–         دلالة الحدث ورمزيته:

يشكل حدث الهجرة علامة فارقة بين مرحلتين أساسيتين في تاريخ الدعوة الإسلامية؛ غدا رمزا للطاعة والامتثال والأمانة والتضحية والفداء، إذ حددت الهجرة الفرق بين نمطين متناقضين عقيدة وشريعة واقتصادا وأخلاقا وسلوكا، وميزت بين الكفار وبين المسلمين، وآذنت بانتهاء عهد الشرك والظلم والعبودية لغير الله، وبشرت بعهد الحرية والكرامة والمساواة والتعاون والتضامن.

لقد نقلت الهجرة العالم من ظلم الإنسان إلى عدل الله، ومن سلطة الهوى إلى رحمة الإسلام، ومن تسيب الاعتقاد إلى الالتزام في أجلّ معانيه وأصفاها، ردّ رقيُّها الإنسان إلى فطرته السليمة التي فطر الله الناس عليها، وأعادت الاعتبار إلى الإنسانية في مواجهة الجاهلية التي جعلت بين الناس حدودا وفواصل على أساس الجنس والعرق والمكانة الاجتماعية، فكان لها الأثر الكبير في العالمين.

ومن رحمة الله سبحانه بعباده أنه أذن لرسوله صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين بالهجرة، للقطيعة مع الظلم وأهله، وللتأكيد على وجوب تأمين الفضاء الملائم للتعبد لله وتنفيذ أوامره واجتناب نواهيه بعيدا عن أي تدخل معادٍ يكون وصيا على الدين. ولهذا متى استطاع المسلمون في أي زمان وفي أية بقعة تحقيق هذه الغاية أي العبودية لله كانوا ملزمين بطلبها، وواجبهم العمل على ذلك بكل الوسائل والطرق غير العنيفة، لما يمثله هذا الحدث العظيم من سلمية قل نظيرها.

–         معان سنية من الهجرة النبوية:

لحدث الهجرة معان سنية، تنير للدعاة والمجتهدين والقائمين طريقهم، وترسم لكل ساع لإدراك الحرية والكرامة والعدل والحق مساره النير، ومنها الطاعة والأمانة والتضحية والصحبة، والتسليم بقضاء الله تعالى، ورعايته القريبة لعباده الصادقين.

1 – الطاعة:

كان حدث الهجرة اختبارا قويا لواجب الطاعة، إذ أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين بالهجرة فنفذوا طائعين ملبين، ومرتاحين مبتهجين. وإن للطاعة أثرها الكبير في أفعال الناس ونفوسهم، في حركاتهم ونجاحاتهم، وأمجادهم وانتصاراتهم. والطاعة رمز للخضوع لله والتسليم باختياره المصيب في حق المسلم ذكرا أو أنثى، سيد أو عبد، رئيس أو مرؤوس، ونزول عند الأمر الصادر عن الحق سبحانه. ومن ناحية أخرى أدخل أمر الله المسلمين بالهجرة السرور على نفوسهم لأنه خلصهم من ظلم المشركين، وطغيان المستبدين، واستكبار الطغاة المتجبرين، على الرغم من صعوبة فراق الأرض وترك المال والمألوف من العيش.

ولا تكون الطاعة إلا لله ولرسوله ولأولي الأمر من المسلمين، طاعة شرعية في الله ولله، أي وفق ضوابط الشرع الملزمة أحكامه كل المسلمين، قال تعالى: يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله ورسوله وأولي الأمر منكم. 1 يقول الإمام المجدد عبد السلام ياسين – رحمه الله – : “أولوا الأمر منا من رضينا دينهم وأمانتهم وقوتهم على الجهاد، ثم اخترناهم على ملأ من الأمة. فعند ذاك تكون طاعتهم في غير معصية لأمر الله وسنة رسوله مشتقة من طاعة الله ورسوله.” 2.

2 – الأمانة:

 في خضم معاداة المشركين لرسول الله صلى الله عليه وسلم وللمسلمين، وبعد أن أمره الله بالهجرة، لم يمنعه ذلك من أداء الأمانة إلى أهلها، وهو المعروف بينهم بالصادق الأمين، وهكذا تتأسس قاعدة أخلاقية وشرعية هي ضرورة أداء الأمانات إلى أهلها ولو كانوا أعداء، وبذلك فلا مبرر عند من يشرع أخذ أموال المخالفين بغير وجه حق، وهذا الوجه يحكم به الشرع وفق الاجتهاد ونظرا لظروف الحرب أو السلم.

