بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه وسلم تسليما

تمر السنون والأيام والأستاذ عمر محب قابع في زنزانته وراء القضبان، ظلما وعدوانا، يؤدي عقوبة عشر سنوات سجنا على جريمة لم يرتكبها، قضى منها سبع سنوات، بعيدا عن أبنائه وأسرته، لا لذنب اقترفته يداه، وإنما لانتمائه ومواقفه.

تُجسد قضية الأستاذ عمر محب ظلما صارخا، مفضوحا مكشوفا ومعلوما للخصم والصديق، كما تُبرز حقد الحكام وفساد القضاء وأزمة النخب، وهي قضية تزخر بالعجائب والغرائب والخروقات والتناقضات. ومن ذلك على سبيل المثال لا الحصر:

1-     أن الدليل الوحيد الفريد على إدانة السيد عمر شهادة معيبة، فالشاهد فيها خصم سياسي، ومطالب بالحق المدني، ومدان في نفس الملف بسنتين حبسا، مما يستوجب قانونا استبعاد شهادته المليئة بالتناقضات الصارخة؛ مما يجعل صاحبها شاهد زور. ومن بين هذه التناقضات الكثيرة، أنه حدد، في تصريحاته الأولى أمام قاضي التحقيق سنة 1993، الجناة  والفاعل الأصلي، ووصف طريقة القتل، ولم يذكر السيد محب لا من قريب ولا من بعيد، لكن بعد 13 سنة، وبتحديد في سنة 2006، ذكر في شهادته اسم عمر محب، وجعله الفاعل الأصلي، كأن ذاكرته نشطت بعد هذه السنوات بفعل فاعل.

2-     يعلم أطراف النزاع من يسار وإسلاميين، سواء أكانوا طلبة أو قيادات في تلك الحقبة، أن محب بريء، وأنه لم يكن حاضرا في تلك الأحداث، فبالأحرى أن يكون طرفا فيها.

3-      يشهد عشرات الطلبة أن السيد عمر كان مشاركا أثاء الواقعة في فعاليات الملتقى الطلابي الوطني بالدار البيضاء الذي شارك فيه الآلاف من الطلبة، وأنا أحد الشاهدين على ذلك، بصفتي آنذاك كاتبا عاما لفرع الاتحاد الوطني لطلبة المغرب بجامعة الحسن الثاني المنظم لذلك الملتقى الطلابي،  غير أن القضاء استبعد كل شهادات النفي ورفض الأخذ بها، و تمسك فقط بشهادة وحيدة معيبة.

4-     عاش الرجل حرا طليقا لسنوات، يمارس حياته بشكل طبيعي، وأتم دراسته الجامعية بمدينة فاس، مسرح الأحداث، واستقر بها بعد تخرجه، وكان يتردد على مرافق الدولة لتجديد وثائقه الشخصية وإجراء معاملاته التجارية، دون مشاكل تذكر، ليفاجأ باعتقاله سنة 2006، بعد ما يقرب من 14 سنة،  لأنه قَيد مذكرة بحث صادرة مند سنوات، وكأن الرجل كان في حالة فرار وليس له مكان معلوم.

الخلاصة أن هذا الرجل حُكم عليه بعشر سنوات ظلما قضى منها سبع سنوات، لا لجريمة ارتكبها، وإنما بسبب قيام النظام المخزني بتصفية حساباته السياسية مع جماعة العدل والإحسان، من أجل الضغط عليها والتشهير بها. والمخزن بذلك واهم؛ فقد جرب مثل هذا الأسلوب أكثر من مرة فلم يفلح، فرفض الجماعة للعنف موقف مبدئي استراتيجي، خبره الجميع من خلال مرجعيتها الفكرية ومسيرتها العملية طيلة أربع عقود. 

إننا اليوم نقف بكل أسى وحزن لنتوجه إلى الجميع يسارا وإسلاميين، حقوقيين وسياسيين، أفرادا ومؤسسات، من أجل إنصاف السيد عمر محب الإنسان والأب.

إننا لا نتحدث عن طالب شاب، وإنما نتحدث عن رجل تقدم به العمر؛ فهو اليوم في عقده الخامس، يقضي حياته خلف القضبان في ظروف جد سيئة، يزيد من سوئها المعاملة غير اللائقة، والاعتداءات اللفظية والجسدية التي يتعرض لها بين الفينة والأخرى من قبل سجانيه.

