صاحبت متابعة السيد عمر محب، عضو جماعة العدل والإحسان وأحد رموز فصيل العدل والإحسان الطلابي خلال تسعينيات القرن الماضي، في قضية المشاركة في قتل الطالب محمد أيت الجيد، في خضم الصراع الإيديولوجي الذي عرفته الساحة الجامعية في مجموعة من المواقع الجامعية حينذاك، خروقات كثيرة، نرصدها في هذا التقرير ونُجدد نشرها توضيحا للطبيعة السياسية للملف.

المدة الفاصلة بين حدث مقتل آيت الجيد وتاريخ القبض على محب

وقعت أحداث الاعتداء على الطالب آيت الجيد بنعيسى  في 25 فبراير 1993 وألقي القبض على مجموعة من الطلبة من التيارين معا الإسلامي واليساري، وقدموا أمام المحكمة. توفي الضحية في المستشفى في بداية مارس 1993، فأصبح مجموعة من الطلبة مبحوثا عنهم بمن فيهم الحديوي الخمار، الذي كان مع الهالك وفر من المستشفى.

ثم بعدها تقدم دفاع الخمار الحديوي في شهر شتنبر 1993 بشكاية ضد مجموعة من الأشخاص في لائحة تضم حوالي 22 أو 23 اسما، وضمّن فيها اسم عمر محب، وكانت تلك هي المرة الأولى التي يرد فيها اسم عمر محب في القضية.

ألقي القبض على الحديوي الخمار في أكتوبر 1993 وحوكم من أجل نفس الوقائع، وحوكموا جميعا بعقوبات من أجل المشاجرة التي أفضت إلى وفاة الهالك، وقضوا فترة اعتقالهم وخرجوا من السجن، وبقي اسم عمر محب يتردد بسبب الشكاية التي تقدم بها الحديوي الخمار، إلى أن تم اعتقاله أثناء تقديمه لمعرض للكتب في ساحة فلورانس وسط مدينة فاس بتاريخ 15 أكتوبر 2006.

وجذير بالذكر أن السيد عمر محب كان يعيش طيلة هذه الفترة، أي ما يزيد على 13 سنة، حرا طليقا، يمارس حياته بشكل طبيعي، حيث استمر بمتابعة دراسته بالجامعة بفاس، وحاز على شهادة الإجازة من كلية العلوم، ثم تزوج، واستمر في نشاطه التجاري والمهني طيلة هذه المدة دون أن يتعرض في أية لحظة من اللحظات لأية عملية قضائية أو غير قضائية تتعلق بهذا الملف.

طالع أيضا  الجماعة نت يشرع في نشر سلسلة "تناقضات شاهد الإثبات" في قضية عمر محب

هذه المدة الطويلة التي تفصل تاريخ إلقاء القبض على السيد عمر محب عن تاريخ وقوع الأحداث تظهر بالملموس  الخلفية السياسية للملف، خصوصا وأن السيد محب ينتمي إلى جماعة العدل والإحسان المعارضة للنظام السياسي. وقد جاء هذا الاعتقال في سياق الحملة التي شنتها أجهزة المخزن للضغط والتضييق على الجماعة سنة 2006، حيث بلغ عدد معتقليها خلال ستة أشهر الأخيرة من نفس السنة:  2915 عضوا معتقلا، ليصل عدد المتابعين بجنح وجنايات، جميعها ملفقة وجلها تتعلق بعقد اجتماعات عمومية دون سابق تصريح والانتماء إلى جمعية غير قانونية، إلى 558 عضوا في أكثر من 95 ملفا من بينها ملف المعتقل السياسي عمر محب.

كما تم، خلال نفس الفترة، تشميع مقرات الجماعة، ومنع مخيماتها، وإثقال كاهل الجماعة بغرامات مالية ظالمة وقاسية وصلت خلال الفترة المذكورة أعلاه إلى مبلغ 5527215.00 درهم. وكل ذلك بغاية تجفيف المنابع الدعوية والتربوية والإشعاعية والمادية للجماعة بهدف كبح جماحها وفرملة تغلغلها وسط المجتمع وإضعافها في أفق إخضاعها لإرادتها كما فعلت بالكثير من القوى.

الخروقات الشكلية التي شابت البحث التمهيدي والأمر بالإحالة

أكدت هيئة دفاع السيد عمر محب أن المسطرة التي توبع محب بناء عليها شابتها مجموعة من الخروقات الشكلية، سواء فيما يتعلق بالبحث التمهيدي أو بالأمر بالإحالة، وعددت الدفوع الشكلية في:

–       انعدام حالة التلبس.

–       عدم توفر أركان تهمة القتل العمد التي توبع بها عمر محب.

–       سبقية البث في التكييف القانوني؛ سبق لقاضي التحقيق أن تابع شخصان آخران بالضرب والجرح المفضي للموت، فيما تابع الخمار الحديوي بالمشاركة في نفس الفعل.

وتوبع السيد عمر محب بجنحة المساهمة في مشاجرة ارتكب أثناءها عنف أفضى إلى موت، بعدما عدّلت غرفة الجنايات الاستئنافية في قرارها الصادر بتاريخ 18 دجنبر 2007 القرار الابتدائي، وخفضت العقوبة إلى سنتين سجنا نافذا. قضاها السيد محب وغادر السجن بتاريخ 15 أكتوبر 2008.

