من كتاب المدهش لأبي الفرج ابن الجوزي رحمه الله (الفصل السادس عشر).

يا من نسبُه مُعرِقٌ في الموتى، وقد وعظوه وإن لم يسمعْ صوتاً، أَدْرِك أمرَك فما تأمنُ فوتاً:

لأبي نواس:

ألا كلُّ حيٍّ هالِكٌ وابنُ هالكٍ ** وذو نَسَبٍ في الهالكينَ عريقِ

فَقُلْ لغريبِ الدارِ: إِنك راحلٌ ** إلى منزلٍ نأيِ المَحلِّ سحيقِ

وما تُعْدِمُ الدنيا الدنيةُ أهلَها ** شُواظَ حريقٍ أو دُخانَ حريقِ

تُجَرِّعُ فيها هالكاً فَقْدَ هالكٍ ** وتُشْجى فريقاً منهمُ بفريقِ

فلا تحسبِ الدُّنيا إذا ما سكنتَها ** قراراً، فما دنياك غيرُ طريقِ

إذا امْتحنَ الدُّنيا لبيبٌ تكشَّفت ** له عن عدوٍّ في ثيابِ صديقِ

عليكَ بدارٍ لا يزولُ ظلالُها ** ولا يتأذّى أهلُها بمضِيقِ

فما يبلغُ الراضي رضاه بِبُلغةٍ ** ولا ينفعُ الصادي صَداهُ بِريقِ

يا راقداً وقد أُوذِنَ بالرحيل، يا مشيِّدَ البنيانِ في مدارجِ السيولِ، بادر بالعملِ قبلَ انقضاءِ العمرِ، ولا تنسَ من يَعُدُّ الأنفاسَ للقائك:

وما هِيَ إلا ليلةٌ ثم يومُها ** ويومٌ إلى يومٍ وشهرٌ إلى شهرِ

مطايا يقرِّبْنَ الجديدَ إلى البِلَى ** ويدنينَ أشلاءَ الصحيحِ إلى القبرِ

ويَتْركنَ أزواجَ الغيورِ لغيرِه ** ويَقْسِمنَ ما يحوي الشحيحُ من الوفرِ

وا عجباً، أما تعلمُ ما أمامك؟ فتهيأ للرحيل، وأَصْلِح خيامك، وتأهّبْ للرَّدى، واقطعْ قطعَ المُدى 1 مدامك، واجتهد أن ينشرَ الإخلاصُ في المحلّ الأعلى أعلامَك، واحضرْ قلبَك وسمعَك، وإن ملاّ 2 من لامك 3، وإيّاكَ والفتورَ فإِنِّي أرى الدواءَ دوامك 4، اُطلب ما شئتَ بالعزم وأنا زعيمٌ 5 لك بالظَّفَر.

مَنْ عزم على أمرٍ هيّأ آلاتِه. لمّا كان شُغْلُ الغرابِ النَّدبَ على الأحباب لبس السواد قبل النوح.

أَنِفَتْ شُقَّةُ المهامِهِ1 أن تقْـ ** ــطعَ إلا بالشدِّ والتَّرْحالِ

أبى المَجْدُ أن يُنَالَ بغيرِ الــ ** ــجِدِّ فلتنْتبِه عقولُ الرِّجالِ 6 إذا وقعتْ عزيمةُ الإنابة في قلبِ مَنْ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى (الأنبياء: 101)، قَلَعتْ قواعدَ الهوى من مَسْناةِ 7 الأمل.

ركب ابن أدهم يوماً إلى الصيد، وقد نُصبَ له فخُّ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُم (يونس: 9)، حوله حَبُّ يُحِبُّهُم (المائدة: 54)، فصِيدَ قبل أن يصيدَ، سمع هاتفاً يقولُ: ما لهذا خُلِقْتَ ! ولا بهذا أمرتَ ! فكانت تلك العظة شربةً نَقضَتْ قُولَنْجَ 8 الهوى.

يا له من سهمٍ ألقاه عن قَرَبوسه 9 وبُوسه 10، كان راقدَ الفهمِ في ليلِ الغفلةِ، مشغولاً بأحلامِ المُنى، فَصيحَ به: قم، فقامَ، فقيلَ له: سِر، فاستقامَ.

للشريف الرضى:

ما أجلبَ البرقَ لماء الأماق ** رأى على الغَوْر وميضاً فاشتاق

وعظه خطيبُ اليقظةِ، فوصَلَتْ مَلامتُه إلى سمع الأنفَةِ، فنهضت حميَّةُ الرجولية.

يا ابن أدهم ! مبارزةُ الصَّيْدِ أولى مراتبِ الشجاعةِ، أفترضى أن تستأسِرَ 11 لثعلب الهوى؟

يا ابنَ أدهم ! قتلكَ حُبُّ الدنيا فَثُرْ لأخذِ الثأر.

إن كانت لك عزيمة – يا ابن أدهم – فهذا الكُمَيْتُ 12 وهذا الأدهم 13، فصادَفَ التحريضُ حريضاً 14 فنهضَ.

