مدخل:

رب قائل يقول: لقد سبق السيف العذَل، وطوي الحكم وانفصل فلم تثيرون براءة السيد عمر محب وهو يقضي عقوبته السجنية بعدما حكم القضاء بإدانته معلنا عن إغلاق الملف؟

 ونقول: لعل الأمل لا يزال قائما في أن يتأسى القضاء المغربي بما قررته الحكمة القانونية والقضائية المقارنة في الدول التي لا تغيب عنها شمس العدالة وحقوق الإنسان، من حيث تدارك أخطاء الإدانة وإعادة المحاكمة وفتح باب المراجعة.

فأرشيف القضاء الفرنسي والأمريكي  يمثل  علامات فارقة  في هذا الصدد، حيث إنه بعد إدانة أبرياء وسجنهم  لسنين عديدة إلى أن تكتشف براءتهم، وتعاد محاكمتهم، وما قضية عمر الرداد  بالأنموذج الوحيد في الباب.

 عوار يهدد منظومة الإثبات:

فمن بين الإشكالات القانونية  التي أعادت  طرحها  قضية السيد عمر محب، والتي ما زالت تشغل  الفقه القانوني والعمل  القضائي  على حد سواء، وتضاعف  توجسات  الضمير الحقوقي  وتخوفاته على مستقبل المحاكمة العادلة وتوفر ضماناتها، معضلة استخلاص الدليل وسلامة إجراءات البحث والتحقيق الجنائي  فيما تعلق باصطلاح القانونيين  “شهادة متهم على متهم”.

فقد شكلت سياقات الاعتقال واعتماد وسائل إثبات مشكوك فيها ومسودات الضبط والتحقيق  القضائي المنجزة   مؤشرات واضحة نحو محاكمة سياسية  متدثرة بلبوس قانوني، فلا صوت يعلو على صوت عراب صك الاتهام، الشاهد  الوحيد، المدعو الخمار الحديوي، أصل الحكاية وفصلها، إذ اجتمع فيه ما تفرق في غيره، فهو المشتكي ذو الخصومة، والمتهم في  نفس النازلة المدان بالعقوبة.

  لقد وسم السيد قاضي التحقيق في قرار الإحالة بتاريخ 26/3/2007 شهادته بالتفصيل والبيان والدقة من البداية إلى النهاية، وتناسى واجب الحياد والتحفظ والموضوعية المستمدة من قواعد العدل والإنصاف.

فتضمنت بعض فقراته في معرض تقرير المتابعة من أجل القتل العمد ما يلي: “وحيث إن المتهم وإن أنكر  أمام الضابطة القضائية أن يكون قد ساهم في الاعتداء الذي كان ضحيته الهالك محمد ايت الجيد وتمسك بإنكاره في مرحلة التحقيق، إلا أن إنكاره هذا، تكذبه تصريحات الحديوي الخمار المستمع إليه كشاهد والتي جاءت بشكل مفصل وبينت الوقائع بدقة من بدايتها  إلى نهايتها وأكد فيها أن المتهم كان من بين المجموعة التي اعتدت عليه وعلى مرافقه…”.

  وتأسيسا على ذلك سار قرار محكمة النقض في نفس الاتجاه، ففي إحدى حيثيات القرار الصادر بتاريخ 30/11/2011 في  الملف عدد 11049/6/5/2009 القاضي برفض طلب السيد محب جاء ما يلي:  “فالمحكمة مصدرة القرار  محل الطعن لما أدانت العارض من أجل المساهمة في القتل العمد واستندت بالأساس على شهادة  المدعو الخمار الحديوي الذي مثل أمام هيئة  محكمة الإحالة وشهد بعد يمينه القانونية… واتخذت من هذه الشهادة دليل اقتناعها  بوقوع الفعل الجرمي وارتكابه من طرف العارض تكون قد استعملت  سلطتها في تقدير ما عرض عليها من حجج الإثبات  واعتمدت دليلا قانونيا صحيحا..”.

 مما يتبين معه  القول بأن محكمة النقض  تبنت علل اقتناع المحكمة  بإدانة عمر محب استنادا على تصريحات  السيد الخمار الحديوي عندما كان متهما بتاريخ 4/4/1994،وعندما أصبح شاهدا بتاريخ 6/3/2007.

وهنا  يحق لنا التساؤل:

هل يحق لقضاء النقض أن يعتبر شهادة متهم ضد متهم “دليلا قانونيا صحيحا”؟

 والأهم من ذلك، هو إلى أي حد تجيز النصوص الزجرية والقواعد القضائية “إدانة متهم بشهادة يتيمة لمتهم مدان”؟

إن من القواعد الجنائية الراسخة أنه لا يمكن إدانة أي كان، إلا بدليل وبرهان، بحجة مولدة لليقين، منزهة عن التخمين، بقرينة موصولة بصميم الاعتقاد، موسومة بالصواب، بإثبات خال من الإجمال، سالم من الاحتمال.

