إن “اللغة باعتبارها أصواتا يعبر بها كل قوم عن أغراضهم1، تعد من أهم ما يميز الإنسان عن غيره من الكائنات الأخرى، حيث يتميز الكائن البشري عن الحيوانات بالعقل، وفضيلة التأمل، والبحث عن الحقيقة للوصول إلى المعرفة والحكمة، وهذا لا نجده عند باقي الكائنات، والتعبير عن ذلك كله لا يكون إلا باللغة لشموليتها، وهي خاضعة لقواعد وقوانين تضبطها، وذلك حتى لا نقع في اللحن. ومجموع هذه القواعد هي ما اصطلح النحاة على تسميتها بعلم النحو، وقد حظي هذا العلم بعناية واهتمام العلماء قديما وحديثا من مختلف التخصصات، فحاولوا جاهدين الإلمام بموضوعاته، ومن بين العلماء الذين يزخر بجهودهم الميدان اللغوي؛ “أبو بشر” المعروف “بسيبويه” و”أبو سعيد السيرفي” و”ابن هشام الأنصاري” و”ابن الأنباري” وغيرهم من النحاة.

فالنحو العربي يقوّم اللسان من الاعوجاج، ويساعد على قراءة النصوص القرآنية والشعرية قراءة سليمة، تؤدي إلى الفهم الصحيح، وتبعد عن كل أشكال التحريف والتزوير، فقد تناول عدة ظواهر بالدرس والتحليل، ومن أبرز هذه الظواهر نجد الجملة العربية التي حظيت باهتمام معظم النحاة. وأول من تصدى لهذه الظاهرة هو “المبرد” فكانت دراسة الجملة تقتصر على الجملة البسيطة؛ كالجملة الاسمية والفعلية، وظلت مفتقرة إلى الدقة في تقنينها حتى حدود القرن السابع الهجري مع “ابن هشام الأنصاري” الذي أفرد للموضوع جزءا كبيرا من كتابه “مغني اللبيب عن كتب الأعاريب” فقد قسم الجملة إلى اسمية وفعلية وظرفية، وأقصى الشرطية التي قال بها “الزمخشري”، وكان معياره في هذا التقسيم هو صدر الجملة، فالجملة المصدرة بالاسم تكون اسمية أما الجملة الفعلية؛ فهي المصدرة بالفعل. أما الجملة الظرفية فهي المصدرة بظرف.

أولا: الجملة والكلام.
تضاربت الآراء والأفكار حول تحديد مفهوم الجملة، ويعود هذا التضارب إلى اختلاف عصور المعرفين لها ومراحلهم، فنشأ عن ذلك صعوبة في استعمال المفهوم الملائم. فمنهم من ذهب إلى تناول مصطلح “الجملة” ك”المبرد”. ومنهم من استعمل مصطلح “الكلام” ك”الزمخشري”، وقد نجد الجملة مرادفة للكلام في بعض الاستعمالات، وهناك من عبر عن الجملة فقط بالإسناد والعلاقة التركيبية بين الكلمات ك”سيبويه”، وهناك أيضا من أعطى تعريفا دقيقا ومحددا ك”الجرجاني”، وهناك من أدرجه فقط في تحليله وتقعيده. إلا أن أغلب النحاة الذين فطنوا إلى هذا المدلول وضعوه كمصطلح عام تندرج تحته عصبة من المفاهيم والتقسيمات. ونجد “ابن هشام الأنصاري” خصص جزءا كبيرا من كتابه “مغني اللبيب عن كتب الأعاريب” عن الجملة وأقسامها، وكذلك “فخر الدين قباوة” الذي استهل كتابه “إعراب الجمل وأشباه الجمل” بمفهومي “الجملة والكلام” وهذا لماما ما تجده، وإن وجدته تجده في الأغلب عند المحدثين.

