تقديم

يسعى الإنسان دومًا للنجاح والتفوق، وهو في هذا السبيل رهين العديد من الخيارات التي تحقق هذا الهدف، وإذا كان أقصر الطرق للوصول لأي هدف هو الخط المستقيم؛ فالتنظيم والاختيار بين الأهم والمهم، وبين الجيد والأفضل هو الخط الذي يربط بين بداية الطريق ونهايته.

وإذا كان الاختيار هو لبّ إدارة الأولويّات فإنه يعني ترتيب الأمور حسب أهميتها والتوفيق بين ما يريد الإنسان أن يقوم به وبين المسؤوليات التي تقع عليه، خاصة مع استحضار التحدّيات الخاصة بالقرارات اليومية وما يرتبط بها من استخدام للوقت. فلو راجعنا كل مناحي النشاط الإنساني لوجدنا أن الوقت عامل أساسي في نجاحها أو فشلها، لذلك حينما نقول تنظيم الوقت فإننا نعني ببساطة تنظيم الحياة، حياة الفرد وحياة الأمة. وما أفلحت أمة على مر التاريخ عندما قلت أهمية الوقت في حسابها.

وحيث أنه لا يمكن عزل الوقت عن حياة الإنسان الشخصية والمهنية، فينبغي التعامل معه واستثماره بفعالية، على اعتبار أنه مورد، لأهميته القصوى، صار واحداً من ضمن موضوعات علم الإدارة في العصر الحديث.

فما المقصود بإدارة الوقت؟ وأي قيمة للوقت في الإسلام؟ وما هو منظور الغربيين للمسألة؟ وما هي أهم القواعد المساعدة على حسن إدارة الوقت؟ هذه الأسئلة وغيرها سأحاول الإجابة عليها من خلال سلسلة مقالات متتامة.

مفهوم إدارة الوقت

ليس من السهل تحديد تعريف دقيق للوقت، فهو جزء من كل شيء في الحياة، بل هو الحياة نفسها، إنه أهم الموارد المسخرة للإنسان، بل إن علاقة الوقت بوجود الإنسان علاقة دائمة لا تنقطع، فهو (يمضي بانتظام نحو الأمام دون أي تأخير أو تقديم، ولا يمكن بأي حال من الأحوال إيقافه أو تراكمه أو إلغاءه أو تبديله أو إحلاله) 1. ولأنّه (سريع الانقضاء وما مضى منه لا يرجع ولا يعوَّض بشيء، كان الوقت أنفس وأثمن ما يملك الإنسان، وترجع نفاسته إلى أنه وعاء لكل عمل وكل إنتاج، فهو في الواقع رأس المال الحقيقي للإنسان فرداً ومجتمعاً) 2. وقد عرّف ابن القيم الحكمة في مدارج السالكين بقوله: (هي فعل ما ينبغي، على الوجه الذي ينبغي، في الوقت الذي ينبغي).

وبذلك يكون فن إدارة الوقت هو في الحقيقة حكمة إدارة الأعمال المرتبطة بالوقت، أي أن (إدارة الوقت لا تنطلق إلى تغييره، أو تعديله أو تطويره، بل إلى كيفية استثماره بشكل فعّال، ومحاولة تقليل الوقت الضائع هدراً دون أي فائدة أو إنتاج) 3.

ومن هذا المنطلق وردت عدة تعريفات لإدارة الوقت، فهناك من عرفها بأنها: (عملية الاستفادة من الوقت المتاح والمواهب الشخصية المتوفرة لدينا؛ لتحقيق الأهداف المهمة التي نسعى إليها في حياتنا، مع المحافظة على تحقيق التوازن بين متطلبات العمل والحياة الخاصة، وبين حاجات الجسد والروح والعقل) 4. أو أنها: (تخطيط استخدام الوقت وأسلوب استغلاله بفاعلية، لجعل حياتنا منتجة وذات منفعة أخروية ودنيوية لنا ولمن أمكن من حولنا وبالذات من هم تحت رعايتنا) 5. وبناء على ذلك، يُعدّ مفهوم إدارة الوقت من المفاهيم المتكاملة، والشاملة لأي زمان أو مكان أو إنسان.

أهمية إدارة الوقت

تكمن أهمية الوقت في ثلاثة منطلقات مهمة، الأولى كون الإنسان محاسب عليه أمام الله عز وجل، والثانية في محدوديته، أما الثالثة ففي النتائج التي يمكن تحقيقها من خلال حسن إدارته.