ولئن كان القاضي الجنائي حرا في تكوين اقتناعه بثبوت الأفعال أو نفيها من سائر وسائل الإثبات، بالنظر إلى السلطة الواسعة  التي منحه إياه المشرع في توزين قيمة كل دليل  اطمأنت إليه عقيدته وقناعته فإن ذلك مشروط بتعليل وجه اقتناعه وتبيان سلامة استخلاصه للدليل السائغ نحو الحكم.

فما حقيقة الوصف القضائي بكون شهادة الخمار الحديوي في قضية عمر محب “دليلا قانونيا صحيحا”؟

سلطة التقدير أمام سلطان الوقائع:

على ضوء المعطيات  الكاشفة والمستمدة من وثائق القضية  نوضح الآتي بيانه:

 هي شهادة متهم:

 وهو ضالع في زمن الأحداث التي وقعت بتاريخ 25 فبراير1993 فقد حضر مسرح الواقعة الإجرامية وفر من مستشفى الغساني الذي كان يعالج فيه ولم يلق عليه القبض، إلا بتاريخ 26/10/1993 حيث تم توجيه الاتهام إليه بالمشاركة في الاصطدامات التي أودت بحياة الهالك محمد ايت الجيد.

هي شهادة  مشتك:

وهدا ما اتضح جليا بفعل الخصومة السياسية  والدوافع الإيديولوجية  والعداوة  المستحكمة التي عبر عنها الشاهد المشتكي إبان  تقدمه بشكاية أمام الوكيل العام للملك  بفاس بتاريخ 20/9/1993 ضد المجموعة التي اعتدت عليه، ومن ضمنها عمر محب.

 هي شهادة مدان محكوم عليه:

حيث إنه بتاريخ 4 أبريل 1994 أدانت غرفة الجنايات الاستئنافية  بفاس الشاهد الخمار الحديوي بسنتين حبسا نافدة من أجل المشاركة في جناية الضرب والجرح المفضي إلى موت  السيد محمد أيت الجيد في الملف 229/93 و8/94 .

  هي شهادة  اضطراب وتناقض:

عكستها  تصريحاته في جميع مراحل البحث والتحقيق والمحاكمة  حول سياقات الأحداث  وأسماء وعدد الجناة ووسيلة الاعتداء  على اختلاف السنوات، ما بين محاكمات 1994 و2006 حيث كان ارتباك واضطراب الشاهد، العنوان الأبرز في المرحلة، وعلى سبيل المثال لا الحصر، عندما استمع إلى الشاهد المتهم من قبل الشرطة القضائية  بعد إلقاء القبض عليه في 27 أكتوبر 1993  حيث  لم يذكر اسم عمر محب  ضمن المجموعة التي  اعتدت على الهالك.

  أيضا عندما استمع إليه  ابتدائيا  من قبل قاضي التحقيق  في 28 أكتوبر 1993   حيث صرح أن مجموعة من الطلبة الملتحين هي التي اعتدت على الضحية، وبمحضر الاستنطاق التفصيلي ذكر  شخصين (الكادي توفيق ولعجيل عبد الكبير) هما من حملا حجارة  وألقاها على الضحية  ولم يأت على ذكر عمر محب.

 وفي معرض أخر أثناء محاكمته أمام غرفة الجنايات بتاريخ 4/4/1994 إذ كرر ما صرح به سابقا ولم يشر إلى عمر محب من قريب أو بعيد.

 وفي شكايته أمام الوكيل العام للملك  بفاس بتاريخ 20/9/1993 ضمنها إشارة واحدة مفادها أن عمر محب عرضه لاعتداء بواسطة سكين في رأسه وجانبه الأيمن.

لتتوج تصريحاته بعد ثلاثة عشرة سنة في 15 أكتوبر 2006:

 بذكره لأول مرة عمر محب ضمن مجموعة الثلاثة التي استهدفت  الهالك أيت الجيد.

 وبتناقضات شهاداته أمام جهات التحقيق والمحاكمة  ابتدائيا واستئنافيا حول أسماء الجناة في نظره، حيث تردد وارتبك في تحديدهم ،فتارة  يختار “لعجيل عبد الكبير”، ومرة يذكر مكانه “قسيم عبد الكبير” وأخرى يعوضه بذكر “كرويل عبد الواحد” ليعود ويذكر “قسيم عبد الكبير” دون الأسماء الآخرين، ليصرح  أمام غرفة الجنايات الاستئنافية  أن الجناة هما عمر محب وتوفيق الكادي قبل أن يتراجع  ويضيف إليهم “كرويل عبد الواحد”.