قبل الشروع في الحديث عن مفهوم الجملة، لا بد من بيانها في سياقها اللغوي، حتى نربط المعنى اللغوي بالاصطلاحي؛ لأن كل معنى لغوي استعمله العلماء في معنى اصطلاحي تعارفوا واتفقوا عليه. وها نحن الآن سنعرج على بعض المعاجم العربية بغية تحديد معناها اللغوي.

فالجملة عند “ابن فارس” : “الجيم والميم واللام أصلان أحدهما؛ حسن وهو ضد القبح، يقال جمل الرجل جمالا، فهو جميل والمرأة جميلة وجملاء. والأصل الآخر: تجمع وعظم الخلق، يقال أجملت الشيء إذا حصلته وأجمل الشيء؛ جمعه عن تفرقة. والجملة جماعة كل شيء بكماله وقيل لكل جماعة غير منفصلة جملة،  2، أما “الزبيدي” فقد عرف الجملة بأنها جماعة الشيء كأنها اشتقت من جملة الحبل لأنها قوى كثيرة جمعت فأجملت جملة، وقال “الراغب” واعتبر معنى الكثرة فقيل لكل جماعة غير منفصلة جملة، قلت ومنه أخذ النحويون الجملة كمركبات أسندت إحداهما للأخرى. وفي التنزيل وقال الذين كفروا لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة 3. يتضح من هذين النموذجين؛ أن الجملة في اللغة تدل على جماعة الشيء وكماله، ويتجلى ذلك بوضوح في الآية الكريمة، إذ قال الكفار بعد أن أنزل القرآن منجما، لو كان غير ذلك أي جملة. ولو ربطنا هذا بالمعنى الاصطلاح يعني أن جماعة من الألفاظ أو الكلمات تأتلف فيما بينها لتكون بذلك جماعة لفظية، وهو الظاهر عند “الزبيدي” أي جماعة غير منفصلة. ولم يختلفوا حول هذا التعريف، وجئت بهذين المثالين لأنه يمكن أن تستشف العلاقة بين المدلولين في اللغة والاصطلاح بطريقة يسيرة وسهلة.

ويعد “المبرد” أول من استخدم مصطلح الجملة بهذا المعنى إذ قال: “إنما كان الفاعل رفعا لأنه هو والفعل جملة يحسن السكوت عليها وتجب بها الفائدة للمخاطب.” 4.

إذا ما اقتصرنا على هذا الكلام، قلنا إن الجملة كما أوردها المبرد بهذا المعنى، فقد جاءت في كتاب سيبويه بمعنى الكلام مع العلم أن “سيبويه” قد سبق “المبرد”، ألا ترى أنه يقول: “هذا باب الاستقامة من الكلام والإحالة”. فمنه مستقيم حسن، ومحال، ومستقيم كذب، ومستقيم قبيح، وما هو محال كذب. فأما المستقيم الحسن فقولك: أتيتك أمس وسآتيك غدا” 5.

 ونحن نتحدث عن الجملة؛ لا يمكن أن نجزم بأن “المبرد” هو أول من استعمل مفهوم الجملة، لأنه استعمل مصطلحا آخر لمعنى كان سائدا قبله عند النحاة الأوائل، وتطور المصطلح مع المراحل والعصور وكذا اللغويين، فاللفظ هو المحدث وليس المعنى.

إذا كان “المبرد” أول من تناول مصطلح الجملة فإن “ابن السراج” أول من استعمل مصطلح الجملة المفيدة إذ قال: “والجملة المفيدة على ضربين، إما فعل وفاعل، وإما مبتدأ وخبر، أما الجملة التي هي مركبة من فعل وفاعل نحو قولك: “زيد ضربته”، و”عمرو لقيت أخاه”، و”بكر قام أبوه”. وأما الجملة التي هي مركبة من ابتداء وخبر فقولك: “زيد أبوه منطلق”.” 6 من خلال الأمثلة التي أوردها ابن السراج، يظهر أنه يتحدث عن الجملة في باب المبتدأ والخبر، ويتحدث بالخصوص عن  الجملة التي هي خبر للمبتدأ وقد تكون جملة فعلية أو جملة اسمية وهذا تقسيم مبسط للجملة.

