1-     من روائع وفاء سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم:

أما سيد الخلق أجمعين فقد لقب بالصادق الأمين منذ صغره، لأنه كان محل ثقة وأمانة عند المشركين الذين كانوا يودعونه أماناتهم وأموالهم، وقد وصفه ربه بأجمع وصف وأكمله قائلا: وإنك لعلى خلق عظيم 1.

وقد ضرب صلى الله عليه وسلم أروع الأمثلة في الوفاء بالعهد مع زوجاته والناس أجمعين بما فيهم مشركي قريش، تقول السيدة عائشة رضي الله عنها: “كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا ذكَر خديجة أثنى عليها، فأحسنَ الثناء، قالت: فغِرتُ يومًا، فقلتُ: ما أكثرَ ما تذكرُها، حمراءَ الشِّدق، قد أبدلَك الله عز وجلَّ بها خيرًا منها! قال: “ما أبدلَني الله عز وجلَّ خيرًا منها؛ قد آمنَت بي إذْ كفَر بي الناس، وصدَّقتني إذ كذَّبني الناس، وواسَتني بمالها إذ حرَمني الناس، ورزقني الله عز وجل ولدها إذ حرَمني أولادَ النساء” 2.

وفي رواية أخرى عن عائشة رضي الله عنها قالت: “ما غرت على أحد من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ما غرت على خديجة، وما بي أن أكون أدركتها؛ وما ذاك إلا لكثرة ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإن كان ليذبح الشاة فيتتبع بها صدائق خديجة؛ فيهديها لهنَّ” 3.

فعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أتي بالشيء يقول: “اذهبوا به إلى فلانة؛ فإنها كانت صديقة خديجة، اذهبوا به إلى بيت فلانة؛ فإنها كانت تحب خديجة” 4.

ومن روائع وفائه كذلك، أنه لما قدم صلى الله عليه وسلم المدينة، وبعد أن عقد صلح الحديبية مع كفار قريش، والذي كان من بين بنوده: “قال سهيل وعلى أنه لا يأتيك منا رجل وإن كان على دينك إلا رددته إلينا” 5، فاعترض المسلمون، حينها، بقولهم: “سبحان الله كيف يرد إلى المشركين وقد جاء مسلما؟” 6، فإنه صلى الله عليه وسلم في هذا الموقف الحرج والعصيب وفى بعهده ونفد هذا رغم إجحافه، فكان أن جاءه أبو بصير عتبة بن أسيد وكان ممن حبس بمكة فهاجر إلى المدينة يبغى المقام فيها مع المسلمين، فأرسل أهل مكة في طلبه رجلين من رجالهما يرجعان به، كما يقضى بذلك صلح الحديبية، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم له: “يا أبا بصير إنا قد أعطينا هؤلاء القوم ما قد علمت ولا يصلح لنا في ديننا الغدر، وإن الله جاعل لك ولمن معك  من المستضعفين فرجا ومخرجا فانطلق إلى قومك”، فحزن أبو بصير وقال: يا رسول الله أتردني إلى المشركين ليفتنونني في ديني؟ فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: “يا أبا بصير انطلق فإن الله تعالى سيجعل لك فرجا ومخرجاً” 7.

2-     أبو بكر الصديق نموذج الوفاء

كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كلهم كالنجوم في الليل الحالك، تشربوا من معين صحبة النبي الفياضة “يبتغون إلى ربهم الوسيلة ويستهدونه ويتأسون برسوله صلى الله عليه وسلم الماثل بين ظَهْرانَيهم” 8، ورثوا عنه الورع والخشية والطهارة والولاية، واقرأ إن شئت عن صدقهم وشجاعتهم ويقينهم ووقوفهم مع الحق بالحق، فرضي الله عنهم وعمن يحبهم ويدل على محبتهم ويوقرهم ويدعو إلى توقيرهم 9.

هذا أبو بكر رضي الله عنه الذي سماه ربه صديقا حين قال: وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَٰئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ 10، كان وفيا مخلصا محبا ومتبعا ومصدقا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، “روى الطبري بسنده إلى علي بن أبي طالب أنه قال: الذي جاء بالصدق محمد – صلى الله عليه وسلم – والذي صدق به أبو بكر، وقاله الكلبي وأبو العالية، ومحمله على أن أبا بكر أول من صدق النبي – صلى الله عليه وسلم -“ 11.

