في إطار أشغال المجلس القطري الحادي عشر للقطاع النسائي لجماعة العدل والإحسان ، المنظم اليوم  السبت 08 صفر 1439ه الموافق لـ28 أكتوبر 2017، ألقت الأستاذة سعدية الضريس، عضو المكتب القطري للقطاع، الكلمة الافتتاحية للدورة، هذا نصها:

098.jpeg

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على مولانا رسول الله، وعلى آله وصحبه وإخوانه وحزبه، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

أخواتي الكريمات، عضوات وضيفات المجلس القطري: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

باسم المكتب القطري للقطاع النسائي، أرحب بكن جميعا في هذا الملتقى السنوي النسائي التشاوري، وأسأل الله سبحانه وتعالى أن يجازي عنا خير الجزاء كل من ساهم في إعداد مواد هذه الدورة وإنجاح أشغالها، راجية منه عز وجل أن ييسر لنا سبل التواصل فيه، وأن يفتح مغاليق قلوبنا وأفهامنا. آمين.

أخواتي الكريمات،

 نفتتح أشغال هذه الدورة ونحن نستحضر حالة الاحتقان الشديد التي تعيشها العديد من دول أمتنا العربية والإسلامية، والتي تبدو مظاهرها جلية في الوتيرة المتصاعدة للحروب والتقتيل والتشريد. هاته الهجمة الشرسة التي تُدير رحاها قوى الاستكبار العالمي تحت رعاية أنظمتنا الحاكمة المستبدة، والتي تستهدف شعوبا مستضعفة، اتسع لديها الخَرق على الراقِع، وبدأت أعناقها تشرئب إلى نفحات الانعتاق من عِقال الظلم والفساد، فكانت انتفاضات الربيع العربي المنطَلَق لتكسير القيود وتحسس نسائم الحرية والكرامة… هجمة لا تبقي ولا تذر، شعارها النفوذ والمصالح واستعباد العباد، هجمة يؤدي ثمنها الصغير والكبير، وتكتوي بلظى حممها نساء هاته الأمة تقتيلا واعتقالا واضطهادا وتجرعا لمختلف أشكال الظلم والتحقير. وما واقع النساء في فلسطين وسوريا واليمن والعراق وغيرها عنا ببعيد. 

ولا يفوتنا بين يدي هذه الدورة أن نستحضر حالة الاحتقان الداخلي، بعد فشل محاولات الالتفاف والتمويه التي لجأ إليها المخزن من أجل امتصاص غضب الشعب المغربي منذ اندلاع شرارات الحراك الاحتجاجي الذي واكب “ثورات الربيع العربي”، وبعد فشل المحاولات اليائسة لتلميع الواقع المزري الذي يحكم قبضته على الشعب المغربي سياسيا واقتصاديا واجتماعيا.   ونستحضر هنا حراك الريف – والذي يصادف انعقاد مجلسنا هذا ذكراه السنوية – الذي انطلق باستشهاد المواطن محسن فكري، والذي لا يزال مستمرا من خلال المحاكمات التي تم تنصيبها لرموز الاحتجاجات التي خرجت للمطالبة بتغيير الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية. هذا الحراك الذي لعبت فيه المرأة دورا أساسيا؛ مشاركة، وقيادة، وتعبئة، وأداءً للثمن.. ولنا في نساء الحسيمة ونواحيها، وفي نساء زاوية الشيخ المثل الأعلى لصحوة النساء وبسالتهن، والمثل الأعلى كذلك للانتكاسة الحقوقية المتمثلة في لجوء المخزن إلى المقاربة الأمنية في التعامل مع المرأة بشكل يعكس تطاولا خطيرا على حرية النساء، ويفند كل ادعاء حقوق المرأة وشعارات التمكين التي يروج لها الإعلام  المغربي، هذا ناهيك عن واقع الهشاشة والهامشية الذي تعيشه المرأة المغربية في ظل ارتفاع نسب الأمية، وغياب الصحة الإنجابية، وارتفاع نسب الهدر المدرسي، وتشغيل وتزويج القاصرات، والاستغلال البشع للعاملات في غياب الحماية القانونية، وارتفاع وتيرة العنف، والاستغلال الجنسي … كل هذا والمغرب لايزال مصرا على إعادة إنتاج الأعطاب والارتهان للحلول الترقيعية !!!                   

سيداتي الفضليات،                                                           

لقد اخترنا لهذه الدورة شعار “جميعا من أجل إنصاف المرأة المغربية”.

فما المقصود بقولنا “جميعا”؟ ولماذا مصطلح “إنصاف” المرأة المغربية دون غيره من المصطلحات؟

قد لا نختلف كون المعني الأول بقضايا المرأة ومعاناتها هي المرأة نفسها، من حيثُ ضرورة استيعابها لقضيتها، ومعرفةِ أزماتِها المتراميةِ جذورُها عبر التاريخ الإسلامي، والعمل على إيجاد الحلول اللازمة لرفع الظلم عنها والنهوضِ بأوضاعها. ولأن معاناة المرأة اسْتَشْرت مع الزمن، وأَرْخَت بظلالها الكالحة على إنسانيتها وكيانها وفكرها وأسرتها ومجتمعها، فإن المقاربة التشاركية لتناول ومعالجة قضايا المرأة أصبحت ملحة وضرورية. فذاك ورش لا يكفي أن تتصدى له المرأة بجهد المُقِل، بل لا بد فيه من تكاثف الجهود وتوحد الإرادات وتلازم الخطى، ورش ينخرط فيه الرجل مع المرأة جنبا إلى جنب. وتنخرط فيه جميع مؤسسات الجماعة لأن التخصص في جبهة معينة لا يعني احتكارها ولا يعني في المقابل استقالةً باقي الجبهات. وهذا ينسجم تمام الانسجام مع مشروعنا الفكري الذي أثله الإمام المرشد رحمه الله، والذي يعتبر قضيةَ المرأة قضيةَ إنسان وقضيةَ أمة.