أما “الجرجاني” فلم يعط تعريفا محددا ومدققا للجملة، وإن كانت قد وردت في مواضع كثيرة من كتابه “الجمل”، إذ تحدث عنها أثناء حديثه عن المفرد والجملة، فقال : “باب المفرد والجملة”. اعلم أن الواحد من الاسم والفعل والحرف يسمى كلمة فإذا ائتلف منها اثنان فأفادا نحو:” خرج زيد” سمي كلاما وسمي جملة.” 7

شأنه في هذا الأمر شأن “الزجاجي” صاحب “الجمل في النحو” إذ فطن لمفهوم الجملة ولكنه لم يعط تعريفا يخص به الجملة وقد وردت في أبواب شتى نذكر منها قوله في باب الابتداء، حين قال: “واعلم أن الاسم المبتدأ به يخبر عنه بأحد أربعة أشياء: باسم هو هو كقولك: “زيد قائم”، و”الله ربنا”، أو بفعل به من فاعل ومفعول كقولك” زيد خرج أبوه “… أو بظرف كقولك: ” محمد في الدار”، أو بجملة نحو قولك: “زيد أبوه قائم”.” 8 من هذا الكلام نلحظ أن “الزجاجي” تحدث عن أقسام الخبر التي هي أخبار للمبتدآت، والأمر الذي يتضح بشكل واضح هو أن الزجاجي أورد مفهوم الجملة أثناء حديثه عن الخبر؛ الذي هو جملة اسمية أو فعلية للمبتدأ، وهي جملة مركبة كاملة، وهذا ما لم يصرح به في كلامه وهو الظاهر عند “ابن السراج” في كتابه “الأصول”، وهذا يعني أن “الزجاجي” وإن كان قد عرف مفهوم الجملة، ورغم هذه العناية والاهتمام، لم يعط تعريفا يوضحها. ونجده أيضا قد ذكرها في باب الحروف التي تنصب الاسم وترفع الخبر، حيث قال: “واعلم أن كل شيء كان خبرا للمبتدأ، بأنه يكون خبر هذه الحروف من فعل وما اتصل به من فاعل ومفعول ومبتدأ وظرف وجملة.” 9

وذكرها أيضا في باب حتى، حيث قال: “باب حتى في الأسماء”. اعلم أن حتى تدخل على الأسماء، والأفعال، والجمل. فأما عملها في الأفعال، فإن الفعل ينتصب بعدها بإضمار “أن “الخفيفة كقولك: “خرجت حتى أقصد زيدا” ونحن نذكرها في باب إعراب الأفعال. وأما دخولها على الجمل فإنها غير مؤثرة فيها كقولك: “قام القوم حتى زيد قائم”. وذكرها أيضا في “باب حكايات الجمل” إذ قال: “اعلم أن الجمل لا تغيرها العوامل وهي كل كلام عمل بعضه في بعض. وهي تحكى على ألفاظها كقولك “قرأت الحمد لله رب العالمين”، و”تعلمت الحمد لله رب العالمين “وكذلك ما أشبه من المبتدأ والخبر والفعل والفاعل” 10. في هذا الكلام إشارة مباشرة إلى أن الجملة تنقسم إلى قسمين؛ اسمية وفعلية، وأن جملة الحكاية تختلف عن الجملة المؤثر فيها.

رغم هذه المواضع التي ذكر فيها “الزجاجي” مفهوم الجملة إلا أنه لم يعط تعريفا لها، وهذا لا يعني أن كل اللغويين لم يعطوا تعريفا محددا. فها أنت تجد “الشريف الجرجاني” في كتابه “التعريفات” أعطى تعريفا مباشرا ولم يكتف بالأمثلة إذ قال: “والجملة عبارة عن مركب من كلمتين أسندت إحداهما إلى الأخرى سواء أفادت كقولك: “زيد قائم” أو لم يفد كقولك: “إن يكرمني”، فإنه جملة لا تفيد إلا بعد مجيء جوابه. 11

يقسم “الشريف الجرجاني” الجملة من خلال كلامه هذا إلى قسمين: قسم يحدده معيار الإفادة، وقسم مخالف له كما في مثال “إن يكرمني” كما أنك تقول: الجملة جملتان: جملة مفيدة، وجملة غير مفيدة. والجملة غير المفيدة؛ هو الجانب الذي يجعل من الجملة أعم وأشمل وأتم من الكلام، وسيأتي توضيح ذلك فيما يلي.