  وفي هذا السياق أذكر  جيدا أنه وأمام هذا العبث غير المستساغ “انتفضت” هيئة دفاع السيد عمر محب ملتمسة إعمال القانون تطبيقا للمادة 340 من المسطرة الجنائية بإفراد محضر  خاص للشاهد يضمن فيه ما ورد من زيادة وتبديل واختلاف في تصريحاته  في سائر مراحل البحث والمحاكمة، إلا أن  الطلب ووجه برفض غير معلل لا يستقيم والقانون وضمانات المحاكمة العادلة.

  رهان “طبقا للقانون”:

إن هذه المعطيات الجوهرية تكشف  بلا شك سوءات هذا “الدليل القانوني الصحيح” التي جسدتها شهادة متهم ،خصم وحكم والتي تهدم في عمقها القواعد القانونية المعتبرة في الشهادة كدليل  موثوق فيه، حيث  اجتهد القضاء المغربي والمقارن  في استجلاء العلل التي تكتنف شهادة متم على خصمه وهي كالآتي:

  صفتها كدليل شك وارتياب:

هي دليل ذاتي نفسي كاشف عن المشهود بأدوات الحس، يصعب معه في كثير من الأحوال براءته من الدوافع الشخصية وسلامته من الخلفيات  المؤسسة له،  لاسيما أنه ظل الوحيد المؤسس للإدانة، فتحقق تسرب الشك إلى  عقيدة إصدار الأحكام الجنائية لازم وهوما  يهدم واليقين  التام  الذي تبنى عليه الأحكام حيث لا تردد فيه ولا تململ، ويجعل العقل القضائي يحذر ويحتاط.

 انتفاء حجية شهادة المتهم المجردة:

هل يطمئن  وجدان القاضي الزجري  وقناعته الشخصية لشهادة متهم مجردة وخالية مما يؤكدها ويدعم اتجاهها نحو الإدانة.

فإذا كانت نصوص المسطرة الجنائية  أخضعت  الاعتراف  التلقائي والمجرد للمتهم، للسلطة التقديرية للمحكمة  فتأخذه أو تطرحه تطبيقا للمادة 293، فما بالنا نعصف  بهذه المبادئ   عندما يتعلق الأمر بتصريحات الشاهد المتهم،  بل والمدان في نفس القضية ودون ما يعزز ذلك من قرائن أخرى أو حجج  تسعف في  الإثبات، ونسبة الفعل المرتكب للسيد عمر محب  لا سيما وسياقات ارتكاب الجريمة مشهودة من طرف آخرين، فالقانون المقارن تحدث عن إصرار في الهيئة لا يصح اعتماد ولا يحل القاضي عن البحث عن قرائن أخرى وبراهين معززة لذلك أو نافية له.

 فإذا كان الاعتراف المجرد، بما  هو إقرار على النفس، والشهادة  المجردة بما هي  تقرير صادر عن  الغير كاشف لواقعة  ما، لا يصحا كدليل واحد مؤسس للإدانة في غياب  أدلة أخرى، فمن باب أولى ألا يكون لشهادة متهم على متهم  معتبر في هذا النطاق، لاسيما في غياب نص قانوني مؤطر أو تعزيز بحجج أخرى.

 حيث يكاد الاجتهاد المقارن مستقرا في هذا الباب على عدم جواز تأسيس الإدانة وإثبات الاتهام اعتمادا على شهادة متهم على متهم.

ففي قرار لمحكمة النقض المصرية الطعن عدد: 3206 بتاريخ 25/3/2001  جاء فيه:  “الشهادة تعد أهم الأدلة إثباتا في المجال الجنائي  والتأديبي ويجب أن تكون الشهادة سليمة ومنزهة عن كل ما يقدح أو يشكك في صحتها، أو يمنع من قبولها وأن تكون صادرة من شخص ليس له مصلحة من ورائها أو هوى أو بقصد الانتقام أو التشفي أو التحامل على المتهم مما ينفي معه توافر العدالة في هذه الشهادة، ولذا لا  تقبل شهادة الخصم على خصمه أو متهم على  أخر كدليل على ثبوت  الاتهام، دون أدلة أخرى تؤكده”. (من كتاب الكشكول الجديد للمستشار شلبي عصام).

وفي قرار أخر لمحكمة التعقيب التونسية بتاريخ 2/7/2003 ورد فيه: “حيث إن الشهادة لم تكن متواترة ومتحدة في مضمونها  وحيث إن شهادة متهم على أخر ولئن كانت من وسائل الإثبات، إلا أنها تحتاج إلى وسائل إثبات أخرى ،وقرائن تدعمها، خلافا لما كانت عليه الشهادة في قضية الحال  التي كانت فاقدة لكل تأييد من وسائل إثبات أخرى”.

