تمهيد

السيرة لغة هي الطريقة والهيأة المعتادة التي يكون عليها الإنسان وغيره، والسيرة النبوية مأخوذة من السيرة بمعنى الطريقة، وهي تبحث في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم منذ مولده حتى انتقاله إلى الرفيق الأعلى، وفي حياة صحابته الكرام الذين ضحوا في سبيل إعلاء كلمة الله في الأرض، وتبحث أيضا في الظروف الاجتماعية والسياسية التي انتشر فيها الدين الإسلامي، الذي ابتدأ بكلمة “اقرأ” في غار حراء، إلى أن دانت الجزيرة العربية به ودخل الناس في دين الله أفواجا.

فعندما ندرس السيرة النبوية المطهرة، نكون بصدد دراسة سيرة خير نبي اصطفاه الله، وندرس سيرة خير أمة أخرجت للناس، وندرس سيرة خير رسالة أنزلت للناس، ودراستها قبل كل شيء عبادة: يقول تعالى: لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا (الأحزاب 21)، فالأمة الإسلامية مأمورة بالاقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم، ولن تتمكن من التأسي به ما لم تفقه سيرته وتدرسها وتتعرف عليها.

وقد اخترت في بحثي هذا المتواضع موضوع الهجرة النبوية ورجالاتها لما لهذا الحدث العظيم من أهمية في التاريخ الإسلامي، حيث سأحاول ذكر الأحداث الرئيسية التي سجلها هذا الحدث العظيم، مع التركيز على سير بعض الرجال الذين أعطوا الدليل والبرهان على صدق نصرتهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم، عبرة لنا ولأجيالنا المستقبلية، عسى أن تتيقظ هممنا وتنبعث عزائمنا متأسية بحياة هؤلاء الرجال، الذين جاهدوا بأموالهم وأنفسهم. والله نسأل أن يجعلنا على نهجهم القويم، وأن يحشرنا في زمرتهم غدا يوم لقاء الله سبحانه وتعالى.

الهجرة النبوية

روى الإمام أحمد عن جابر رضي الله عنه قال: مكث رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة عشر سنين يتبع الناس في منازلهم يقول: “من يؤويني، من ينصرني؟ حتى أبلغ رسالة ربي، وله الجنة” فلم يجد أحدا يؤويه ولا ينصره… حتى إن الرجل ليخرج من اليمن أو من مضر فيأتيه قومه، وذو رحمه فيقولون له: احذر غلام قريش لا يفتنك، ويمضي بين رجالهم وهم يشيرون إليه بالأصابع، حتى بعثنا الله إليه من يثرب فآويناه وصدقناه. فيخرج الرجل منا فيؤمن به ويقرؤه القرآن، فينقلب إلى أهله فيسلمون بإسلامه، حتى لم تبق من دور الأنصار إلا وفيها رهط من المسلمين يظهرون الإسلام، ثم ائتمروا جميعا فقلنا: حتى متى نترك رسول الله صلى الله عليه وسلم يطوف ويطرد في جبال مكة ويخاف؟ فرحل إليه منا سبعون رجلان حتى قدموا عليه الموسم، فواعدناه العقبة، فاجتمعنا عندها من رجل أو رجلين حتى توافينا، فقلنا يا رسول الله، علام نبايعك قال: “تبايعوني على السمع والطاعة في النشاط والكسل، والنفقة في اليسر والعسر، وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأن تقولوا في الله لا تخافون في الله لومة لائم، وعلى أن تنصروني فتمنعوني إذا قدمت عليكم مما تمنعون منه أنفسكم وأزواجكم وأبناءكم ولكم الجنة”، فقمنا إليه فبايعناه، وأخذ بيده أسعد بن زرارة وهو من أصغرهم فقال: (رويدا يا أهل يثرب، فإنا لم نضرب إليه أكباد الإبل، إلا ونحن نعلم أنه لرسول الله، وان إخراجه اليوم منا وأن العرب كافة، وقتل خياركم، وأن تعضكم السيوف، فإما أنتم قوم تصبرون على ذلك فخذوه، وأجركم على الله، وإما أنتم قوم تخافون من أنفسكم خيفة فذروه، فبينوا ذلك فهو أعذر لكم عند الله، قالوا: أمط عنا يا أسعد، فوالله لا ندع هذه البيعة، ولا نسلبها أبدا، قال فقمنا إليه، فبايعناه، وأخذ علينا وشرط، ويعطينا على ذلك الجنة).