بالإضافة إلى هذا التعريف نجد “الفاكهي” قد حدد الجملة بطريقة مباشرة إذ قال: “حد الجملة: القول المركب الإسنادي أفاد أو لم يفد، إما من فعل مع فاعله الظاهر أو المضمر ك”قام زيد” و”قم” أو من المبتدأ مع خبره ك”زيد قائم”. 12 وأضاف: “وما نزل منزلة إحداهما أي منزلة الفعل مع فاعله أو المبتدأ مع خبره .فالأول ك”ضرب عمرو” بالبناء المجهول، فإنه مرفوع الفعل ليس فاعلا بل هو نائب عنه، وكذلك “كان زيد قائما”، فإن مرفوع كان شبيه بالفاعل لا فاعل اصطلاحا .” 13 إن الظاهر من كلام “الفاكهي” أن الجملة جملتان، وقد سبق الحديث عن ذلك لأن الظاهر هنا هو الذي في قول “الشريف الجرجاني”.

لقد فطن جمهور النحاة لمفهوم الجملة واختلفت آراؤهم وعللهم في تحديد الجملة وأقسامها، فهناك من تعرض إليها منفصلة وهناك من جاء بها تحت مصطلح الكلام، وهو الظاهر عند “الفراء” في كتابه “معاني القرآن” حيث قال: “وقد وقع الفعل في أول الكلام وهو ما نطلق عليه الآن الجملة الفعلية.” 14 نفس الشيء بالنسبة لـ”أبي علي الفارسي” في كتابه “الإيضاح” إذ تحدث عن الجملة تحت مصطلح الكلام المفيد إذ قال: “باب ما ائتلف من هذا الكلم الثلاث كان كلاما مستقلا، فالاسم يأتلف مع الاسم فيكون كلاما مفيدا كقولنا: “عمرو أخوك”، و”بشر صاحبك”. ويأتلف الفعل مع الاسم فيكون كذلك كقولنا: “كتب عبد الله”، و”سر بكر”، ومن ذلك “زيد في الدار” ويدخل الحرف على كل واحد من الجملتين فيكون كلام كقولنا: “إن عمرا أخوك”، و”ما بشر صاحبك”، و”هل كتب عبد الله”، و”ما سر بكر”، و”لعل زيدا في الدار”.” 15 .

كلام في غاية الوضوح ولا يمكن أن يختلف باحثان حول مراد “أبي علي الفارسي” من كلامه هذا، وهو أن الكلام جاء هنا بمعنى الجملة، والذي يؤكد ذلك توضيحه في الشطر الأخير من كلامه؛ إذ يقول في بداية كلامه؛ إن ائتلاف الاسم مع الاسم والاسم مع الفعل يكونان كلاما، والذي عبر عنه في نهاية كلامه بالجملة حيث قال: “ويدخل الحرف على كل واحد من الجملتين”.

وفي نهاية القرن الرابع الهجري، نجد “ابن جني” قد عرف الجملة تعريفا محددا إذ قال في “اللمع” تحديدا في باب خبر المبتدأ: “أن الخبر على الضربين مفرد وجملة…أما الجملة فهي كل كلام مفيد مستقل بنفسه، وهي على ضربين، جملة مبتدأ وخبر وجملة مركبة من فعل وفاعل.” 16

الإفادة هي المحدد للجملة في تعريف “ابن جني” مع شرط الاستقلالية، ونلحظ أن جل النحاة العرب الذين أفاضوا واستفاضوا في نحو الجملة، يربطونها بمفهوم الاستقلالية أي أن الجملة من خصائصها الاستقلالية، وهو مفهوم غامض في كتاب “ابن هشام الأنصاري” “مغني اللبيب عن كتب الأعاريب” ورغم ذلك يبقى على الباحث أن يستشف المراد منه داخل السياق ويظهر في كلام “ابن جني” أن استقلالية الجملة التي هي خبر المبتدأ لا ينقصها كونها جملة إذا جردت عن المبتدأ.