فكانت تولية علي – كرم الله وجهه – لأداء الأمانة، تعليما لنا أن أداءها لا يقبل أي وجه من القراءة التي تبيح  الغدر ونقض عهدها، وأنه مهما بلغ بالمسلم العناء والظلم فلا يبيح من ذلك شيئا، وأن الالتزام بها يعطي الصورة المثلى عن طينة المسلم المحتمل الصابر المحتسب الأجر عند الله جزاء عمله، وأن ما يقوم به هو من صميم الدعوة ومن روح العبادة لله الذي أمر بتأدية الأمانة والوفاء بالعهد: إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها 3 ونقيض الأمانة: الغدر المنهي عنه شرعا، روى الإمام مسلم عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “لكل غادر لواء عند أسته يوم القيامة، يرفع له بقدر غدره، ولا غادر أعظم غدرا من أمير جماعة.” 4 قال ابن رجب الحنبلي في كتابه جامع العلوم والحكم: “والغدر حرام في كل عهد بين المسلم وغيره ولو كان المعاهد كافرا ولهذا في حديث عبد الله بن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم: “من قتل نفسا معاهدة بغير حقها لم يرح رائحة الجنة.” 5.

3 – التضحية:

قدمت الهجرة صورة حقيقية للتضحية والفداء، فقد ترك المسلمون بيوتهم وأموالهم، وفروا بدينهم سالكين إلى الله تلبية وطاعة وحبا وجهادا، كما أن سلوك علي بن أبي طالب – كرم الله وجهه – أظهر هذه التضحية فقدم نفسه فدى لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فنام في فراشه لأمرين: الأول تكتيكي ينبني على تمويه المشركين وتعطيل حركتهم  حتى يتسنى لرسول الله ولصاحبه أخذ مسافة كافية في الطريق والابتعاد عنهم ما أمكن.

والثاني: تأدية الأمانة التي في ذمة رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابها في مكة، منطلقا للوفاء وتقديرا لحقوق الغير.

وتعطينا التضحية في بداية نشر الدعوة وقيام الدولة الإسلامية نظرة واضحة عن إسهام المسلمين الأوائل في ترسيخ هذه القيمة الإنسانية الجليلة، وتقدم لنا حكما عاما بوجوب تقديم الغالي والنفيس من أجل دين الله، وهو الفداء المطمئن الصابر المحتسب، الموقن بوعد الله والمقتحم لكل الصعاب والأهوال. تضحيات جسام بالمستطاع من المال والنفس والوقت والجهد، عاقبتها خير ونصر وتوفيق وسداد، وهو ما يتطلب منا في حاضرنا العمل على ترسيخه في نفوس المسلمين وسلوكاتهم حتى ترتقي بنا الحياة إلى ما ارتقت به أمة الإسلام في نير عهدها وطيب فعلها الجماعي القويم.

4 – الحرية:

تطلّع المسلمون في ظلّ الحصار الجائر إلى الحرية والانعتاق من ظلم المشركين واستبداد الكفار في مكة، وقد عانوا من كل أشكال التعذيب والمنع والحصار، والتجويع والتشريد والهمز واللمز، وقد توعد الله تعالى هؤلاء في قوله: ويلٌ لكل هُمَزة لُمَزة. 6.

وعند الإذن بالهجرة كان المسلمون على موعد مع الحرية التي أعتقهم الله بها من الظلم والطغيان والعبودية، فراحوا سالمين آمنين مطمئنين، تحتضنهم قلوب الأنصار في صورة مشرقة من صور التلاحم والأخوة والمحبة.

فكانت تلك مرحلة هامة في تاريخ الإنسانية، انتقل بموجبها المسلمون إلى عالم حرّ، عالم البذل والإنماء والبناء، ففتحت الحرية لهم أبواب الخير والنجاح في جميع المجالات وعلى كل الأصعدة، وأسسوا عمرانا أخويا خالدا مليئا بالعطاءات.

وهذا درس لنا في زمان الاستبداد والظلم والطغيان، نتأمل المشهد ونستخلص منه العبرة: من أن النجاح الحقيقي يكمن في ضمان الحرية التي تعلي من شأن المرء وتعطيه القدرة على الفعل والإنجاز والعطاء المستمر، وعليه يغدو نيل الحرية مطلبا أساسا من مطالب الدعاة والقائمين إن هم أرادوا نجاح الدعوة. حرية تعني القدرة على الفعل والنجاح في العمل.

