دخل سعيد المسجد وصلى ركعتي التحية، واستقبل القبلة جالسا يذكر الله عز وجل منتظرا أذان العشاء، كان سعيد وفيا لقبيلة العالم الأزرق، أينما ولى وجهه تذكر جدار أصدقائه؛  صورهم، تغريداتهم، مشاركاتهم، همومهم وطموحاتهم ومغامراتهم، الحقيقية منها والافتراضية، لكنه هذه المرة، عزم على النسيان المؤقت لأخلائه الافتراضيين، طمعا في ذكر لله مع حضور يفتح الله به عليه جلالا وجمالا: “أنا جليس من ذكرني وحيثما التمسني عبدي وجدني”. 1.

لكنه خاف من عزلته المؤقتة عن حياته الاجتماعية الإلكترونية، وفزع مذعورا متوهما تخلي أصدقائه عنه، وبدأ يدب في كيانه شعور بفقدان خيوط حياته بالناس!

كيف لسعيد البشوش يموت موتة فريدة في نوعها، موتة عن الناس في سبيل مناجاة رب الناس؟

سعيد جرب ذكر الله عز وجل، فاجتمعت همومه واطمأن قلبه ثم اطمأن قلبه، وهو في اقتحام واكتشاف متواصل لمعنى دنياه وآخرته. علمه ذكر الله كيف يلتمس رحمة الله ويتعرض لها، وعلمه ذكر الله النظر بالشفقة والرحمة إلى مخلوقاته، وعلمه ذكر الله أن غفلة الإنسان عن خالقه فقدان لبوصلة وجوده، وموت بطيء لمعناه، ومخالفة شاذة للإجماع الكوني لكل المخلوقات المسبحة بحمد ربها. وفي هجران مؤقت لقبيلة الفايسبوك، وتعرض لرحمات الله في بيت الله، استغرق سعيد يذكر الكلمة الطيبة المطيبة بصوت خافت لا يسمعه أحد غير مذكوره: لا إله إلا الله، لا إله إلا الله، لا إله إلا الله… إلى أن أذن المؤذن: الله أكبر الله أكبر…


[1] حديث قدسي: “أوحى الله تعالى إلى موسى: أتحب أن أسكن معك بيتك فخر لله ساجدا ثم قال: فكيف يا رب تسكن معي في بيتي، فقال: يا موسى أما علمت أني جليس من ذكرني، وحيثما التمسني عبدي وجدني”. ابن شاهين في الترغيب في الذكر عن جابر، ضعيف
طالع أيضا  وظيفة المسجد قبل دولة القرآن وبعدها