إذا كانت الجملة هي كل كلام مفيد حسب “ابن جني” فما هو الكلام؟ وما الفرق بينه وبين الجملة.؟

في غير كتاب “اللمع” أعطى “ابن جني” تعريفا مدققا للكلام وذلك في كتابه “الخصائص” إذ قال : “أما الكلام فكل لفظ مستقل بنفسه مفيد لمعناه، وهو الذي يسميه النحويون الجمل نحو:”زيد أخوك”، و”قام محمد”، و”ضرب سعيد”، و”في الدار أبوك”، و”صه”، و”مه”، و”رويد”.” 17 أما النحوي الذي ميز بين الجملة والكلام تمييزا واضحا فهو “ابن هشام الأنصاري” إذ قال في كتابه “مغني اللبيب عن كتب الأعاريب”: “الكلام هو القول المفيد بالقصد، والمراد بالمفيد، ما دل على معنى يحسن السكوت عليه، والجملة عبارة عن الفعل وفاعله ك “قام زيد” والمبتدأ والخبر ك”زيد قائم”، وبهذا يظهر لنا أنهما ليسا بمترادفين كما يتوهمه كثير من الناس، وهو ظاهر قول صاحب المفصل، فإنه بعد أن فرغ من حد الكلام قال: ويسمى جملة، والصواب أنها أعم منه، إذ شرطه الإفادة، بخلافها ولهذا تسمعهم يقولون: جملة الشرط، جملة الجواب، جملة الصلة وكل ذلك ليس مفيدا فليس بكلام .” 18

ثانيا: بناء الجملة عند العرب وتركيبها.
تأليف الجملة وتركيبها في لغة العرب يكون من عنصرين اثنين أساسيين هما:” المسند والمسند إليه”، ولا يمكن للجملة أن تتألف من غيرهما، وهما المبتدأ والخبر، وما أصله مبتدأ وخبر، والفعل مع فاعله ونائبه، ويلحق بالفعل اسم الفعل. وقد وقف النحاة العرب على المسند والمسند إليه منذ وقت مبكر، وذلك مع بروز علم النحو.

وقد عقد لهما “أبو بشر عمرو بن عثمان بن قنبر” المعروف “بسيبويه” بابا فقال: “هذا باب المسند والمسند إليه وهما ما لا يغنى واحد منهما عن الآخر، ولا يجد المتكلم منهم بدا، فمن ذلك الاسم المبتدأ والمبني عليه وهو قولك: “عبد الله أخوك”، و”هذا أخوك”. ومثل ذلك “يذهب عبد الله”، فلابد للفعل من الاسم كما لم يكن للاسم الأول بد من الآخر في الابتداء.” 19

