في مجلس جديد من مجالس النصيحة يتحدث الأمين العام لجماعة العدل والإحسان، فضيلة الأستاذ محمد عبادي، عن التأسي برسول الله صلى الله عليه وسلم في بيته، ويسوق لذلك مجموعة من المواقف توضح أوجه وطرائق معاملة النبي لزوجاته، «وقائع كثيرة تظهر ملاطفة النبي لزوجاته وأنسه بهن وحبه إياهن» كما أكد في آخر كلمته.

«تصور أن يأتيك ضيف وتأخذ زوجك القصعة فترميها ماذا سيكون موقفك؟ هل تتحكم في أعصابك؟ هل ترضى بهذا الفعل وتبقى في حالة عادية طبيعية؟» هو أول الأمثلة التي ساقها الأستاذ عبادي، والتي عرض على الحضور تمثلها في زمننا الحاضر، مبرزا أن «هذا مقياس، ميزان، معيار»، معيار لقياس أعمالنا مع أعمال سيد الخلق، الذي يذكر صاحب الكلمة أن رد فعله صلى الله عليه وسلم «كان أن قال “غارت أمكم” وانتهى الأمر».

ثم استرسل متسائلا: «كيف تتلقى الصدمة دون أن يكون لك رد فعل؟»، ليوضح أن «هذه المتابعة الظاهرية التي نتحدث عنها في المعاملات والسلوكيات والأخلاق هي نتيجة للمتابعة الباطنية»، وأنه «ما لم تحصل المتابعة الباطنية لا تثمر هذه المتابعة الظاهرية»، ثم زاد شارحا أنه «على الإنسان أن يتكلفها» في حال عدم قدرته عليها، غير أنه «لابد من العمل على المتابعة الباطنية» كي يحوزها المرء ويتجاوز التكلف إلى التطبع بهذه المتابعة الظاهرية.

ويشرح فضيلة الأستاذ عبادي معنى المتابعة الباطنية قائلا «هي أخلاقه صلى الله عليه وسلم، وعلاقته بالله سبحانه وتعالى عز وجل هي التي أنتجت هذه العلاقة مع خلق الله عز وجل؛ خوفه من الله، رجاؤه، يقينه، صدقه، محبته لله عز وجل، تجليات الله سبحانه وتعالى على رسوله بأسمائه الحسنى، انصبغ رسول الله صلى الله عليه وسلم بمقتضيات هذه الأسماء، وبها تعامل مع خلق الله».

ويكشف الأمين العام لجماعة العدل والإحسان أن السبيل إلى هذه المتابعة الباطنية هي «الصحبة، لا طريق إلى هذه المتابعة إلا بالصحبة وبهذا يمتاز أهل الله تعالى على العلماء؛ العلماء يحرصون على المتابعة الظاهرية؛ كيفية الصلاة والوضوء والصيام والمعاملات و.. وهذا أمر محمود لأن هناك علاقة تبادلية بين الظاهر والباطن فالقلب يؤثر على الجوارح وكذلك الجوارح تؤثر على القلب، ولكن هذه المتابعة الباطنية لا تؤخذ من الكتب بخلاف المتابعة الظاهرية التي تؤخذ من الكتب»، ويسوق لذلك مثال الصلاة موضحا «كيفية أداء الصلاة يمكن أن تأخذها من الكتب، لكن حال النبي في الصلاة، الذي بينه الحديث (رأيتُ رسُول الله -صلَّى الله عليه وسلَّم- يُصلِّي وفي صَدْرِهِ أَزِيزٌ كأزِيزِ المِرْجَلْ) أي القِدْر إذا كان على النَّار وهو يَفُور، لا يمكن الوصول إليه حتى وإن قرأنا الحديث مرات ومرات»، ويؤكد أن «لا سبيل إليها إذا لم تصاحب من تشرب هذه المعاني. وهذه الأحوال الربانية لا يمكن أن تأخذها من الكتب».

