جعل الله عز وجل من كتابه الكريم حبله الممدود بينه وبين أحبابه من المؤمنين دلالة لهم على صراط الله المستقيم وتحذيرا للسالكين طريق الحق عز وجل من عقبات الهوى والنفس ونزغ شياطين الجن والإنس أجمعين.

وجمع الله في هذا الكتاب الكريم ما لم يجتمع في غيره من الكتب السالفة، كيف لا وهو المنزل على خير الأنبياء والمرسلين نبي خير أمة أخرجت للعالمين فكان الهدى والبيان؛ قال تعالى: هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ (آل عمران 138). وكان الشفاء للأدواء الظاهرة والباطنة المطهر للنفوس من رجس الغفلة وهذيان العالم: يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ (يونس 57). وجعله الله عز وجل نورا يخرج  الله به من ظلمات الجهل إلى أنوار الهداية قال ربنا عز وجل: قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ (المائدة 15-16).

والقرآن الكريم مع هذا كله منهاج علم وعمل، ومعراج التزكية والتنقي في الحياة الدنيا، وسلوك في مقامات القرب من الكريم الوهاب، ودرج الترقي يوم لقاء الله عز وجل في درجات المحبوبية؛ جاء في الحديث: “يقال لقارئ القرآن يوم القيامة: اقرأ ورتل وارتق كما كنت ترتل في الدنيا فإن منزلتك عند آخر آية كنت تقرأها”. وبين التنقي والتزكية في الدنيا والعروج والترقي في الآخرة مقام آخر لا يدركه إلا من حفظ وحافظ على ملازمة كتاب الله عز وجل تعهدا ومعاهدة حفظا وتلاوة حتى ينال وسام الأهلية والانتساب لله عز وجل انتساب رفعة وتشريف؛ عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صل الله عليه وسلم: “إن لله أهلين من الناس، قال يا رسول الله من هم؟ قال صل الله عليه وسلم: هم أهل القرآن أهل الله وخاصته”.

والغفلة عن كتاب الله وهجره والصد عنه وعن نورانيته وهدايته هو صد عن طريق السلوك إلى الله عز وجل وتنكب للصراط المستقيم. والهجر أنواع كما فصل ابن القيم رحمه الله في ذلك، منها: هجر الاستماع إليه وهجر العمل به وهجر تحكيمه والتحاكم إليه وهجر تفهمه وتدبره وهجر الاستشفاء به، وكل نوع من هذه الأنواع مؤذن بتشكي رسول الله صل الله عليه وسلم وهو يرى هجر أمته للحبل المتين فيقول: يا رب إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورا.

محور التربية والسلوك ومعراج الترقي في مدارج الإسلام والإيمان والإحسان منوط أساسا بإحكام جند الله من المؤمنين الصادقين علاقتهم بكتاب الله جل وعلا؛ يقول الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله: “وكتاب الله هو الحبل المتين، هو الذكر الحكيم، فتربية جند الله ترتكز على الاستمساك بهذا الحبل، بهذه العروة التي من تمسك بها نجا. ثم بعد النجاء من هذيان العالم يتبطن في القلب حب الله حتى يصير حب القرآن خلقنا ورائدنا” 1

وتبطن كتاب الله عز وجل وتمكنه من شغاف القلوب دليله ديمومة الإقبال عليه حتى يصير وردا ملازما في كل حين، وقد كان لصحابة رسول الله صل الله عليه وسلم في كل حين أوراد وأحزاب من القرآن الكريم لا يتهاونون عنها، وبهذا اللزوم والمداومة والتهمم بكتاب الله عز وجل أدركوا من مقامات القرب والأفضلية ما لم يدركه غيرهم.

ويوصي الإمام المرشد رحمه الله أحبابه بالقرآن خيرا فيقول: “إخواني، نحمد الله تعالى على ما يسر لكم من التفرغ لحفظ كتاب الله، فاعرفوا حق هذه المنة، واصبروا، واجعلوا نصب أعينكم الغاية الإحسانية. أولى درجاتها الطموح للرقي يوم يقال لأهل القرآن يوم القيامة “اقرأ وارق”، وغايتها النظر إلى وجهه الكريم ونيل رضاه، وبلوغ ما نحب لكل منا من مقامات الكمال” 2


[1] عبد السلام ياسين، “المنهاج النبوي – تربية وتنظيما وزحفا”، ص: 151.
[2] من رسالة للإمام عبد السلام ياسين رحمه الله مؤرخة في 29 محرم 1419ه/ 26 ماي 1998م.