المنطلق الأول: إن الإنسان محاسب على وقته أمام الله تعالى، حيث أن الإسلام اهتم بوقت المسلم بصفة عامّة، وحثه على اغتنامه وعدم إضاعته، فهو من الأمور التي يسأل عنها الإنسان يوم القيامة إذ يقول النبي صلى الله عليه وسلم: “لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع خصال: عن عمره فيم أفناه؟ وعن جسده فيم أبلاه؟ وعن ماله من أين اكتسبه؟ وفيم أنفقه؟ وعن علمه ماذا عمل به؟” 6، فنلاحظ من الحديث أن الإسلام ينظر إلى الوقت وحدة كاملة لا تتجزأ، ويطالب المسلم باغتنام عمره بعامّة وفترة شبابه بخاصّة، ذلك أنها فترة حافلة بالحركة والعمل والإنتاج. فقد جاء قول النبي مرشداً وموجهاً المسلم إلى اغتنام الأوقات وفرص العمر في قوله: “اغتنم خمسا قبل خمس، شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك” 7.

المنطلق الثاني: قال تعالى في سورة المؤمنين قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ (112) قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلْ الْعَادِّينَ (113) قَالَ إِن لَّبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا لَّوْ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (114). وهناك إحصائية دقيقة تبين مدى محدودية الوقت الذي يتمتع به كل إنسان طوال حياته؛ لنفرض أن الإنسان يعيش عمرا افتراضيا مدته سبعون سنة، إذا ضيع ساعة واحدة في اليوم فإنه يضيع 3 سنوات من عمره، وإذا ضيع 5 ساعات يوميا فإنه يضيع 15 سنة من عمره. وحسب متوسط التقديرات التي يقضيها عامة الناس من الوقت المبذول لكل نشاط. فإن 8 ساعات من النوم يوميا تقابل 24 سنة من عمر الإنسان، و6 ساعات من العمل المهني تعطي تقريبا 18 سنة من العمر، وبنفس الطريقة نجد أن الأكل يستغرق 5 سنوات من العمر، و10 سنوات للقاءات والاتصالات والتنقلات، يكون المجموع 57 سنة، إذن الباقي من عمر الإنسان بعد كل هذه الأعمال الاعتيادية أو الضرورية هو 13 سنة، فإذا حذفت من ذلك فترة المراهقة وزمن الطفولة فكم يا ترى يبقى من الوقت للمشاريع الطموحة والأعمال الكبيرة، والأهداف النبيلة؟ لذلك تكتسي إدارة الوقت أهمية قصوى لأنها تتيح بشكل ما التحكم في محدودية الزمن واستغلال أقصى قدر ممكن منه لتحقيق الأهداف المهمة.

المنطلق الثالث: تكمن أهمية الوقت أيضا في النتائج التي يمكن تحقيقها من خلال حسن إدارته، (إن الذين ينظرون إلى الوقت بعين الاهتمام هم الذين يحققون إنجازات كثيرة في حياتهم الشخصية والمهنية، وهم الذين يعلمون أن الوقت قليل لتحقيق كل ما يريدون) 8. فإذا بدأ أي شخص بتنظيم وقته بطريقة فعالة فسيحصل على زيادة فعاليته في العمل والمنزل، وبالتالي سيحقق الأهداف المنشودة بطريقة أفضل وأسرع، مما يساعد على تقليل المجهود المبذول.

الحلقة القادمة حول الرؤية الإسلامية للوقت.


[1] سلامة، سهيل بن فهد، إدارة الوقت منهج متطور للنجاح، المنظمة العربية للعلوم الإدارية.
[2] القرضاوي، يوسف، الوقت في حياة المسلم.
[3] سلامة، سهيل بن فهد، إدارة الوقت منهج متطور للنجاح.
[4] القعيد، ابراهيم حمد، العادات العشر للشخصية الناجحة، دار المعرفة للتنمية البشرية.
[5] ملائكة، عبد العزيز محمد، إدارة الوقت في الأعمال بالمملكة العربية السعودية.
[6] أخرجه الترمذي والطبراني في المعجم الكبير، وصححه الألباني في الصحيح الجامع.
[7] رواه الحاكم النيسابوري في المستدرك على الصحيحين.
[8] أبو شيخة، نادر أحمد، إدارة الوقت.