1-     قبل البدء:

    بعد كل انتصار يفرح المومنون بنصر الله ويستبشرون بوفائه عهده لهم، ويزداد فرحهم حين يردد الحبيب صلى الله عليه وسلم: “اللَّهُ أَكْبَرُ، الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَ وَعْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ” 1، شكرا منه له على إنجاز وعده، لأن الله تعالى مع المحسنين وكيف لا ينجز وعده لعباده الصالحين؟ وهو الذي أمرهم بقوله: أوفوا بالعقود 2 وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدتُّمْ وَلَا تَنقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا ۚ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ 3 وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسئولا 4، بل وصفهم بالفلاح إن كانوا لأماناتهم وعهدهم راعون 5.  وصدق الله تعالى حين قال: وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ المُؤْمِنِينَ 6.

    الوفاء بالعهد خلق مدحه الناس عبر العصور، وهو أدب رباني حميد، وخلق نبوي كريم، وسلوك إسلامي نبيل، جعله الله صفة لأنبيائه، بل وخلقا من أخلاق أصفيائه.

     إذا انتشر الوفاء بين العباد أقوالا وأعمالا وثباتا على الحق مهما تغيرت الأحوال ونزلت الخطوب، انشرحت الصدور وعم الأمن البلاد، ونزلت السكينة قلوب العباد، وغشيتهم رحمة الرب وقربهم إليه.

2-     تأن عند المفهوم

     الوفاء ضد الغدر، وهو خلق عزيز، وبضاعة نادرة بين الناس، وهو “أخو الصدق والعدل، والغدر كذب بِهِمِا؛ وفيه مع الكذب نقض العهد، والوفاء يختص بالإنسان، فمن فقده فقد انسلخ من الإنسانية كالصدق، وقد جعل الله تعالى العهد من الإيمان، وصيره قواماً لأمور الناس، فالناس مضطرون إلى التعاون، ولا يتم تعاونهم إلا بمراعاة العهد والوفاء، ولولا ذلك لتنافرت القلوب وارتفعت المعايش” 7، ويصدق ذلك قوله تعالى: وما وجدنا لأكثرهم من عهد 8، وقوله سبحانه: أَوَ كُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَّبَذَهُ فَرِيقٌ مِّنْهُم بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ 9، وقد ضرب به المثل في العزة، فقالت العرب: “هو أعز من الوفاء” 10. وقال الشاعر:

وجرّبنا وجرّب أوّلونا**فلا شيء أعزّ من الوفاء

   يقال: وفى بعهده وأوفى إذا أتمه ولم ينقضه. وضمنه: حفظ العهود، وإنفاذ الوعود، والالتزام بالعقود، وأداء الأمانات إلى أهلها، والاعتراف بالجميل لذوي الفضل، وصيانة المودة وحسن العهد، ومنه كذلك: الصدق في الوعد وفي العهد وهو فضيلة نبيلة تزين المومن الصادق، علما أنه لا أحد له القدرة على معالجة الإنسان من جهة صدقه وتفحص سريرته إلا هو، ثم تقديمه البراهين العملية على ذلك، وأهمها في هذا المقام الوفاء بالعهود والعقود والالتزامات وأداء الأمانات إلى أهلها، وتحاشي خصال النفاق التي اذا اجتنبت حُشي القلب إيمانا، وان بقيت تنازع الإيمان والنفاق فكان قلبه متشاكسا حتى يخلص أحدهما ويثبت، وقد ورد ذلك في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: “أربع من كن فيه كان منافقاً خالصاً، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا اؤتمن خان، وإذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر” 11

    ومن جهة أخرى فإن الوعد والعهد يشتركان “بأنَّ كلًّا منهما، إخبار بأمر جزم المخبر بأن يفعله، ويفترقان بأنَّ العهد يزيد على الوعد بالتوثيق الذي يقدمه صاحب العهد، من أيمان مؤكدة، والمواعدة مشاركة في الوعد بين فريقين، والمعاهدة مشاركة في العهد بين فريقين، فيعد كلٌّ من الفريقين المتواعدين صاحبه بما سيفعل، ويعاهد كلٌّ من الفريقين المتعاهدين صاحبه بما سيفعل” 12