بعد أن انتهى “سيبويه” من حديثه عن المفردات في الباب الأول والثاني، شرع في توضيح المركبات، وحصر ذلك في المسند والمسند إليه، إذ تتألف الجملة منهما ويظهر ذلك في قوله: “ولا يجد المتكلم منه بدا” أي أن الكلام لابد أن يتألف منهما، وقد تكرر ذكرهما في الكتاب مرات عديدة، كما نجد في المسند والمسند إليه أقوالا فهاهو “أبو سعيد السيرفي” يقول: “أما قوله : المسند والمسند إليه ففيه أربعة أوجه أجودها وأرضاها: أن يكون المسند معناه الحديث والخبر  والمسند إليه المحدث عنه، وذلك على وجهين: فاعل وفعل؛ كقولك: “قام زيد”، و”ينطلق عمرو”، واسم وخبر، كقولكّ: “زيد قائم”، و”إن عمرا منطلق”، فالفعل حديث عن الفاعل، والخبر حديث عن الاسم. فالمسند هو  الفعل، وهو خبر الاسم، والمسند إليه هو الفاعل، وهو الاسم المخبر عنه” 20 ثم بعد هذا الكلام أضاف الوجه الثاني فقال: “والوجه الثاني أن يكون التقدير فيه هذا باب المسند إلى الشيء والمسند ذلك الشيء إليه، وحذف من الأول اكتفاء بالثاني، وذلك هو الاسم والخبر والفعل والفاعل وكل واحد منهما محتاج إلى صاحبه.” ثم قال في الوجه الثالث: “أن يكون المسند هو الثاني في الترتيب على كل حال والمسند إليه هو الأول، فإذا كان فعلا وفاعلا فالمسند هو الفاعل والمسند إليه هو الفعل، وإن كان مبتدأ وخبرا فالمسند هو الخبر والمسند إليه هو المبتدأ.” ثم قال عن الوجه الرابع: وهو أن يكون المسند هو الأول على كل حال والمسند إليه الثاني.”

خلاصة القول؛ إن في المسند والمسند إليه أربعة اصطلاحات نلخصها كالآتي:

* الاصطلاح الأول: المسند هو الأول مبتدأ كان أو غيره، فقام في “قام زيد” مسند و”قائم زيد” زيد مسند؛ لأنه الأول مرتبة.

* الاصطلاح الثاني: هو عكس الاصطلاح الأول. وهو أن المسند إليه هو الأول والمسند هو الثاني .

* الاصطلاح الثالث: أن يكون كل واحد منهما مسندا ومسندا إليه؛ لأنه كل واحد منهما أضيف إلى الآخر، وأضيف الآخر إليه.

* الاصطلاح الرابع: وهو الشائع أن المسند هو المخبر عنه والمسند إليه هو الخبر.

لقد قال “جلال الدين السيوطي” في “الهمع”: “والاسم بحسب الوضع يصلح أن يكون مسندا ومسندا إليه والفعل لكونه مسندا لا مسند إليه والحرف لا يصلح لأحدهما.” 21

ويمكن أن نستحضر مفهومين اثنين آخرين في عملية تركيب الجملة، وهما العمدة والفضلة، ك”المفاعيل والحال والتمييز والتوابع”، أما العمدة فهم المبتدأ والخبر والفاعل وجئت بهما لأنه لا يمكن أن يتألف كلام من دون عمدة مذكورة أو مقدرة، في حين أنه يمكن أن يتألف دون فضلة، فتقول: “زيد قائم”، و”جاء محمد”.

وقد أوضح النحاة بصورة كافية رأيهم في تأليف الجملة. جاء في “الهمع”: “الحاصل أن الكلام لا يتأتى إلا من اسمين أو من اسم وفعل، فلا يتأتى من فعلين ولا من حرفين ولا من اسم وحرف ولا فعل وحرف ولا كلمة واحدة، لأن الإفادة إنما تحصل بالإسناد وهو لابد له من طرفين مسند ومسند إليه.” 22 وقال صاحب “المفصل” : “والكلام هو المركب من كلمتين أسندت إحداهما إلى الأخرى، ولا يتأتى إلا في اسمين كقولك: “زيد أخوك”، و”بشر صاحبك”، أو في فعل واسم نحو قولك: “ضرب زيد” و”انطلق بكر”، وتسمى الجملة.” 23وجاء في “شرح الرضي على الكافية” في باب الكلام معناه وكيفية تركيبه: “الكلام ما تضمن كلمتين بالإسناد ولا يتأتى ذلك إلا في اسمين أو في فعلين واسم.” 24 وقال “الحريري” في كتابه “شرح ملحة الإعراب” : “الكلام عما يحسن السكوت عليه، وتتم الفائدة به، ولا يتألف من أقل من كلمتين .” 25

