الله أكبر ما كبر حجيج الرحمن وهم في ضيافة الكريم المنان، الله أكبر ما دعا الملبُّون رافعين أكف الضراعة متنسمين عبير القرب في صعيد عرفات، الله أكبر ما طاف المصطفون حول البيت العتيق متكحلين بجمال وجلال الكعبة المشرفة، الله أكبر ما رموا وما نحروا وما كبروا وما تحللوا وما زاروا وما فازوا.. الله أكبر كبيرا والحمد لله كثيرا وسبحان الله بكرة وأصيلا.

إن لله عز وجل في دهره نفحات، يهب شذاها العطر على عباد الله الذين علموا أن الدنيا دار عمل فبادروا وشمروا، يغتنمون الأوقات الثمينة يتقربون إلى الله عز وجل بالفرض والنفل، يرجون رحمته ويطلبون عفوه وإحسانه، من تلك النفحات الربانية ما يحياه المسلمون في عيد الأضحى المبارك الذي شرعه الدين الحنيف لإظهار كلمة الله العليا وإبراز شعائر الإسلام وتعظيمها. قال الله عز وجل “ذلك ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب”. وروى ابن ماجة والحاكم وغيرهما وقال الحاكم إنه صحيح الإسناد: “”أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا: ما هذه الأضاحي؟ فقال: سنة أبيكم إبراهيم. قالوا: فمالنا فيها يا رسول الله؟ قال: بكل شعرة حسنة. قالوا: فالصوف؟ قال: بكل شعرة من الصوف حسنة””.

ينبغي أن يقصد المسلم من نحر الأضحية طاعة الله عز وجل واتباع سنة نبيه المصطفى صلى الله عليه وسلم، مما يحقق صدق التوجه لله عز وجل وإخلاص العمل له، والاقتداء بسيد المرسلين في سلوكاته العامة والخاصة، عسى أن يحشر مع زمرة الذين سمعوا فاستجابوا مطيعين متبعين. ما تنحر الأضحية إلا لله عز وجل. وقول المؤمن عند النحر: باسم الله والله أكبر، اعتراف وإقرار بأن الوجهة الله والقصد الله. فتنبذ عادات الشرك الجاهلية وتحقق بعض من معاني العبادة تذللا وخضوعا. قال الله عز وجل: “لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم” ومعناه أن الله عز وجل شرع هذه الأضحية لذكره فهو الخالق سبحانه يطعم ولا يطعم. هو الغني ما يحتاج للقرابين والأضاحي. إنما هي التقوى تتحقق لمن أطاع وسمع واستجاب لنداء المولى العظيم.

ويلزم أن يستحضر عبد الله معاني الفداء والتضحية التي أبان عنها سيدنا إبراهيم عليه السلام، ومعاني الطاعة والامتثال التي عبر عنها سيدنا إسماعيل عليه السلام، تحضرنا هنا قصة أب أطاع ربه في ما أمره، مستسلما منيبا خاضعا مستجيبا، فأطاعه ابنه صابرا محتسبا، تلكم القصة الخالدة التي سجلها لنا القرآن الكريم في قول الله عز وجل: قال يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى قال يا أبت افعل ما تومر ستجدني إن شاء الله من الصابرين، فلما اسلما وتله للجبين، وناديناه أن يا إبراهيم، قد صدقت الرؤيا إنا كذلك نجزي المحسنين، إن هذا لهو البلاء المبين، وفديناه بذبح عظيم، وتركنا عليه في الآخرين، سلام على إبراهيم، كذلك نجزي المحسنين.

لننظر كيف جعل الله عز وجل تصديق الرؤيا من سمات المحسنين، ولنتمعن في ما آل إليه جزاء سيدنا إبراهيم من استحقاق السلام من رب العزة سبحانه، حتى نتيقن من أن تصديق الرؤيا وتعظيمها من السنن التي يؤجر المؤمن عليها، بل إن ذلك من سمات المؤمنين بالغيب المصدقين بما عند الله عز وجل وان لم تره أعينهم، ثم أليست الرؤيا جزءا من ست وأربعين جزءا من أجزاء النبوة؟، أو ليست وحيا يكلم به العبد ربه؟ مبشرات هي تضع المؤمن المصدق بها في صف المستنين بسنن الأنبياء الذين رؤاهم حق. والمحيين لسنة سيد الأنام صلى الله عليه وسلم في زمن الفتن المدلهمة خطوبها.

هكذا تبرز المعاني الغيبية والفيوضات الإلهية للعبادات في الإسلام باعتبارها ربطا لعلاقة المؤمن بالعوالم الغيبية، يتطلع دائما إلى ما عند المولى دون أن ينسى نصيبه المقدر في الدنيا سعيا للخير وعملا به وعملا له.

وفي عيد الأضحى إحسان بمعاني مختلفة:

– إحسان بمعنى إرادة وجه الله عز وجل بالأضحية ابتغاء مرضاته واقتداء بسنة نبيه. وقد روى الطبراني مرفوعا: “”يا أيها الناس ضحوا واحتسبوا بدمائها، فإن الدم وإن وقع في الأرض فإنه يقع في حرز الله عز وجل””، وفي رواية له مرفوعا: “”من ضحى طيبة بها نفسه محتسبا لأضحيته كانت له حجابا من النار””.

– الإحسان في اختيار الأضحية فلا تقبل “”العوراء البين عورها، والمريضة البين مرضها، والعرجاء البين ضلعها، والعجفاء التي لا تتقي أي لا شحم فيها””، كما ورد ذلك عن رسول الله في الحديث الذي رواه الترمذي. وقد ضحى القدوة الأمين عليه الصلاة والسلام بكبشين أملحين أقرنين، ذبحهما بيده الشريفة وسمى وكبر.

– الإحسان في ذبحها إراحة لها ورحمة بها، وقد ورد عنه صلى الله عليه وسلم: “”إن الله كتب الإحسان على كل شيء فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فاحسنوا الذبحة وليحد أحدكم شفرته وليرح ذبيحته””.

– الإحسان منها إلى الناس لقوله تعالى: فكلوا منها وأطعموا القانع والمعتر. وقوله سبحانه: فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير. فيتصدق المؤمن ويبذل ويجود على إخوانه المعوزين تحقيقا لمعاني التكافل والتضامن الاجتماعيين.