وفي نفس الاتجاه  أكدت محكمة التمييز اللبنانية: “إن الأحكام يجب أن تبنى على الدليل القاطع الذي يطمئن إليه وجدان المحكمة، وبما أن أقوال رفيقي المتهم ليست إلا من قبيل عطف الجرم الذي لم يعزز بدليل أخر وبالتالي تشكل شبهة فقط ولا تصلح للحكم”.

فكيف إذن إن خالفت شهادة المتهم المجردة شهود النفي، كشهادة  السيد أحمد موهيب  سائق الطاكسي، الذي نقل الهالك ورفيقه الشاهد وحضر مسرح الأحداث، وكذا  شهادات خمسة من الطلبة  الذين أكدوا حضور عمر محب لفعاليات الملتقى الطلابي  الوطني بالدار البيضاء إبان  وقوع الأحداث بفاس؟

 اعتمادها، خرق لمبدأ تعاضد الأدلة:

 الأخذ بشهادة متهم على متهم واعتمادها دليلا قانونيا صحيحا  مؤسسا للإدانة ولوحدها كفيل بإنتاج فوضى قضائية، ترهن مصير أبرياء بيد الشاهد المتهم.

فالناظر في المادة الزجرية  سيجد  أن عديد النصوص المسطرية “المادة 287” تحدد حجية  وشرعية المقرر القضائي باستناده  على  “حجج” وبصيغة الجمع “التي نوقشت شفاهيا وحضوريا”  والتي تؤشر  على ضرورة  احترام مبدأ تساند الأدلة والجمع بينها بما يكفل حضور القوة الثبوتية واليقينية  المؤسسة للحكم.

وفي هذا المضمار أفرز العقل القضائي المغربي اجتهادات نوعية في المجال،  ففي قرار صادر بتاريخ  13/9/2004   في الملف 988/04/01 عدد1087 جاء فيه: “لا يوجد نص من حيث المبدأ القانوني يقضي بمنع الاعتماد على تصريحات متهم في إدانة متهم أخر إلا أنه من حيث التكييف القانوني فإن هذا التصريح لا يرقى إلى مرتبة الشهادة مع استحضار المفهوم  القانوني  والشرعي للشهادة، بل تبقى تصريحات  تحتاج إلى ما يعضدها تحقيقا للمبدأ المعروف في الفقه الجنائي، وهو مبدأ تساند الأدلة وتعاضدها، هذا التعاضد الذي يقتضي وجود أدلة متعددة يحصل بينها توافق حتى تكمل بعضها البعض وأن تكون خالية من اللبس”.

 هدمها قرينة البراءة:

الأخذ بمدلول  قرينة البراءة المكرسة دستوريا، هو حمايتها للحقوق والحريات من الافتئات على الأبرياء بقناعة مسبقة، وإدانة قبلية .

 فهي خط الدفاع الأول الذي يوجب على سلطة الاتهام تقديم وسائل الإثبات وفق الشرعية القانونية المؤدية بشكل منطقي وقوي إلى نسبة الفعل المرتكب وترتيب حكم الإدانة.

 وفي غياب ذلك   تظل هذه القرينة السامية  عنوان القواعد القانونية المؤسسة على مبادئ العدالة والإنصاف  تحاجج عن صاحبها، فلا يتأتى للقاضي الزجري أن  يقبل  هدمها  بمجرد  وسيلة ضعيفة غير متماسكة  مفتقرة لما يعززها كتصريح متهم على متهم، محمول على انتفاء الحياد وشامل لأنواع المطاعن والتجريح .

ولا يحق للمحكمة الزجرية أن تغض الطرف عن هيمنة الشك وتسربه إلى شهادة المتهم  فتخالف المبادئ الكلية المرجحة للبراءة على الإدانة، فتحقق الشك في طبيعة هذه الشهادة لازم ،وتطبيق الأصل ملزم  وهو البراءة،  تطبيقا لقاعدة “الشك يفسر لصالح المتهم”.

 ولما كانت قضية محب خالية من  الأدلة والبراهين المجتمعة أو حتى المتفرقة على نسبة الواقعة الجرمية إليه،  فإن استخلاص دليل الإدانة بناء على تصريحات الخصم المتهم والمدان، ووسم شهادته بالدليل القانوني الصحيح  الدقيق والمفصل رغم المطاعن والسوءات  يجعل شمس القضاء العادل المستقل تغيب إلى  إشعار آخر.

وصدق الله الحكم العدل: ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآَيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ (سورة يوسف 35).