اعتقال الحرية!

يشكل اعتقال مواطن في الأنظمة الديمقراطية استثناء على هامش قاعدة الحرية، فسلب الحرية يكون عادة لعدة دوافع غائية تروم حماية حقوق الآخرين والحفاظ على أمن المجتمع وسلامة الدولة لتكون صالحة لعيش المواطنين بكرامة وأمن وسلام ورفاهية. وهذا ما يجعل الاعتقال لدوافع فكرية أو سياسية أو عقب ممارسة حق من الحقوق أو حريات من الحريات التي تضمنها شرائع السماء وقوانين الأرض، يصنف ضمن خانة الاعتقال السياسي الخارم للديمقراطية المزعومة. فما بال الاعتقالات التي طالت وتطال عددا من نشطاء بلدنا الحبيب، هل نصنفها ضمن الاعتقال السياسي الذي يفند الادعاء الديمقراطي؟ أم أنها ممارسات عادية في سياق ديمقراطي عتيد؟

السنوات السبع العجاف…

سبع سنوات تمر على حكاية رجل صامد في وجه دولة مستبدة ظالمة، رجل وإن وهن عظمه وذبل جسمه من فرط التعسف والتعذيب الممنهج والحرمان المتواصل من أبسط الحقوق، فما وهنت عزيمته ولا لانت قناته ولا ضعفت إرادته ولا كُسر صموده. إنه المعتقل السياسي عمر محب.

وإن وقفة بسيطة مع حيثيات ملف المعتقل السياسي عمر محب، ولو ممن لا زاد له في القانون، ليتضح له بجلاء أن الرجل زج به في غياهب السجون لا لجرم ارتكبه، أو لشخص آذاه، أو لذنب اقترفه، بل لفكرة آمن بها ولحركة مجتمعية سلمية اقتنع برؤيتها، فشواهد الزمان والمكان والذين عاصروا الأحداث وظرفية الاعتقال كلها تؤكد أن المطلوب ليس عمر محب الشخص البريء من كل ما نسب إليه، بل الفكرة التي في ذهنه أن تحاصر أو تُنسى، والجماعة التي في قلبه أن تُستنزف أو تُستدرج، والحرية التي في وجدانه أن تسلب أو تركع.[1]

الشواهد السبع الدامغة…

إن هذا الاعتقال الظالم لهذا المواطن الحر الكريم، الذي حرم من حضن زوجه وأولاده وذوي رحمه ومحبيه، بل منع حتى من إلقاء نظرة أخيرة على أمه التي توفيت حزنا وكمدا على فلذة كبدها، وإن هذا الصمود الذي قابل به عمر محب هذا الابتلاء العسير، ليجعلنا نقول أن هذا الملف يَرْشح بشواهد نراها سبعا دامغات في عدة أمور:

1- استمرار الاعتقال السياسي بالمغرب دليل دامغ أن لا إرادة سياسية للنظام الحاكم لتنزيل شعاراته المفارقة للأرض المجنحة في سماء الخيال حول الديمقراطية المزعومة أو الانتقال الديمقراطي الذي لم ينتقل بعد ولم يراوح مكانه!

2- توظيف السلطة السياسية لجهاز القضاء لتصفية حسابات سياسية دليل قاطع أن هذه المؤسسة “العتيدة”، وللأسف الشديد، بعيدة كل البعد عن الاستقلالية التي تشكل إحدى ضمانات المحاكمة العدالة وأسا من أسس النظام الديمقراطي.

3- ملف عمر محب دليل آخر يضاف إلى ما سبقه من أدلة باهرة على فشل النظام السياسي في ترويض جماعة العدل والإحسان، وقصور نظره الحالم باستنزافها أو استدراجها إلى خندق ردود الأفعال.

4- قوة موقف محب وجلد صبره رغم كل الآلام التي لحقته في بدنه وحريته وعائلته، يجلي لنا أهمية التربية الإيمانية التي تركز عليها الجماعة في تربية أعضائها وجدواها في صناعة الرجال الأقوياء الأمناء.

5- صمود أهل الرجل وعائلته، دليل على العمق الشعبي الذي تتوفر عليه الجماعة، وتأكيد جديد أنها جزء مهم من هذا الشعب الكريم وليست زبدا يطفو فوق السطح.

6- فشل السجان في كسر صمود عمر، يعني في الأفق الاستراتيجي فشل الاستبداد في إخضاع الحرية، وأن شمس الحرية لا بد وأن تعم، وأن أغلال الاستبداد حتما ستُكسر.

7-  إن تداعي الشرفاء لنصرة المظلوم لهي الأرضية الصلبة لحلف فضول جديد يصنع حرية هذا الشعب.

إخوان عمر!

إن كان عمر محب اعتقل لفكرته السياسية، فإن هناك معتقلين آخرين زج بهم النظام وراء القضبان منهم معتقلو الكلمة الحرة مثل الصحفي حميد المهداوي، ومنهم معتقلو المطالب الاجتماعية مثل نشطاء الريف، ومنهم معتقلو الموقف الجماعي مثل بعض ساكنة دوار أولاد الشيخ بقلعة السراغنة الذين احتجوا على توقيف خطيب مسجدهم السيد سعيد الصديقي، وانضاف لهم مؤخرا معتقلو العطش بزاكورة! وغيرهم كثير…

هيا نحرر عمر وإخوانه.. هيا نحرر الوطن!

إن من الفضائل المهمة التي راكمها فضلاء المغرب فضيلة التداعي لنصرة المظلوم والمعتقل، فقد شُكلت على امتداد الوطن وفي مختلف القضايا لجان دعم ومساندة قانونية وشعبية لكافة من مسهم الضر المخزني، تعسفا أو حيفا أو اعتقالا، وإنها لهي المدخل الصحيح إن أطرت في سياق مجتمعي متكامل لإيقاف تغول الاستبداد وانتزاع حرية هذا الشعب وكرامته في وطنه. فهيا نحرر عمر وإخوانه.. هيا نحرر الوطن!!