للشريف الرضي:

أَتُذكِّراني طلبَ الفضائل ** أَيْقَظْتُما مِنّيَ غيرَ غافل

قُوما فقد مَلَلْتُ من إقامتي ** والبيدُ أولى بي من المَعاقل

شُنّا بِيَ الغاراتِ كلَّ ليلةٍ ** وعَوِّدَانِي طَرَدَ الهَوامل

إن كان لا بدَّ من الموتِ فَمُتْ ** تحت ظلالِ الأُسْلِ الذوابل

15 هتف به متقاضي الشوق: يا ابن أدهم ! دخَلَتْ شهُورُ الحَجِّ، فما قَعودُك ببلخ؟ فرحَّلَ الراحلةَ وراح، لاحتْ له نارُ الهدى، فصاحَ في جنود الهوى: إِنِي آنَسْتُ (طه: 10) فتجلَّى له أنيسُ “تجدني”، فغاب عن وجوده، فلمَّا أفاق من صعقة وجده، وقد دُك طور نفسه، صاح لسانُ الإنابة تُبْتُ إِلَيْكَ (الأحقاف: 15).

رويداً أيُّها الحادِي ** سُقِيتَ الرَّايِحَ الغادِي

فتلك الدارُ قد لاحَتْ ** وهذا الرّبْعُ والوادي

فلمّا خرجَ عن ديار الغفلة، أومأت اليقظةُ إلى البطالة.

لابن المعتز:

سلامٌ على اللذّاتِ واللَّهو والصِّبا ** سلامَ وداعٍ لا سلامَ قدومِ

يا ابن أدهم ! لو عُدْتَ إلى قصرِكَ فتعبّدت فيه، قال العزم: كلا ليس للمبتوتة 16 نفقةٌ ولا سُكنى.

أَحِنُّ إلى الرَّملِ اليمانيِّ صبابةً ** وهذا لَعَمْري لو رَضِيتُ كثيبُ

ولو أَنَّ ما بي بالحصى فَلقَ الحصى ** وبالريحِ لم يُسْمَع لهنَّ هُبوبُ

أمرضه التُّخَمُ، فاستلذَّ طعمَ الجوع، وحَمّلَ جِلْدَه على ضعفِ جَلْده خُشونةَ الصوف.

حَمَلْتم جِبالَ الحُبِّ فوقي وإنَّني ** لأَعْجَزُ عن حملِ القميص وأضْعُفُ

لاحَ له جمالُ الآخرة، فتثبتت في النظر عينُ اليقينِ، فتمَكَّنَ الحُبُّ من حَبَّةِ القلب، فقام يسعى في جمع المَهْرِ من كسب الفقرِ، طالَ عليه انتظارُ اللِّقا، فصارَ ناطورَ البساتين، تقاضته المحبةُ باقي دَيْنِها، فسلَّم الروحَ في الغربة، هذا ثمنُ الوصلِ فتَأَخَّرْ يا مفلس.

دُونَ المعالي مرتقًى شاهقُ ** فَطِرْ إلى ذِرْوَتِهِ أوقَع

مَنْ لم يخُضْ غمرتَها لم يُشِدْ ** قواعدَ المجدِ ولم يرتفع

كان إبراهيم إسكندريَّ الهِمّة 17، فاحتقَرَ قَصْرَ بلخٍ في جنب ما أَمَّلَ، فانتخبَ سوابقَ العزم، وسارَ في جُند الجدِّ، حتى قطعَ ظلماتِ الطبعِ، وبلغَ إلى مطلعِ شمسٍ لا تغرُبُ، شكا إليه صفاءُ القلب من يأجوج وساوس النفس، فاستغاثَ بحامي المَسْكن، فقيل له: شُدَّ سدَّ العزم، فاستظهر بعد الزُّبرِ بالقَطْرِ، ثم انفردَ من جندِ جوارحه فوقعَ بعين الحياة في السر، فعاش بالتوفيق أبد الدهر.

أما تقومون كذا أو فاقعدوا ** ما كُلُّ مَنْ رامَ السماءَ يَصعَدُ

نام على الهونِ الذليلُ ودَرَى ** جَفْنُ العزيزِ لمَ باتَ يسهدُ

أَخَفُّكُم سعياً إلى سؤددٍ ** أحقكم بأنْ يُقال سيّدُ

عن تعبٍ أو ردِّ ساقٍ أولاً ** وَمَسَحَتْ غُرَّةَ سَبَّاقٍ يدُ

لو شُرِّفَ الإنسانُ وهو وادعٌ ** لقطع الصمصامُ وهو مُغْمَدُ


[1] المُدى: جمع مدية وهي السكين.
[2] ملا: من الملل.
[3] لامك: شدتك.
[4] دوامك: الدوام على العمل والحضور.
[5] زعيم: كفيل ضامن.
[6] المهامه: جمع مهمه، وهي المفازة والصحراء.
[7] مسناة: سدّ يبنى لحجز السيل أو النهر، به مفاتيح للماء تفتح بحسب الحاجة.
[8] القولنج: مغص وألم في الأمعاء، سببه التهاب القولون.
[9] قربوس: حِنْوُ السرج، أي: المكان المنحني من السرج يجلس عليه الراكب.
[10] البوس: التبختر والتكبر على الناس وإيذاؤهم.
[11] تستأسر: تسلم نفسك أسيرا.
[12] الكُمَيْتُ: الخيل بين السواد والحمرة.
[13] الأدهم: الحصان الأسود.
[14] الحريض: من أذابه الهم، والتحريض: الإثارة والإحماء.
[15] الهوامل: الضوال من النعم، وطردها: سوقها سلا وسرقة. الأسل الذوابل: الرماح الطوال.
[16] المبتوتة: المطلقة طلاقا باتا.\
[17] إسكندريَّ الهمة: إشارة إلى الرجل الطواف في سورة الكهف.