لقد خصه ربه بخلة نبيه حين قال: إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَىٰ وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ 12. قيل في الآية: ألا ترى أنه قال: لا تحزن ولم يقل لا تخف؟ لأن حزنه على رسول الله صلى الله عليه وسلم شغله عن خوفه عن نفسه، فما أصدق وفاءه!

وعن أَنَس بْن مَالِكٍ، أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ حَدَّثَهُ، قَالَ: “نَظَرْتُ إِلَى أَقْدَامِ الْمُشْرِكِينَ عَلَى رُءُوسِنَا وَنَحْنُ فِي الْغَارِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَوْ أَنَّ أَحَدَهُمْ نَظَرَ إِلَى قَدَمَيْهِ أَبْصَرَنَا تَحْتَ قَدَمَيْهِ، فَقَالَ يَا أَبَا بَكْرٍ: مَا ظَنُّكَ بِاثْنَيْنِ اللَّهُ ثَالِثُهُمَا” 13.

فمن وفائه وحبه، أنه عند الغار، دخل قبل النبي صلى الله عليه وسلم واستكشف الغار لئلا يصاب الحبيب بمكروه، وفي طريق الهجرة إلى المدينة، كان يمشي حينا أمامه وحينا آخر وراءه، ثم عن يمينه وأخرى عن يساره، حتى فطن له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقال: “يا أبا بكر، ما لك تمشي ساعة بين يدي وساعة خلفي؟ ” فقال: يا رسول الله، أذكر الطلب فأمشي خلفك، ثم أذكر الرصد، فأمشي بين يديك، فقال: ” يا أبا بكر، لو كان شيء أحببت أن يكون بك دوني؟ ” قال: نعم، والذي بعثك بالحق، ما كانت لتكون من ملمة إلا أن تكون بي دونك” 14.

وذكر محمد بن سيرين قال: “ذكر رجال على عهد عمر رضي الله عنه، فكأنهم فضلوا عمر على أبي بكر رضي الله عنهما قال: فبلغ ذلك عمر رضي الله عنه، فقال: والله لليلة من أبي بكر خير من آل عمر” 15.

يذكر عنه رضي الله عنه أنه كان نحيف الجسم، وكان رجلا أسيفا، أي رقيق القلب رحيما، ولم يسبقه أحد من الصحابة إلى فضيلة من الفضائل، ويذكر أنه جمع خصال الخير كلها في يوم واحد: صياما وقياما واتباعا للجنائز وإطعاما للمساكين وعيادة للمرضى، وهو بالإضافة إلى ذلك كان مخموم القلب رقيقا رحيما بكاء. وقد عرف الصحابة فضله ومكانته وزهده وورعه فازدادوا له توقيرا وتكريما.

 


[1] القلم: 4
[2] مسند أحمد بن حنبل، مُسْنَدُ الْعَشَرَةِ الْمُبَشَّرِينَ بِالْجَنَّةِ. رقم الحديث: 24302
[3] رواه الترمذي من حديث عائشة رضي الله عنها، رقم: 4112
[4] رواه البخاري في الأدب المفرد: 232، من حديث أنس رضي الله عنه
[5] صحيح البخاري، باب الشروط في الجهاد، ص 978
[6] صحيح البخاري، باب الشروط في الجهاد، ص 978
[7] صحيح البخاري » كتاب الشروط » باب الشروط في الجهاد والمصالحة مع أهل الحرب وكتابة الشروط
[8] الإحسان 2، ياسين عبد السلام، ص: 374
[9] الشورى والديمقراطية، ياسين عبد السلام، ص: 298. موقع سراج
[10] الزمر: 33
[11] التنوير: 8/25
[12] التوبة: 40
[13] صحيح مسلم، كتاب فضائل الصحابة، باب ‏من فضائل أبي بكرالصديق رضي الله عنه‏، رقم الحديث: 4396
[14] المستدرك على الصحيحين، أبو عبد الله النيسابوري، دار المعرفة، كتاب الهجرة، ص: 539. هذا حديث صحيح الإسناد على شرط الشيخين، لولا إرسال فيه ولم يخرجاه
[15] المستدرك، ص: 539