يعتبر القرآن الكريم أصل الأصول، والمصدر الأول من مصادر التشريع، ولهذا هو المنبع الأول في استنباط الأحكام والحكم، بالإضافة إلى أنه كتاب هداية ودعوة، فكان لابد أن نسترشد به في مجال الدعوة ونستخلص منه أصولها وحكمها وآدابها.

وقد كانت وصايا لقمان لابنه من بين الآيات التي لها الدلالة على هذه المهمات. ولكن قبل ذلك نقف مع شخصية لقمان وحكمته، وذكر اسمه في القرآن الكريم.

جاء في تفسير القرطبي، حديث ابن عمر الذي قال فيه: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “لم يكن لقمان نبيا، ولكن كان عبدا كثير التفكر حسن اليقين، أحب الله فأحبه، فمن عليه بالحكمة وخيره في أن يجعله خليفة يحكم بالحق، فقال: “إن خيرتني قبلت العافية وتركت البلاء، وإن عزمت علي فسمعا وطاعة، فإنك ستعصمني”” 1.

فمن حكمة لقمان عليه السلام هذه الأصول التي أجراها الله على لسانه وهي على هذا الترتيب:

الأصل الأول: الدعوة بالتي هي أحسن وتحبيب المدعو في المدعو إليه

وهو في قوله تعالى: “يا بني …” والتصغير هنا للتحبيب من أجل تقريب المسافة بين الداعي والمدعو، ومحو الحواجز النفسية، وتطبيق هذا نجده في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل: “يَا مُعَاذُ، وَاللَّهِ إِنِّي لَأُحِبُّكَ، وَاللَّهِ إِنِّي لَأُحِبُّكَ. فَقَالَ لَهُ مُعَاذٌ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ وَأَنَا أُحِبُّكَ. فَقَالَ: أُوصِيكَ يَا مُعَاذ؛ُ لَاتَدَعَنَّ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ تَقُولُ: اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِكَ، وَشُكْرِكَ، وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ” 2.

الأصل الثاني: الدعوة إلى الأصول والمتفق عليه قبل الفروع والمختلف فيه

وهذا في قوله تعالى يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ ۖ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ 3 فدعاه إلى أصل الأصول الذي هو “التوحيد” الذي يمكن أن يكون ما بعده أيسر وأسهل في الإتيان به، ومثل هذا نجده في قوله تعالى قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ 4 فدعاهم إلى المتفق عليه الذي هو توحيد الله عز وجل ولم يذكر المختلف فيه وهو رسالة الرسول صلى الله عليه وسلم، وهذا من بديع التصور السليم للدعوة والتدرج فيها.

طالع أيضا  الدعوة دعاء

الأصل الثالث: الصبر على الأذى واحتساب الأجر عند الله عز وجل

وهذا في قوله تعالى وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَىٰ مَا أَصَابَكَ ۖ إِنَّ ذَٰلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ 5. إن قيام الداعية بمهمة الدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يجعله عرضة للأذى بكل أنواعه وأصنافه، ومن كل الناس، وربما من أقرب الناس إليه، لذلك يجب عليه أن يصبر ويتجلد ويستعين بالله عز وجل في مهمته ودعوته، وسيرة خير خلق الله سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم الدعوية خير دليل على ذلك ونذكر منها على سبيل المثال لا الحصر؛ خروجه إلى الطائف وتعرضه للضرب والإهانة من طرف سفهائها وأطفالها وجهالها.

الأصل الرابع: مخالطة الناس والتواضع لهم

وهذا في قوله تعالى وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا ۖ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ 6 فالمتكبر على الناس المتعالي عليهم ممقوت، ويمثل هذا قوله صلى الله عليه وسلم “المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير من المؤمن الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم” 7. فمخالطة الناس والصبر على أذاهم ومعرفة أحوالهم ومعايشتهم أمر مهم في الدعوة إلى الله عز وجل به تعرف أحوال الناس، وتفقه واقعهم الذي منه تنطلق في دعوتهم وإرشادهم حسب مستوياتهم ومراتبهم، وهذا من الفقه الأساس في الدعوة إلى الله عز وجل.


[1] تفسير القرطبي ج 5.
[2] رواه أحمد وأبو داود.
[3] لقمان: 13.
[4] آل عمران: 64.
[5] لقمان: 17.
[6] لقمان: 18.
[7] رواه الترمذي (2507)، وابن ماجة (4032) من حديث ابن عمر رضي الله عنهم.