من خلال هذه الرواية، يتضح أن الدعوة بمكة وصلت إلى الطريق المسدود، فقد أصبح المسلمون يتعرضون إلى كل أنواع العذاب و الحصار والاضطهاد النفسي والبدني، خصوصا بعد وفاة خديجة رضي الله عنها، وأبي طالب عم النبي صلى الله عليه وسلم الذي كانت تهابه قريش. فأخذ يعرض صلى الله عليه وسلم نفسه على القبائل، إلى أن استجاب أهل يثرب، وأبدوا استعدادهم لنصرته في السراء والضراء.

رجالات الهجرة النبوية

الرجل هنا بالمفهوم القرآني، يدخل فيه الذكر والأنثى، إذا تحققت فيهم الصفات التي أرادها الله لهم: رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة، وذكرتها الآية هنا بالجمع كناية على أن الهجرة ساهم فيها كثير من المسلمين، منهم من دونتهم كتب السيرة ، ومنهم من لم يذكروا.

1- أبو بكر الصديق رضي الله عنه

كان هذا الصحابي الجليل من الذين سبقوا في إعلان إسلامهم، وكان لا يفارق رسول الله عليه وسلم، وكان رضي الله عنه يصدقه في كل ما يقول دون تردد، وقد وُضع في كفة والأمة في كفة فرجح بها، نال هذا كله بالتصديق المطلق لسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.

أراد هذا الصحابي الجليل أن يهاجر، فجاء يستأذن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك، فقال رسول الله عليه وسلم: “على رسلك فإني أرجو أن يؤذن لي” فقال أبو بكر: وهل ترجو ذلك بأبي أنت؟ قال: “نعم” فحبس رسول الله صلى الله عليه وسلم ليصحبه، وعلف راحلتين كانتا عنده أربعة أشهر .لقد اختاره صلى الله عليه وسلم أن يكون رفيقه في هجرته، واختياره هذا دليل على مكانته وحبه للنبي صلى الله عليه وسلم.

قال ابن شهاب: قال عروة: قالت عائشة: فبينما نحن يوما جلوس في بيت أبي بكر في نحر الظهيرة، قال قائل لأبي بكر: هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم متقنعا في ساعة لم يكن يأتينا فيها، فقال أبو بكر: فدى له أبي وأمي، والله ما جاء به هذه الساعة إلا أمر. قالت: فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، واستأذن فأذن له، فدخل فقال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي بكر: “أخرج من عندك” فقال أبو بكر: إنما هم أهلك بأبي أنت يا رسول الله، قال: “فإني قد أذن لي في الخروج”. قال أبو بكر: الصحبة بأبي أنت يا رسول الله؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “نعم”. قال أبو بكر: فخذ بأبي أنت يا رسول الله إحدى راحلتيّ هاتين، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “بالثمن”.

كان بيت أبي بكر رضي الله عنه بيت الدعوة والجهاد في سبيل الله، منه بدأت الهجرة وانطلق الإعداد لها. وكلام سيدنا أبي بكر مع نبينا محمد صلى الله عليه وسلم كله فداء وتعظيم لرسول الله. وخرجا من بيت أبي بكر خفية، وذهبا إلى غار ثور حيث اختبآ من أن تلحق بهم قريش فتدركهما فتغتال دعوة الله.

