعل الوحيد وهي التي تحكم.  عشنا مرحلة الأحزاب وعشنا مرحلة التكنوقراط بألوان حزبية ونحن الآن نسير في اتجاه وزارات على رأسها تكنوقراط غير مسيسين. وهذا لا يخدم السياسة ولا يخدم الأحزاب ولا يخدم الحكومة ولا البرلمان”.  

وعن الفاعل الحقيقي في البلاد أكد أن “الفاعل في الخارطة السياسية هناك المخزن وهناك الأحزاب السياسية التي هي في أضعف أحوالها. والعدالة والتنمية حزب مثل باقي الأحزاب وهو مستعد لتقديم الخدمة التي تطلب منه في أية لحظة، قيل له لا تخرج في احتجاجات الريف لا يخرج، وقيل له أدخل الاتحاد الاشتراكي في الحكومة ففعل، ويقال له استغن عن التقدم والاشتراكية في الحكومة فيستغني عنه. فكل الأحزاب فقدت استقلاليتها”.

وعن سؤال المشهد السياسي على المستوى القريب أجاب مؤكدا أن “المغرب في حالة مخاض يمكن أن تتمخض عنه ولادة عادية أو قيصرية أو مشوهة أو حمل كاذب أو إجهاض، كل شيء ممكن. والمجتمع يطور أدوات الضغط والسلطة تطور أدواتها لكي تتحكم أكثر، المرحلة المقبلة رهينة بطبيعة المخاض ويصعب التكهن بمستقبل المغرب”.