– لا شيء يعظ السادر في غفلات يومه وغده، وهموم بؤسه أو رغده مثلُ ذكر هاذم اللذات : الموت وذكراه، والحياة العجيبة وتصرم الأعمار. لا تفصُّح الواعظ المغرد على أعواده، ينظم الكلام، ويصف ما الناس عن الاهتمام به نيام. لا سيما تحت الحكم العاض ووسائل إعلامه المنصوبة لاقتناص الاهتمام واختلاس عمر الأنام. تُدغم حصة الواعظ المتفصح بين حصتين من مسلسل هازل وأغنية ماجنة.

– لا سيما إن كان الواعظ المغرد خليا من هم الآخرة، شجيا بطموحات دنيوية إليها يتشوف، وفيا لطاحون الإعلام مداح الملوك والرؤساء والأمراء إليهم يتزلف، ومن بطشهم لا من الله يتخوف.

– المطلوب لغد الإسلام عالم واعظ معلم مرب خاشع لله، منيب إلى الله، خبير بما تجيش به نفوس عباد الله، وبما هو حشو أدمغتهم، أمين على وحي الله، رفيق ليربي صبره وتؤدته الفارين من ديار الغفلة إلى الله، حكيم في خطابه، رباني تصيب أنات قلبه أسماع الفطرة قبل أن تقرع كلماته آذان الحاضرين الغائبين.

– يعظ بالموت، وهو الواعظ الأكبر. مصيبة كبرى طرقت، وكلمة من صادق قد عبر بقلبه من آلام الدنيا وآمالها، فهو في الآخرة يقينه، وإلى الله الذي يحيي ويميت حركة سعيه وسكونه. يعظ الموت والرزية، وتعظ الكلمة الصادقة من قلب خاشع. لا تعظ الكلمات المنمقات، ولا سرد الآيات المحكمات والأحاديث بإسنادها ورواتها، تمر فصيحة من فوق الرؤوس لا تسلك إلى القلوب، ولا تفتح بابا للتوبة من الذنوب. لا سيما إن كان الواعظ موظفا مأجورا، حسابه مع الساعة: كم حصل من حصص، وكم في النفقة من خصاص وغُصَص.

تابع تتمة كلام الإمام عبد السلام ياسين من كتاب الرسالة العلمية على موقع سراج.