5 – الكرامة:

أذل المشركون المسلمين وقللوا من قدرهم، وميزت الأعراف الجاهلية بين الناس على أساس العرق والمال والنسب والجاه، ومالت بهم الأهواء إلى تعظيم بعضهم وتحقير آخرين، فكانت الحياة سحابا من العنصرية والتمييز والجور.

وأحيت الهجرة في الإنسان إنسانيته بما للإنسان من كرامة وتقدير، بعيدا على اللون والعرق والنسب، بل المعيار القويم في ذلك تقوى الله: إن أكرمكم عند الله أتقاكم. 7 فكان تكريم الإنسان على هذا الأساس: الانتساب إلى الكرامة حقيقة بالتقوى لا بما يفنى من العوارض الزائلة.

وحاجتنا لتحقيق مطلب الكرامة ماسة، لما تعيشه الشعوب المستضعفة من استعباد وظلم واستبداد، يستوي في ذلك المسلمون وغيرهم من الشعوب والأمم عبر العالم، وإنه لتحدٍّ يواجه الدعاة والقائمين من المجتهدين. لأن ضمان كرامة الإنسان تؤمن له الأمان والعفة والعزة والقوة المعنوية، فالحقير المستذل ضعيف ومهزوم وهذا يناقض ما خلق الله الناس عليه من تكريم وتشريف، وإذا كان الله تعالى قد كرم الإنسان، فكيف لأحد أن يسلبه كرامته وتشريفه، وإنّ فعل ذلك لمن الجحود والتكبر قال سبحانه وتعالى: ولقد كرمنا بني آدم. 8 قال ابن القيم – رحمه الله-: “خلق الله سبحانه عباده المؤمنين وخلق كل شيء لأجلهم، كما قال تعالى: أَلَمْ تَرَوْا انَّ اللهَ سخَّرَ لَكُمْ مَا فِى السَّمَوَاتِ وَمَا فِى الارْضِ وَأَسْبَغ عَلَيْكُمْ نِعمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً. وكرمهم وفضلهم على كثير ممن خلق، فقال: وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِى آدَم وحملناهم فِى الْبِرِّ وَالْبَحْرِ وَرزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً. وقال لصالحيهم وصفوتهم: إِنَّ اللهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحاً وَآل إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِين وقال لموسى: وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي.

واتخذ منهم الخليلين، والخلة أعلى درجات المحبة… والله سبحانه لا يصطفى لنفسه إلا أعز الأشياء وأَشْرَفَهَا وأعظمها قيمة.

وإذا كان قد اختار العبد لنفسه، وارتضاه لمعرفته ومحبته، وبنى له داراً في جواره وقربه، وجعل ملائكته خدَمه يسعون في مصالحه في يقظته ومنامه وحياته وموته، ثم إن العبد أبق عن سيده ومالكه، معرضاً عن رضاه، ثم لم يكفه ذلك حتى خامر عليه، وصالح عدوه ووالاه من دونه، وصار من جنده مؤثراً لمرضاته على مرضاة وليه ومالكه، فقد باع نفسه- التي اشتراها منه إلهه ومالكه وجعل ثمنها جنته والنظر إلى وجهه- من عدوه وأبغض خلقه إليه، واستبدل غضبه برضاه ولعنته برحمته ومحبته”. 9.

هذه بعض المعاني المستفادة من حدث الهجرة الكريم، لما يحمله من رمزية في تاريخ الأمة الإسلامية، ماضيها وحاضرها ومستقبلها، وبما تتطلع إليه كل النفوس المستضعفة المقهورة في خضم عالم تعمه “الفوضى الخلاقة” تداعت فيه القوى المتحكمة في المصائر على الشعوب بما تمتلكه هذه القوى من قدرة على التحكم في الاقتصاد والإعلام والكلمة والتأثير السياسي. والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

 


[1] [سورة النساء: 59.]
[2] [ياسين عبد السلام، المنهاج النبوي تربية وتنظيما وزحفا، ص: 89]
[3] [سورة النساء: 58]
[4] [صحيح الإمام مسلم. وفي رواية البخاري عن أنس رضي الله عنه: لِكل غَادر لِوَاءٌ يَومَ القيَامَةِ- قالَ أَحدُهمَا يُنصَب وقال الآخرُ – يرى يومَ القيامَةِ يعْرَف بِه]
[5] [سنن الترمذي]
[6] [سورة الهمزة: 1]
[7] [سورة الحجرات: 13]
[8] [سورة الإسراء: 70]
[9] [ابن القيم الجوزية، طريق الهجرتين، ص: 240 – 241]