في إطار برنامجها التربوي، وتحت إشراف لجنة التربية والنصيحة التابعة للهيئة العامة للتربية والدعوة، عقدت جماعة العدل والإحسان مجالس النصيحة نهاية الأسبوع الماضي، السبت والأحد 9 و10 محرم الحرام 1439 هـ الموافق لــ: 30 شتنبر وفاتح أكتوبر 2017، اختير لها “الوفاء بالعهد” محورا، والوفاء للصحبة والمصحوب والمداومة على الأوراد ثم استفراغ الوسع في حمل أمانة الجماعة هدفين رئيسين.

هدفان تُوسِّل لتحقيقهما من خلال مواد المجلس الأربع، حيث  اختير في مادة “المدارسة” قوله تعالى من سورة الأحزاب وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنكَ وَمِن نُّوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُم ميثَاقًا غَلِيظًا لِـيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَن صِدْقِهِمْ وَأَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا أليماً (الآيتان: 7،8)، وفي مادة “الإحسان” حددت فقرة “رجال” من الجزء الثاني من كتاب الإحسان؛ أما “السيرة” فاختيرت مشاهد من وفاء سيدنا أبي بكر رضي الله عنه في الاتباع والمحبة والدعوة والجهاد، وفي “الموعظة” حدد “الوفاء بالعهد” محورا. مضامين متنوعة لمحور المجلس تبسط من خلال مداخلات مركزة للأطقم التأطيرية تتولى مشاركات الحاضرين إغناءها وإثراءها، تتوج بخلاصات وتوجيهات عملية تربط العلم بالعمل والتعلم بالسلوك.  

إن “الوفاء بالعهد” قيمة مركزية في سلوك الفرد استجابة لأمر تعالى وخطابه الأزلي وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ. (سورة الأعراف: 173،172). وروى الإمام أحمد (2455)، والحاكم (75) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: “أَخَذَ اللهُ الْمِيثَاقَ مِنْ ظَهْرِ آدَمَ، فَأَخْرَجَ مِنْ صُلْبِهِ كُلَّ ذُرِّيَّةٍ ذَرَأَهَا، فَنَثَرَهُمْ بَيْنَ يَدَيْهِ كَالذَّرِّ، ثُمَّ كَلَّمَهُمْ قِبَلًا، قَالَ: أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ؟ قَالُوا: بَلَى، شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ، أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُون. (صححه الحاكم ووافقه الذهبي)؛ الوفاء بالعهد قيمة ومبدأ مفصلي عليه مدار فلاح العبد والأمة، ويمكن تتبعه تربية وتنظيما وزحفا بتعبير “المنهاج النبوي”، فعلى قدر الحظ من هذه القيمة السامقة التزاما وسلوكا ينتظم الأداء الجماعي ليترجم فعلا بانيا ومؤثرا في واقع الأمة يرجى أن يحررها من الاتكالية والسلبية ويخلصها من رواسب الغثائية التي أحالت المسلمين كما بلا معنى.

وعمليا، ينتصب النموذج البكري (نسبة لأبي بكر الصديق) مضيئا للأمة في الوفاء للمشروع الذي آمنه به؛ وفاء ترجم مواقف عملية بذلا وتضحية وإشراكا للأهل نصرة للمشروع وصاحبه مجسدا في شخص رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ مواقف زخرت بها كتب السيرة، بل نزلت قرآنا يتلى إلى يوم الدين يحفز ذوي الهمم المقتحمة لطلب المعالي. يقول تعالى: إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا.

الوفاء مبدأ وسلوك راقيان يترجمان سمو إرادة متحفزة لا تتأثر بالمشوشات ولا تصدها المعارك الهامشية والوهمية عن هدفها وغايتها، والوفاء بعهد الله كل لا يتجزأ بدءاً، وعلى سبيل التوضيح، لا يستقيم الحديث عن الوفاء بالعهد بناء لصرح الأمة مع التراخي في الاستجابة لنداء “حي على الصلاة، حي على الفلاح” والتهاون في التفاعل مع “الصلاة خير من النوم”. قال صلى الله عليه وسلم: “أحب الأعمال إلى الله الذي يدوم عليه صاحبه”. رواه البخاري ومالك عن عائشة رضي الله عنها. وروى مسلم عنها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: “أحب الأعمال إلى الله أدومها ولو قل”. وفي رواية لأبي داود عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم: “اكلفوا من الأعمال ما تطيقون. فإن الله لا يملُّ حتى تملّوا. وإن أحب العمل إلى الله أدومُه ولو قل. وكان إذا عمل عملا أثبته”.

إن المسلمين والحركات الإسلامية تحديدا والهيئات الفاعلة في المجتمع عموما أحوج ما يكونون إلى تمثل قيمة “الوفاء بالعهد” تقديما لعربون الصدق للشعب واستعادة لثقته من أجل انخراط واع وراشد في مشاريع التحرر والانعتاق من نير الاستبداد السالب للإرادة والمبلد للإحساس.

وفي إطار وأخرى تحبونها، تشكل مجالس النصيحة مناسبة للتزاور والتناصح والتحاب في الله في أجواء إيمانية وروحانية عالية غمرت مجالس وافقت ليلة العاشر من محرم الحرام 1439هــ وما يزخر به من دلالات تفتل في بث العزم والإرادة لطلب معالي الأمور تأسيا بذوي العزم من الرسل الذين كانوا عليه السلام نماذج عالية في الوفاء بعهد الله متحدين عقبات تضييق عتاة استبداد زمانهم.

وللتذكير، فمجالس النصيحة تأسست منذ أزيد من ثلاث وعشرين سنة، لا تأخذ الصبغة الإلزامية في الحضور، بل التطوع والرغبة والقابلية والاستعداد صبغتها الأساسية، مادتها الرئيسة ذكر الله والتذاكر فيه، والتفكر في آلائه ونعمه، وهي مجالس صحبة في الله وذكر لله وصدق في طلب وجهه الكريم، فيها تحيا قلوب وتستيقظ همم وتشحذ الإرادات. وهي مجالس تفقه في الدين، وأخوة خالصة يجليها الصفاء، وترقٍّ في الدين إلى أعلى مقامات الإحسان حتى لقاء الله.

وفي مجالس النصيحة تذوب بفضل الله كل الفوارق العمرية والتنظيمية والاجتماعية. تهفو إليه قلوب الشباب والشيوخ، طِلبة الجميع اللهُ، وبغيتهم تزكية أنفس وإعداد قلوب للقاء الله، ورفع عيون أفئدة إلى مقعد الصدق عند مليك مقتدر.