الأمر الثاني: مرتبة الإيمان

في المقال السابق تحدثنا عن الأمر الأول من أمور الدين الأربعة والمرتبة الأولى من مراتبه الثلاثة، وهو الإسلام، وكتبنا أن بناء الإسلام يقوم على أركان خمسة، تمثل فيه الشهادتان أرضية البناء التي عليها تقام الأركان الباقية. وعندما يحرص المسلم على تثبيت البناء بالحفاظ على الفرائض ويجتهد في استكماله بإتباع صُوى الإسلام ومناراته التي تُوجّهه إلى الأعلى، وبهذا التثبيت والاستكمال يكون المسلم قد أشرف على عتبة الدخول إلى بناء الإيمان الذي يمثل المرتبة الثانية.

 وبالجمع بين الصورتين الباطنية والظاهرية تحصل الحقيقة الإيمانية وتثبت. وهو كذلك اعتقاد بالجنان ونطق باللسان وعمل بالأركان (الجوارح). وهو أيضا ما وقر في القلب وصدّقه العمل.

للإيمان أركان ستة  يُقام عليها بناؤه كما ورد في الحديث، وهي: “أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره” 1. وهذه الأركان أمور غيبية لا يسع للعقل المسلم فيها إلا الإيمان مع السمع والطاعة. فالإيمان بالله يقتضي الإيمان بأسمائه الحسنى وصفاته العلى الكمالية منها والجمالية والجلالية. فصفات الكمال يتحقق بها، وصفات الجمال يتخلّق بها، وصفات الجلال يتعلّق بها. والإيمان بالملائكة واجب، على أنهم أجسام نورانية من طبيعتهم الطاعة التامة لله تعالى. لهم أعمال في عالم الأرواح وأعمال في عالم الطبيعة، ولهم صلة خاصة بالإنسان. وعلى رأسهم سيدنا جبريل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت. والإيمان بالكتب واجب، وعلى رأسها الكتب المشهورة: صحف سيدنا إبراهيم وزبور سيدنا داود وإنجيل سيدنا عيسى وصحف أو توراة سيدنا موسى وقرآن سيدنا محمد عليهم الصلاة والسلام. فقد جاء في حديث نبوي طويل رواه ابن حبان في صحيحه بإسناد صحيح أن سيدنا أبا ذر رضي الله عنه قال: قلت: يا رسول الله، ما كانت صحف إبراهيم؟ قال: “كانت أمثالا كلها”. ثم بعد كلام قال: قلت: يا رسول الله، فما كانت صحف موسى عليه السلام؟ قال: “كانت عبراً كلها”. ثم قال رضي الله عنه بعد كلام أيضا: قلت: يا رسول الله أوصني، قال: أوصيك بتقوى الله، فإنها رأس الأمر كله. قلت: يا رسول الله زدني، قال: عليك بتلاوة القرآن، وذكر الله عز وجل، فإنه نور لك في الأرض وذخر لك في السماء”. والإيمان بالرسل والأنبياء عليهم الصلاة والسلام واجب، وهؤلاء الرسل منهم من قصه الله علينا فذكرهم بأسمائهم ومنهم من لم يقصصه علينا. ففي مسند الإمام أحمد رحمه الله عن أبي ذر الغفاري رضي الله عنه قال: قلت: يا رسول الله كم المرسلون؟ قال:” ثلاثمائة وبضعة عشر، جمّا غفيرا”. وفي رواية أبي أمامة الباهلي قال أبو ذر الغفاري قلت: يا رسول الله كم وفاء عدة الأنبياء قال: “مائة ألف وأربعة وعشرون ألفا، والرسل من ذلك ثلاثمائة وخمسة عشر، جما غفيرا“. وقد ذكر منهم سبحانه وتعالى في القرآن خمسة وعشرين، وهم: إبراهيم، وإسحاق، ويعقوب، ونوح، وداود، وسليمان، وأيوب، ويوسف، وموسى، وهارون، وزكريا، ويحيى، وعيسى، وإلياس، وإسماعيل، واليسع، ويونس، ولوط، وآدم، وهود وصالح، وشعيب، وإدريس، وذو الكفل، ومحمد عليهم جميعا أفضل الصلاة والسلام. وهؤلاء وغيرهم جميعا يمثلون الموكب النوراني الذي ينبغي للمؤمن أن يربط به قلبَه وروحَه من خلال محبتهم وإدخال أسمائهم في دعاء الرابطة بالصلاة والتسليم عليهم. والإيمان باليوم الآخر واجب، فإن كان الإيمان بالله تعالى هو المعرفة بالمصدر فإن الإيمان باليوم الآخر هو المعرفة بالمصير. فإذا فقد المؤمن المعرفة بالمصدر والمصير فهذا يعني أن حياته تسير بلا هدف وبلا غاية. وإذا كانت رحلة الإنسان الكبرى تستغرق أربعة عوالم وهي: عالم الذر وعالم الدنيا وعالم البرزخ وعالم الآخرة، فإن اليوم الآخر يمثل منها عالمين: البرزخ والآخرة. تبتدئ أحداثه من الموت مرورا بالقبر والبعث والنشور والحساب والميزان والشفاعة والصراط وينتهي بالجنة ورؤية الله تعالى أو النار والخلود فيها. والإيمان بالقدر خيره وشره واجب. وشعار المؤمن في ذلك قوله تعالى: قل لن يصيبنا إلا ما كتبه الله لنا هو مولانا وعلى الله فليتوكل المؤمنون 2، يحمد الله تعالى ويشكره في السراء، ويحمده ويصبر في الضراء، يشكر اللهَ على نعمه ويصبر على بلائه، فيدفع القدر بالقدر، يدفع قدر المرض بالدواء، وقدر الفقر بالعمل، وقدر الظلم بدفعه، وقدر الاستبداد بطلب العدل، وقدر الاستعباد بطلب الحرية والكرامة.