إن أغلب النحاة الذين تحدثوا عن تأليف الجملة وتركيبها أجمعوا على أن الجملة تتألف إما من اسم واسم، أو من اسم وفعل، ولا تتألف من فعل وحرف، أو من فعل وفعل، أو من حرف وحرف، وهناك من جعل استثناء. قال الحريري: “والكلام المفيد ينعقد من اسمين كما مثلناه من قولنا وعمرو متبع وتسمى الجملة المبتدئة به جملة اسمية أو من اسم وفعل كما مثلنا من سعى زيد وسمي جملة فعلية… وأضاف، لا ينعقد الكلام المفيد من فعلين ولا من حرفين ولا من فعل وحرف، ولا من اسم وحرف إلا في النداء.” 26 وقد وافق “أبو علي الفارسي” “الحريري” على هذا الكلام فقد جاء في “الهمع” : “وزعم أبو “علي الفارسي” أن الاسم مع الحرف يكون كلاما في النداء نحو يا زيد وأجيب بأن “يا” سدت مسد الفعل وهو أدعو وأنادي، وزعم بعضهم أن الفعل مع الحرف يكون كلاما في نحو “ما قام” بناء على أن الضمير المستتر لا يعد كلمة .” 27

صحيح أن “أبا علي الفارسي” و”الحريري” قد اتفقا على أن الكلام أو الجملة قد يتألف من حرف واسم إلا أن “جلال الدين السيوطي” قد فند ذلك معتبرا أن حرف النداء سد مسد الفعل. وقال “ابن السراج”: “والحرف لا يأتلف منه مع الحرف كلام ولا من اسم وحرف.” 28

ختاما لهذا المحور نخلص إلى استنتاج مفاده:

* أن الجملة تتألف من ركنين أساسيين هما المسند والمسند إليه، وهما عمدة الكلام ولا تتألف من غير ذلك.

* ما زاد عن المسند والمسند إليه فهو فضلة .

* لا تأتلف جملة من فعل وفعل ولا من حرف مع حرف ولا من حرف مع اسم ولا من حرف مع فعل.

* اختلف النحويون في تحديد المسند والمسند إليه.

* إن لتركيب الجملة شروطا:

         – التركيب.

         – الإسناد.

         – الإفادة مع التمام.

 


[1] أبو الفتح بن جني، الخصائص، 1/33 تحقيق محمد علي النجار
[2] أحمد ابن فارس. معجم مقاييس اللغة، دار الجيل الطبعة الأولى ص 1/.481[/ref] قال الله تعالى: لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة 29سورة الفرقان الآية .32
[3] للزبيدي. معجم تاج العروس 7/.264
[4] المقتضب. المبرد1/.8
[5] سيبويه. الكتاب 1/25
[6] ابن السراج. الأصول في النحو 1/64
[7] الجرجاني. كتاب الجمل ص 40
[8] الزجاج .الجمل في النحو ص46،47
[9] الزجاجي. الجمل في النحو ص54
[10] نفسه ص339
[11] الجرجاني. التعريفات ص80
[12] الفاكهي. شرح الحدود النحوية ص.54
[13] نفسه ص54
[14]  الفراء. معاني القرآن 1 / 10
[15] أبو علي الفارسي. الإيضاح العضدي ص 9
[16] ابن جني. اللمع ص 29/30
[17] ابن جني. الخصائص ص.17
[18] ابن هشام الأنصاري. مغني اللبيب عن كتب الأعاريب ص431
[19] سيبويه، الكتاب. 1/23
[20] أبو سعيد السيرفي شرح كتاب سيبويه.1 / 173
[21] جلال الدين السيوطي همع الهوامع في شرح جمع الجوامع 1 /.11
[22] نفسه 1 / 11
[23] الزمخشري، المفصل في علم النحو. ص 6
[24] الأسترباذي، شرح الرضي على الكافية. 1/31
[25] الحريري، شرح ملحة الإعراب. ص2
[26] نفسه ص3
[27] جلال الدين السيوطي، همع الهوامع في شرح جمع الجوامع. 1 /11
[28] ابن السراج، الأصول في النحو. 1/43