وعن أنس بن مالك رضي الله عنه أن أبا بكر الصديق حدثهم قال: نظرت إلى أقدام المشركين فوق رؤوسنا ونحن في الغار، فقلت: يا رسول الله، لو أن أحدهم نظر تحت قدميه أبصرنا فقال: “يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما”.

2- عبد الله بن أبي بكر

هذا الصحابي كان له دور كبير ودقيق في نجاح هجرة النبي صلى الله عليه وسلم من مكة إلى يثرب، فقد كان يقضي يومه في مكة يخالط قريشا ويستمع إلى ما يقوله أعداء الدعوة وما يعتزمون القيام به قصد القضاء على نبي الله الكريم، وكان ينقل هذه الأخبار إلى غار ثور حيث كان يختبئ النبي صلى الله عليه وسلم مع أبى بكر الصديق رضي الله عنه وكان يبيت معهم، وحتى لا يعرف أثره الذي يخلفه في الطريق عندما كان ينتقل من مكة إلى الغار، كان يمر وراءه عامر بن فهيرة ليتلف أثر قدميه حتى لا تصل إليه قريش.

3- علي بن أبي طالب كرم الله وجهه

لقد ضحى بنفسه هذا الصحابي الجليل ليلة كان يأتمر الشيطان مع قريش في دار الندوة، حيث قرروا أن يضربوه ضربة واحدة فيتفرق دمه بين القبائل ويتخلصون من “دعوة محمد”. فأطلع الله نبيه صلى الله عليه وسلم على ذلك، فخرج هو وأبو بكر على غار في الجبل، ونام علي على فراش النبي صلى الله عليه وسلم، وباتوا يحرسونه يحسبون أنه النبي صلى الله عليه وسلم، فلما أصبحوا، قام علي لصلاة الصبح، بادروا إليه فإذا هم بعلي، فقالوا أين صاحبك؟ قال: لا أدري فاقتصوا أثره.

بات وهو يدرك أن مصيره في خطر. إلا أن قوة الإيمان جعلته ينام مطمئنا، ليقوم في الصباح برد ودائع قريش التي كانوا يضعونها عند رسول الله صلى الله عليه وسلم.

4- أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها

جاء في صحيح البخاري ، مناقب الأنصار، باب هجرة النبي صلى الله عليه وسلم أن أسماء رضي الله عنها قالت: (صنعت سفرة للنبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر حين أرادا المدينة، فقلت لأبي: ما أجد شيئا أربطه إلا نطاقي، قال: فشقيه، ففعلت، فسميت ذات النطاقين).

وعن أسماء رضي الله عنها قالت: (لما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وخرج أبو بكر معه، احتمل أبو بكر معه ماله كله خمسة آلاف درهم أو ستة آلاف درهم، فانطلق بها معه. قالت: فدخل علينا جدي أبو قحافة وقد ذهب بصره، فقال: إني والله لأراه قد فجعكم بماله مع نفسه. قلت كلا يا أبت، قد ترك لنا خيرا كثيرا، قالت: فأخذت أحجارا فجعلتها في كوة في البيت كان أبي يجعل فيها ماله، تم جعلت عليها ثوبا، ثم أخذت يده، فقلت يا أبت، ضع يدك على هذا المال، قالت: فوضع يده عليه، فقال لا بأس، إن كان ترك لكم هذا لقد أحسن، وفي هذا لكم بلاغ. قالت: لا والله ما ترك لنا شيئا، ولكن أردت أن أسكن الشيخ بذلك).

هؤلاء الرجال كان لهم فضل كبير في انتقال الدعوة من مكة إلى يثرب حيث سيقيم صلى الله عليه وسلم إلى جانب كل من الأنصار والمهاجرين دولة إسلامية تكون منطلقا لنشر الإسلام إلى كل بقاع العالم.

اللهم صل على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وحزبه ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

المراجع

– القرآن الكريم.

– صحيح البخاري.

– مسند الإمام أحمد.

– مجمع الزوائد.

– فقه السيرة النبوية للغضبان.