ولكن وقع إعادة التكييف القانوني؛ إذ ألغى المجلس الأعلى، بتاريخ 29 أكتوبر 2008، القرار الاستئنافي بناء على الطعن بالنقض المقدم من المتهم ومن النيابة العامة معا، وأعاد القضية من جديد أمام غرفة الجنايات الاستئنافية بفاس، التي أصدرت بتاريخ 23/04/2009 قرارها القاضي بتأييد القرار الجنائي الابتدائي، وهو القرار الذي أصبح نهائيا بعد أن رفضت محكمة النقض الطعن الذي تقدم به الدفاع. واللافت للانتباه أن السيد عمر محب هو الوحيد الذي أوخذ بتهمة المشاركة في القتل العمد وحُكم عليه بـ10 سنوات سجنا نافذا، ولم تكلف النيابة العامة نفسها عناء البحث عن “بقية الشركاء”.

طالع أيضا  موقع "الجماعة.نت" يجري حوارا مع زوجة عمر محب في الذكرى السابعة لاعتقاله الظالم

مما يبرز بجلاء وجود نية الاعتقال حتى وإن لم تتوفر في المحاكمة العناصر التكوينية، ولم تسعفها الوقائع والأفعال موضوع المتابعة.

إضافة إلى الخروقات الشكلية، سجلت هيئة دفاع السيد محب خروقات تمس الجوهر، وتتمثل أساسا في اعتماد الخمار الحديوي شاهدا وحيدا.

الاعتماد على شهادة شاهد واحد في القضية

تعتبر شهادة الخمار الحديوي هي القرينة الوحيدة التي استند عليها قاضي التحقيق لمتابعة السيد عمر محب من أجل جناية القتل العمد طبقا للفصل 392 من القانون الجنائي، غير أن قرائن كثيرة تطعن في مصداقية شهادته وتجعلها مجروحة لا يمكن الاعتداد بها، منها:

– تم إلقاء القبض على السيد عمر محب بتاريخ 15 أكتوبر 2006، وكان يوم أحد وعلى الساعة الرابعة بعد الزوال، والخمار الحديوي كان يسكن في منطقة تيسة التي تبعد عن مدينة تونات بكيلومترات، ومع ذلك تمكنت الشرطة من إحضاره والاستماع إليه كشاهد بعد أربع ساعات فقط، كانت هذه أول الإشارات على وجود أمر غير منطقي يدفع في اتجاه تلفيق الملف.

– الخمار الحديوي طرف مشتكي، فهو من تقدم في مواجهة السيد عمر محب بشكاية بتاريخ 20 شتنبر 1993، ولديه خصومة شخصية مع السيد عمر محب.

– وهو متهم وضالع في نفس الوقائع التي أدت إلى وفاة الهالك محمد آيت الجيد، فهو بالتالي طرف في القضية.

– ولديه خصومة إيديولوجية مع السيد عمر محب، لم يخفها خلال تصريحاته في جميع المراحل.

– أكدت هيأة دفاع السيد عمر محب أن تصريحات الشاهد الحديوي كانت متناقضة طيلة مراحل المسطرة بدءا من اعتقاله واستجوابه من طرف الضابطة القضائية بتاريخ 27 أكتوبر 1993، واستنطاقه من طرف السيد قاضي التحقيق، ابتدائيا بتاريخ 28 أكتوبر 1993 وتفصيليا بتاريخ 25 نونبر 1993، ثم التصريح الذي أدلى به أمام غرفة الجنايات بتاريخ 14 أبريل 1994، واستجوابه بعد 12 سنة من طرف الضابطة القضائية بتاريخ 15 أكتوبر 2006، وأخيرا التصريحات التي أدلى بها أمام السيد قاضي التحقيق بمناسبة التحقيق مع السيد عمر محب وذلك بتاريخ 14 نونبر 2006. بمراجعة هذه التصريحات نجدها تتناقض في كل واقعة ثلاث مرات على الأقل، بدءا من سياق الأحداث والأشخاص الذين شاركوا في الجريمة وعددهم ووسيلة الاعتداء وكيفية التعرف على السيد عمر محب.

طالع أيضا  وقفة تضامنية مع السيد عمر محب أمام البرلمان

وهو ما جعل دفاع السيد عمر محب يعتبر أن «قرائن الزور ظاهرة في شهادة السيد الخمار الحديوي، نظرا للتناقضات التي اعترت شهادته، والتي لا تجعلها فحسب ساقطة عن درجة الاعتبار، وإنما واقعة تحت طائلة الزور الجنائي المعاقب  عليه قانونا».

– كما أن تصريحاته تناقضت بشكل مطلق مع تصريحات خمسة (5) شهود وهم: رشيد الصغوري، فاطمة مرجان، عبد اللطيف الفيلالي، الشعيبية بلعسال، وزكري الطاهري، حضروا أمام السيد قاضي التحقيق وأكدوا أن السيد عمر محب كان يشارك معهم في ملتقى طلابي بمدينة الدارالبيضاء خلال الفترة الممتدة من 22 فبراير 1993 إلى 27 فبراير 1993، في حين وقعت الجريمة بتاريخ 25 فبراير 1993.

لكل هذه المعطيات، وحيث انتفت عناصر الحيادية والموضوعية في شهادة الحديوي، فلا يمكن بناء حكم قاس يبلغ 10 سنوات على هذه القرينة الوحيدة، إلا إن كانت هناك نية مسبقة في تلفيق الملف، حيث أريد له أن ينحى هذا المنحى.

لمعرفة المزيد عن قضية المعتقل السياسي عمر محب وخلفياتها طالع هذا الملف.