وأضاف مستجليا حقيقة الأعمال الباطنية وطريق الاتصاف بها «يتفق الجميع أن المخرج للأمة من الارتكاس الذي تعيشه هو الرجوع إلى الكتاب والسنة، والسنة يعرفها المحدثون بأنها أقواله وأفعاله وتقريراته وصفاته الخلقية، فأما الأقوال والأفعال والتقريرات فتأخذ من الكتب، أما الصفات الخلقية فهي سنن تتشرب من القلوب، لا تنفع فيها القراءة»، مستخلصا أن «لا طريق لاتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا بالصحبة، لأنها الكفيلة بأن تورث هذه الصفات الخلقية».

وأوضح أن «هذه الصحبة هي التي تجعلك ترث أخلاق رسول الله فتثمر سلوكا، ليس فقط مع الأزواج وإنما مع كل خلق الله سبحانه وتعالى عز وجل».

وشدد فضيلة الأستاذ عبادي أن «لا يكون الإنسان ذا وجهين؛ يتعامل خارج المنزل بوجه، كونه مراقب من الناس، فإذا اختلى في بيته تعامل بوجه آخر، المؤمن يتعامل بوجه واحد، ذو الوجهين لا يكون وجيها عند الله عز وجل»، وأضاف «التعامل مع الأولاد والأزواج يجب أن يبقى هو نفس التعامل مع خلق الله أجمعين، وقد كان هذا ديدن رسول الله صلى الله عليه وسلم».

وعاد الأستاذ عبادي ليسوق الأمثلة من مشكاة رسولنا الكريم قائلا «أمنا صفية عندما أرادت أن تركب ناقتها ولم تستطع الوصول.. جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم فخذه منصة كي تطلع فوقها وتستطيع الركوب، من يفعل هذا منا؟».. و“قصة أبي زرع مع أم زرع كما وردت عند البخاري؛ رسول الله يحمل هم الأمة ومع ذلك يجلس مع زوجاته ويلقي السمع.. قصة طويلة ترويها أمنا عائشة ويسمعها النبي فيختم بالقول «كنت لك كأبي زرع لأم زرع»“، منبها لضرورة الجلوس إلى الزوجات والاستماع إليهن.

وختم الأستاذ عبادي كلمته بالتأكيد أن «محور الكلمة هو أن اتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم، والتأسي به في بيته ومع خلق الله جميعا طريقه الصحبة»، مذكرا بحال المرشد العام للجماعة الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله «من أين اكتسب سيدي عبد السلام حسن التعامل مع من عاش معه في بيته من أولاده وأصهاره ووالديه؟ من التخلق بأخلاق رسول الله. وحقيقة صحبته أن يربطنا برسول الله صلى الله عليه وسلم، اقتداء، فهو لا يدعو إلى نفسه بل يدعو إلى الله سبحانه وتعالى عز وجل» مستشهدا بجملة من كتاب الإحسان «قصدي في هذه الصفحات أن أدل على الله»، وأردف الأستاذ عبادي «إذا عاش الإنسان مع الله عز وجل يتخلق بأخلاق الله: الرحيم، الكريم، الحنان، المنان، الجواد.. فيتصف العبد بهذه الصفات، فيصبح منارا للهدى أينما حل ونزل، يؤثر في خلق الله سبحانه وتعالى، ويكسبهم إلى صفه بهذه الأخلاق، فتسري هذه الأخلاق في أمة رسول الله صلى الله عليه وسلم».

ليعيد التأكيد أن هذه الأخلاق «ينبغي أن تبتدئ من البيت؛ في العلاقة الزوجية ومع الأولاد؛ الرحمة، الرفق، اللين، التدرج، الدعاء، الإقبال على الله سبحانه وتعالى لأن القرب منه عز وجل ينعكس إيجابا على المحيط العائلي وأصلحنا له زوجه ووأصلحنا له ذريته لماذا؟ لـإِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا ۖ وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ، هذه قاعدة مطردة، فصلاح الوالدين ينعكس إيجابا على صلاح الأولاد..».

ولم يفت الأستاذ عبادي، في آخر كلمته، الدعاء للحاضرين ولجميع المومنين والمومنات «أن يصلح الله أزواجنا وذرياتنا وأقاربنا وأهالينا، وأن يصلح أمتنا، وأن يجعلنا من أحبابه وأوليائه وأصفيائه».