1-      تحذير إلهي ونبوي من الغدر والخيانة:

 تحدث كتاب الله عن نماذج كثيرة من خيانة الأقوام السابقين للعبرة؛ كخيانة أهل الكتاب، وخيانة امرأة العزيز، وخيانة امرأتي نوح ولوط عليهما السلام، وخيانة إخوة يوسف… ثم بين عاقبة هذا السلوك في الدنيا والآخرة على الإنسان الذي كان جاهلا بثقل الأمانة وعقوبتها في الدنيا والآخرة فحملها بعد أن أبت أعظم المخلوقات حملها لخطورتها، قال الله تعالى: إنا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا 1، ولجهله هذا ونسيانه، لم يتركه ربه هملا، بل أمره وذكره بأدائها إلى أهلها بقوله: إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ إِنَّ اللّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ إِنَّ اللّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا 2.

 وفي موضع آخر حذر الله سبحانه الإنسان من الخيانة تحذيرا شديدا، حين قال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَخُونُواْ اللّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُواْ أَمَانَاتِكُمْ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ 3، وبقوله سبحانه: إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ الخَائِنِينَ 4 ولخطورة الخيانة قرنها الله سبحانه بالمنافقين والكافرين، فقال سبحانه: إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُور 5، وقال أيضا: وَلاَ تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنفُسَهُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا 6.

 أما في سنة المصطفى صلى الله عليه وسلم، فورد تحذير شديد لأهل المكر والخديعة والغدر، من ذلك، قوله: صلى الله عليه وسلم: “… ثم يكون بعدهم قوم يشهدون ولا يُستشهدون، ويخونون ولا يُؤتمنون، وينذرون ولا يوفون، ثم يكون فيهم السمن 7. وقوله صلي الله عليه وسلم كذلك: “اضمنوا لي ستا، أضمن لكم الجنة: اصدقوا إذا حدثتم، وأوفوا إذا عاهدتم، وأدوا إذا اؤتمنتم” 8.

 عن أنس بن مالك – رضي الله عنه – قال: “ما خطبنا رسول الله – صلى الله عليه وسلم – إلا قال: “لا إيمان لمن لا أمانة له، ولا دين لمن لا عهد له” 9.

 وعن أبي هريرة- رضي الله عنه- قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “اللهم إني أعوذ بك من الجوع، فإنه بئس الضجيع، وأعوذ بك من الخيانة فإنها بئست البطانة” 10

2-      بعض أقوال السلف في خيانة العهد:

  قال الفضيل بن عياض: “أصل الإيمان عندنا وفرعه وداخله وخارجه بعد الشهادة بالتوحيد وبعد الشهادة للنبي (صلى الله عليه وسلم) بالبلاغ وبعد أداء الفرائض صدق الحديث وحفظ الأمانة وترك الخيانة ووفاء بالعهد وصلة الرحم والنصيحة لجميع المسلمين” 11..

 وذكر أعرابي رجلاً خائناً فقال: “إن الناس يأكلون أماناتهم لقما، وإن فلاناً يحسوها حسواً” 12
    وقال الماوردي: “وأما الاستسرار بالخيانة فضعة لأنه بذل الخيانة مهين، ولقلة الثقة به مستكين. وقد قيل في منثور الحكم: من يخن يهن. وقال خالد الربعي: قرأت في بعض الكتب السالفة أن مما تعجل عقوبة ولا تؤخر الأمانة تخان والإحسان يكفر والرحم تقطع والبغي على الناس. ولو لم يكن من ذم الخيانة إلا ما يجده الخائن في نفسه من المذلة لكفاه زاجرا، ولو تصور عقبى أمانته وجدوى ثقته لعلم أن ذلك من أربح بضائع جاهه وأقوى شفعاء تقدمه مع ما يجده في نفسه من العز ويقابل عليه من الإعظام” 13.

– وقال أيضاً: “والداعي إلى الخيانة شيئان: المهانة وقلة الأمانة، فإذا حسمهما عن نفسه بما وصفت ظهرت مروءته” 14.
– وقال العارف المحاسبي: “ثلاثة عزيزة أو معدومة حسن وجه مع صيانة وحسن خلق مع ديانة وحسن إخاء مع أمانة”  15.

 وقد عدد العلماء أضرارا كثيرة لخيانة العهود والمواثيق على الأفراد والمجتمع، ولعل أهمها: تسخط الله عز وجل على العبد، وأنها طريق موصل إلى العار في الدنيا والنار في الآخرة، وانتشار الغلول والرشوة والمطل والغش. ثم فقدان الثقة بين أفراد المجتمع، وتفكك أواصر المحبة والتعاون بين أفراده 16

 


[1] الأحزاب: 72
[2] النساء: 58
[3] الأنفال: 27
[4] الأنفال: 58
[5] الحج: 38
[6] النساء: 107
[7] رواه البخاري ومسلم، الترغيب والترهيب، الترغيب والترهيب، ج:4، ص: 7
[8] رواه أحمد وابن حبان في صحيحه والحاكم  والبيهقي، الترغيب والترهيب، ج:4، ص: 3
[9] انظر الترغيب والترهيب، المندري، دار الفكر ط: 1988، ج: 4، ص: 5
[10] رواه أبو داود (1547)، والنسائي (8/ 263)، وابن ماجه (3354)، وأبو يعلى (11/ 297) (6412)، وابن حبان (3/ 304)[x]   (1029). والحديث سكت عنه أبو داود، وصحح إسناده النووي في ((تحقيق رياض الصالحين)) (472)، وقال محمد المناوي في ((تخريج أحاديث المصابيح)) (2/ 338): في إسناده محمد بن عجلان وخرج له مسلم ثلاثة عشر حديثاً كلها في الشواهد، وحسنه ابن حجر في ((الفتوحات الربانية)) (3/ 169)، والألباني في ((صحيح سنن ابن ماجه))
[11] تاريخ دمشق، لابن عساكر (48/ 399). انظر موسوعة الأخلاق الإسلامية، إعداد: مجموعة من الباحثين بإشراف الشيخ عَلوي بن عبد القادر السقاف، موقع الدرر السنية على الإنترنت dorar.net، عدد الأجزاء: 3 تم تحميله في/ ربيع الأول 1433 هـ، [الكتاب مرقم آليا]، http://www.shamela.ws
[12] عيون الأخبار، لابن قتيبة الدينوري (1/ 125). http://www.shamela.ws.
[13] أدب الدنيا والدين، الماوردي (ص: 325). http://www.shamela.ws
[14] أدب الدنيا والدين، الماوردي (ص: 326)، http://www.shamela.ws
[15] فيض القدير شرح الجامع الصغير، للمناوي (3/ 404). http://www.shamela.ws
[16] انظر موسوعة الأخلاق الإسلامية، إعداد: مجموعة من الباحثين بإشراف الشيخ عَلوي بن عبد القادر السقاف، موقع الدرر السنية على الإنترنت dorar.net، عدد الأجزاء: 3، تم تحميله في/ ربيع الأول 1433 هـ، [الكتاب مرقم آليا]، ttp://www.shamela.ws..