لم تجد السلطة الحاكمة من دواء تعالج به سياستها التدبيرية التي بدا عوارها في قطاع التربية والتكوين سوى الدواء نفسه الذي كان سبب البلايا لقطاع في حياته وعافيته وتقدمه مستقبل البلاد والعباد. إنه دواء التحكم في رقبة التعليم بأيدي المجالس المشمولة بالرعاية والعناية التي تكرر في جسم التعليم التجارب الفاشلة نفسها وإن تغيرت المسميات.

على أرض الواقع الذي لا يرتفع ونتيجة حتمية لأدوية كانت هي الداء ستستمر انتكاسات الفشل التي ستؤكدها معاناة المدرسة المغربية مع ظواهر الاكتظاظ في الفصول المدرسية، والاهتراء في البنيات التحتية، والهدر الفظيع في التمدرس، والنقص المهول في الأطر التربوية، والتخلف المسيطر في البرامج والمناهج، والتصدع المستفحل لأخلاقيات العلاقات التربوية القيمية.

وإذا كانت الرؤية المزعومة الجديدة تتنصل من سؤال المسؤولية عن الوضعية الكارثية لقطاع التعليم، فإنها تصمت وعن سابق إصرار عن أسئلة المشروع المجتمعي النابع من الهوية المرجعية للمتعلم المتوجهة نحو المقاصد المرجوة من المدرسة لتسلك بذلك مجموع الانتكاسات السالفة في شكل ارتكاسات أشد مضاضة تبرز على الأخص في استهداف المرجعية الأصيلة للمتعلم المغربي في مجالات متعددة منها:

أولا: هذا التعويم الكبير لمسألة الهوية بالسكوت المريب والتغييب الصريح لغنى المنظومة القيمية الإسلامية. فعلى الرغم من التمسح بشعار الدين الإسلامي مكونا دستوريا فإن صريح الخطاب وواقع الحال ينمان عن تحرز ظاهر من مجرد الإيماء إلى مفردات تجد مرجعيتها في المصادر الشرعية، كما ينمان عن اتجاه صريح نحو حصار التعليم الأصيل الذي لم ترد الإشارة إليه بتاتا في مشاريع الرؤية المعلومة وكذا نحو تقييد حضور المواد الشرعية المعتادة في المنهاج الدراسي للتعليم العتيق.

ومنها ثانيا: هذا التناول الوظيفي غير المؤسس علميا للقضية اللغوية بدءا من تغييب استحضار بعد الهوية والقيم المتأصلة في مقاربة القضية اللغوية، مرورا بالسقوط في دائرة تعويم الاختيارات اللغوية بالتذبذب بين الانتقال من الازدواجية اللغوية إلى التعدد اللغوي، وانتهاء بالحسم الصريح في الانتصار لفرنسة العلوم تمكينا ليس بالجديد على أية حال للمد الفرونكفوني.

طالع أيضا  قطاعا التربية والتعليم والتعليم العالي لجماعة العدل والإحسان يدعوان لسحب مشروع القانون الإطار 17-51 من البرلمان ويشاركان في وقفة الثلاثاء

يأتي الدخول الجديد الذي نحياه هذا الموسم الدراسي 2017/2018 لتتجدد لدى من ينفطر قلبه لوضع التعليم الكارثة أسئلة تترى خاصة مع وفود المدبرين الجدد إلى ساحة التنفيذ لتعليمات المطابخ السرية لوصفات الإصلاح الواجهة.