ولا نتكلم عن عمر الطالب الفرد، وإنما عن عمر رب أسرة وأب لولدين لا يزالان في مقتبل العمر، يحرمهما السجن من صحبته ورعايته وحنانه وعطفه، كما يحرم الوالد من حضن ولديه ومن ابتسامتهما وملاعبتهما.

وإذا كان ظلم السيد عمر يمتد إلى أبنائه الصغار، فهو يشمل كذلك زوجه التي فرض عليها سجن زوجها تحمل أعباء الأسرة برعاية أطفالها والوفاء لزوج خانته يد الغدر فألقت به في غياهب السجن. سيدة كريمة شامخة تتجاذبها واجبات المهنة ومسؤولية التربية والتعليم لابنين حتى تقر بهما عينا والديهما.

كما أننا لا نتكلم عن رجل في كامل صحته، بل رجل يعاني من أسقام وأمراض مزمنة أوهنت الجسد، وأتعبت النفس، في غياب رعاية طبية داخل السجن، وحرمان من التطبيب خارج السجن. ولولا قوة إيمانه وثباته وصموده وعلو همته وإرادته، لكان وضعه كارثيا وحياته داخل السجن جحيما.

إنني أناشد الجميع للتحرك لإنصاف هذا الرجل ورفع الظلم والحيف عنه، وعن أبنائه وزوجته، وأخص ابتداء:

1-     الفضلاء من عموم مناضلي اليسار، خاصة الحقوقيين والسياسيين والأكاديميين. أناديهم ليتحركوا وينصفوا هذا البريء من منطلق القيم الإنسانية والمروءة والشهامة، ولا يكونوا شركاء للمخزن في ظلمه، ولا تمنعهم الخصومة والاختلاف الفكري والسياسي ألا يعدلوا وألا ينصفوا هذا المظلوم.

مرّ على الحدث أزيد من عقدين، والمستفيد الأكبر منه ومن أمثاله هو الاستبداد والفساد، يسعره ويقتات منه تعميقا للفرقة وإضعافا لخصومه.  

2-     الإخوة الإسلاميين طلبة وقيادات؛ خاصة ممن يوقنون ببراءته. إن المقام يقتضي وجوب الإنصاف لمظلوم مغيب في السجون ظلما وعدوانا، فإن الله سائل الجميع عن هذا الظلم،  فما نحن فاعلون تبرئة للذمة وعذرا عند الله يوم العرض عليه سبحانه وتعالى.

3-     الإخوة في العدل والإحسان، هذا أخوكم يؤدي الضريبة نيابة عنكم، في جريمة لا علاقة له بها، وإنما يوظف اعتقاله للضغط على الجماعة ومحاولة النيل منها. نعم لقد علمتنا العدل والإحسان أنها لا تتخلى عن أبنائها ولا تنساهم ولا تخونهم، فما من باب إلا ولجته على المستوى الحقوقي أو السياسي أو القضائي أو القانوني للنصرة والإنصاف، ومن هذه الأبواب التي لا ينبغي لأبناء العدل والإحسان نسيانها باب الدعاء واللجوء إلى الله سبحانه وتعالى سند المظلومين وناصر المستضعفين.

4-      أما الحاكمون، فنذكرهم بأن الظلم ظلمات يوم القيامة، وأن دعوة المظلوم ليس بينها وبين الله حجاب، وأن الله يمهل ولا يهمل.  فهل من صلح مع الله ومع الذات ومع الشعب، يدشن بإطلاق سراح جميع المعتقلين السياسيين، وفي مقدمتهم السيد عمر محب، وتدشين مسار حقيقي للإنصاف والمصالحة؟ 

وفي الختام أهيب بجميع ذوي المروءات، كل من موقعه ومسؤولياته، للإسهام في إنصاف السيد عمر، حتى نعيده لأطفاله وأهله.  فقد نستسيغ ظلم المخزن وفساد ذمته، لكن لا نستسيغ مشاركة أطراف، لها رسالة ومبادئ، في هذا الظلم أو القبول به بوعي أو بغير وعي، سواء بمشاركتها أو بصمتها، مهما كان الاختلاف.

 إن العنف بكل أشكاله عمل مدان؛ فهو يهدم ولا يبني، ويفرق ولا يجمع. وإن المستفيد الأكبر والوحيد منه هو الاستبداد والفساد. لقد آن الأوان لتجاوز الماضي بكل آلامه، وبناء المستقبل على أساس الحوار والعيش المشترك، والاعتراف المتبادل، بعيدا عن العنف والإقصاء والهيمنة.