كما أن تَضَمُّنَ الشعار لكلمة “جميعا” يجدد التأكيد على إيماننا العميق بضرورة المقاربة التشاركية مع مختلف الفاعلين والمهتمين بقضايا المرأة، من هيئات سياسية وحقوقية وجمعوية وفعاليات المجتمع المدني، كما يجدد الدعوة إلى البناء المشترك والحوار الجاد الذي أصبح ضرورة حيوية وملحة، وليس ترفا فكريا تعهد له النخبة المثقفة كلما سنحت لها انشغالاتها.                          

المفهوم الثاني الذي يتضمنه شعار الدورة، والذي يستوجب منا وقفة متأنية لِتَجْلِية معناه، وإزالةِ اللبس عما يمكن أن يخالطه من مفاهيم هو “الإنصاف”: 

الإنصاف في اللغة، مصدر مشتق من الفعل أنصف، وإنصاف المظلوم: استيفاؤه حقَّه أي إزالة الظلم عنه، وأنصف فلان فلانا عامله بالعدل، وإنصاف الإنسان لنفسه: يكون بعدم تحقيرها أو تضخيمها.                 

والإنصاف بمعناه العلمي والخلقي، هو إعطاء الناس ما يستحقونه كاملا، بلا بخس ولا تحيز ولا محاباة، ولاشك أن هذا المفهوم يتشابه – ويكاد يتطابق – مع مفهوم العدل، ولذلك قال بعض العلماء: العدل والإنصاف توأمان.

وتتميز كلمة “إنصاف”عن العدل في كون العدل يستعمل في مواطن التنازع والتخاصم، ويكون ممن له صلاحية الحكم والتصرف في الأمر. أما الإنصاف فأعم من هذا وأوسع، حتى أن العلماء يتحدثون عن إنصاف العبد مع ربه وعن إنصافه مع نفسه، وعن إنصاف غيره من نفسه، وعن الإنصاف بين الناس وهو أعز الخصال ومعناه أن يعرف الإنسان الحق على نفسه ويوفيه من غير طلب.                                             

ويختلف “الإنصاف” عن المساواة، بل هو أعم منها وأشمل، وما هي إلا جزء منه وليست مرادفة له.

هذا ويختلف الإنصاف عن المناصفة التي ارتبطت كمفهوم بالعدد، اعتمادا على فكرة أن المرأة نصف المجتمع، وهو نقاش – في تقديرنا – مغلوط ومجحف في حق المرأة، خاصة وأنها قد تكون في مواطن أحق من الرجل وأسبق.                              

أيتها الأخوات الفضليات:

إن أي حديث عن إنصاف المرأة المغربية ينبغي أن ينطلق ابتداء من ضرورة انعتاقها من كل ما يحكم عليها بالعبودية لغير الله تعالى، والتأكيد على هويتها ككائن إنساني يعيش ويتعامل مع الآخر وفق مقتضيات الإنسانية التي تتجاوز الخصوصية الجنسية، ذكرية أو أنثوية.

ولا حديث عن إنصاف المرأة إلا بتجاوز الإرث السياسي لقرون العض والجبر التي أرست واقعا استبداديا اسْتُعبد فيه رجال الأمة ونساؤها.

إن إنصاف المرأة يتأتى بتبني مقاربات تلامس عمق وجوهر قضيتها، وتنتشلها من مستنقعات التقليد والتشدّد والتغريب الماسخ، مع تحريرها من الموروثات الثقافية والعادات والتقاليد التي تعزز إهانتها ودونيتها.                                        

كما أن إنصاف المرأة المغربية لا يستقيم إلا باجتهاد فقهي رصين جماعي ومؤسساتي، تحضر فيه العين النسائية.. اجتهاد يرفع عنها قيود فقه منحبس ظلت سجينة له لقرون طويلة، ويضمن لها حقوقها التي كفلها لها الشرع، عَلَّها تسترجع من خلال ذلك ثقتها بخالقها، وثقتها بنفسها، وتسترجع قدراتها في بناء الإنسان وتنمية المجتمع.

ومن تمام الإنصاف تجاوز المقاربات السطحية والحلول الترقيعية، والاقتناع بأن قضايا المرأة المغربية لا يمكن أن تعالج إلا في ظل الإرادة الحقيقية للإصلاح الشامل.

أيتها الأخوات الكريمات:

إن الطريق أمام المرأة المغربية صاعد وعر، والعقبة كؤود، والتحديات جسيمة، تتطلب منا نساء العدل والإحسان تهمما وهمة عالية، صبرا ومصابرة، وارتقاءً في مدارج الكمالات، فسُنة الله لا تحابي أحدا، ولا يغير الله ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم. ورحم الله الإمام المرشد الذي علمنا أن “لا سبيل إلى إنصاف المرأة وتغيير ما بالأمة إن لم نغير ما بأنفسنا. والخطوة الأولى إلى الشفاء معرفة الداء. وأخت الإيمان معنية بالعملية أول من يُعنَون” (تنوير المومنات. ج1. ص28).

وفي ختام هذه الكلمة نجدد الترحاب بالجميع، راجين من المولى عز وجل أن نكون من أهل الصدق ظاهرا وباطنا، وأن يرزقنا التوفيق والسداد.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.