ترى هل تصلح فرشاة صباغة جدران تعليم هدت أركانه ونقضت أسسه وزلزل بنيانه؟ وهل تصلح مطرقة نجار سنوات طفل قضى من عمره الفتي دهرا على طاولات مهترئة ليجد الحصيلة صفرا معرفة ووجدانا وسلوكا؟ وهل تنصف حركة انتقالية رجل تعليم أفقدته السياسات المتتالية وضع صاحب الرسالة لصالح وضع عبد الحوالة؟

هل تقود سياسة التشبث بأذيال الفرنسة قاطرة تعليم متخلف على سكة التنافس المحموم في آفاق العولمة؟ وهل تزيل رؤية عور وعمش تاريخ طويل من إصلاحات مفروضة منقطعة عن سياقاتنا الذاتية وهويتنا الحضارية؟ وهل يحيى تجديد مزعوم أو تنقيح متسرع منهاجا تعليميا لم ينتج سوى ضآلة في التعلمات وانحرافات في القيم وخورا في الإرادات؟

 وهل بوسع التضحية بمسؤول هنا وآخر هناك أن تقطع مع سياسة الريع التربوي وفساد الذمم وهوان الهمم والعزائم؟

وبصفة مجملة هل تكون ثمار الحصاد إلا من جنس ما وضعته يد الزراع وما دسته من نبات فاسد سقي بعناية بماء التجهيل الموجه والاستبداد المقنن والفساد المقنن؟

إننا قد نمضي طويلا في رسم الملامح المشوهة لسنوات التدبير السيئ لقطاع التعليم فنقف عند مجمل الاختلالات الظاهرة والخفية التي لم يعد أحد يجد حرجا في المجاهرة بإبدائها لما فشا رزؤها وذاع صيت مصائبها، بيد أننا لن ننفذ إلى جوهر المأساة في التعليم عندنا إن لم نقف عند الأثافي الثلاثة المهلكة: إحكام الاستبداد قبضته على رقبة التعليم ليكون آلية طيعة من آليات القهر المجتمعي، وإحكام التغريب تصورا وتمويلا يده على مدخلات ومخرجات التعليم ليكون أداة من أدوات الإلحاق بالسيد الغالب المسيطر، ثم تغييب مرجعية الأمة في المشروع المجتمعي وفلسفة التربية وما يعنيه ذلك من تضييع معنى الإنسان غاية ووجودا.

طالع أيضا  أعيدوا لرجل التعليم مكانته

إنه لم يكب البلاد على وجهها في قعر ذيول التخلف في سلم التنمية البشرية إلا حصائد إصلاحات الواجهة لمجال التربية والتعليم، وإن مما تؤكده الأيام يوما بعد يوم أنه لم يدر بخلد القائمين على الأمر ببلادنا من حملة مناجل الإصلاحات المزعومة المترادفة المتشابهة المستنسخة نية صالحة وخالصة لإصلاح التعليم وتقدم التعليم ورفاهية المعلم والمتعلم. وما ذاك إلا لأنه لا يتصور أصلا وفرعا من استبداد قديم مجاهر أو جديد ناعم إصلاح يروم بناء موطن حر كريم قادر على مجابهة تحديات الحاضر وآمال المستقبل إذ التعليم والاستبداد ضدان متغالبان على حد تعبير الكواكبي.

إن إصلاحات تلميع الواجهة مهما تفنن المتنفذون في تجميلها لن تجدي نفعا والباطن منطو على الفساد الناجم عن سياسات الارتجال والاستعجال التي تعالج بها قضية التربية والتعليم والتكوين لأجيال أريد لها أن لا تخرج عن دوائر المرسوم لها سلفا من طرف الحاكمين الماسكين بمقاليد الأمور.

إن مستقبل البلاد الآتي سيكون في حكم المعدوم إن لم تعد للمدرسة المغربية وظائفها التربوية والتعليمية والقيمية والتدريبية، وإن لم تعد الثقة بالمدرسة المعترف الآن بفقدانها. وهما أمران لن يتحققا ما لم يكن التعليم قضية شعب بأكمله لا قضية دهاليز حكم مستبد ومجالس معينة، وكذا ما لم تملك مدرستنا مشروعها المجتمعي المنبثق من هويتها ومرجعيتها ومن احتياجاتها المستجيبة لضروريتها الآنية ولضرورتها المستقبلية في عوالم المعرفة المتسارعة تطورا وتغيرا.