3-     الأنبياء أول الأوفياء

     يقول الله عز وجل: وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنكَ وَمِن نُّوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا، لِّيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَن صِدْقِهِمْ وَأَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا أَلِيمًا 13

     أخذ من النبيين ميثاقهم، وخص منهم أولي العزم من الرسل، وهم سادتنا: محمد – صلى الله عليه وسلم – الذي قُدم ذكره “لبيان أفضليته” 14، ولأنه كما قال صلى الله عليه وسلم: “كنت أول النبيين في الخلق وآخرهم في البعث” 15 ونوح ، وإبراهيم ، وموسى ، وعيسى.

    هذا الميثاق بينه الله سبحانه وتعالى بقوله: وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه قال أأقررتم وأخذتم على ذلكم إصري قالوا أقررنا قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين فمن تولى بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون 16. كما بينه في سورة “الشورى”، في قوله تعالى: شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه 17، وأشار صاحب التنوير أن هذه الآية “أوردت في مقام وصف دين الإسلام بالأصالة والاستقامة فكأن الله قال: شرع لكم الدين الأصيل الذي بعث به نوحا في العهد القديم وبعث به محمدا صلى الله عليه وسلم في العهد الحديث، وبعث به من توسط بينهما” 18 وقد أخذ الله هذا الميثاق على جميع الأنبياء “على الوفاء بما حملوا وأن يصدق بعضهم بعضا ويبشر بعضهم ببعض . قال مقاتل: أخذ ميثاقهم على أن يعبدوا الله ويدعوا إلى عبادة الله ويصدق بعضهم بعضا وينصحوا لقومهم” 19، والمقصود من ذلك إخبار الأنبياء والورثة أممهم وأتباعهم، ليُحفظ الميثاق لدى سائر الأجيال 20 إلى يوم الدين.

     وقد ورد في كتاب الله عدة آيات تتحدث عن وفاء الأنبياء وأدائهم للأمانات التي طوقوا بها، بتبليغ أممهم، وشهادة أمة محمد صلى الله عليه وسلم عليهم. يقول سبحانه: وإبراهيم الذي وفى 21أي: “تمم وأكمل ما أمر به. قال الحسن، وسعيد بن جبير، وقتادة: عمل بما أمر به وبلغ رسالات ربه إلى خلقه قال مجاهد: وفى بما فرض عليه. قال الربيع: وفى رؤياه وقام بذبح ابنه. وقال عطاء الخراساني: استكمل الطاعة” 22.

   ومنهم، عليهم السلام، إسماعيل عليه السلام وصفه ربه قائلا إنه كان صادق الوعد وكان رسولا نبيئا 23.

 


[1] مسند أحمد بن حنبل، مسند العشرة المبشرين بالجنة، رقم الحديث: 4101
[2] المائدة: 1
[3] النحل: 91
[4] الإسراء: 34
[5] المومنون: 8
[6] الروم: 47
[7] الراغب الأصبهاني، الذريعة إلى مكارم الشريعة، الباب الثالث، الوفاء والغدر، ط: 1/1980، بيروت لبنان ص: .191
[8] الأعراف: 102
[9] البقرة: 100
[10] الأصبهاني: 191
[11] رواه البخاري ومسلم
[12] الأخلاق الإسلامية، عبد الرحمن الميداني (1/ 501). نقلا عن http://ahmadkelhy.blogspot.com/2012/11/blog-post_1715.html
[13] الأحزاب: 7 ـ 8
[14] التحرير والتنوير، الطاهر بن عاشور، دار سحنون 51/26، المكتبة الإسلامية
[15] انظر تفسير البغوي، الحسين بن مسعود البغوي، دار طيبة، ج: 6. ص: 321
[16] آل عمران: 81 ـ 82
[17] الشورى: 42
[18] التحرير والتنوير، الطاهر بن عاشور، دار سحنون 51/26، المكتبة الإسلامية
[19] انظر تفسير البغوي، الحسين بن مسعود البغوي، دار طيبة، ج: 6. ص: 321
[20] نفسه، 298/3
[21] النجم: 37
[22] البغوي، ج: 7، ص: 415
[23] مريم: 54