طالع أيضا  مفهوم الدين وبناء المراتب (1)

    وللإيمان خصائص منها: أنه يزيد بالطاعات كتلاوة القرآن وسماعه، يقول الله تعالى:  إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون 3. ويزيد عند نزول السكينة وسط مجالس الذكر والإيمان، يقول الله تعالى: هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم 4، وينقص بالمعاصي والذنوب باعتباره كالمال يُنفق منه ويصرف. ومن خصائصه أنّه يدخل إلى القلوب بالتوبة والإنابة، ويخرج منها بالكبائر والموبقات كالزنا مثلا حتى يصبح فوق رأس صاحبه كالظلة. ومن خصائصه أنه يبلى بالفتنة والغفلة ويتجدد بذكر الله عز وجل، ومن الذكر الإكثار من قول لا إله إلا الله. يقول النبي صلى الله عليه وسلم: “إن الإيمان يخلق (أي يبلى) في القلب كما يخلق الثوب فجددوا إيمانكم” 5، وفي رواية للطبراني والحاكم: “إن الإيمان ليَخلَق في جوف أحدكم كما يخلق الثوب، فاسألوا الله تعالى أن يجدد الإيمان في قلوبكم”. وفي حديث آخر قال النبي صلى الله عليه وسلم: “جددوا إيمانكم، قيل وكيف نجدد إيماننا يا رسول الله؟ قال: أكثروا من قول لا إله إلا الله” 6. ومن خصائصه أن له حلاوة وطعم يجدهما المؤمن في قلبه ويتذوقهما حين يخالط حبُّ الله ورسوله وحب المؤمنين شغاف قلبه. فعن أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “ثلاث من كن فيه وجد بهـنّ حلاوة الإيمان، من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد أن أنقذه الله منه، كما يكره أن يُقذف في النار” 7. وعن العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “ذاقَ طعم الإيمان من رضي بالله ربا، وبالإسلام دينا وبمحمد صلى الله عليه وسلم رسولا” 8. ومن خصائصه أيضا أنه يُتعلّم كما يتعلم القرآن، فإذا كان القرآن يُتعلم بالعقل فإن الإيمان يُتعلّم بالقلب، تتشرب وتستمدّ القلوب الصغيرة من القلوب الكبيرة. يقول سيدنا جندب رضي الله عنه فيما رواه ابن ماجة: “كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم ونحن فتيان حزاورة [أي نشطون]، فتعلمنا الإيمان قبل أن نتعلم القرآن، ثم تعلمنا القرآن فازددنا به إيمانا”. وفي الحديث أيضا عن عبد الله بن عمر رضي الله عنه قال: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إني أقرأ القرآن فلا أجد قلبي يعقل عليه (أي يتخشع به)، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن قلبك حشي الإيمان، وإن العبد يُعطى الإيمان قبل القرآن” 9.

السلوك الإيماني

كما للإيمان أركان ستة وله خصائص، له أيضا شُعب تزيد عن السبعين. أعلاها لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من شعبه. يقول فيه النبي صلى الله عليه وسلم: “الإيمان بضع وسبعون – عند البخاري بضع وستون- شعبة (زاد مسلم): أعلاها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان” 10. نجد ممن حاول إحصاء هذه الشعب وجمعها الإمام البيهقي رحمه الله في مؤلَّفه الكبير “الجامع لشعب الإيمان”، وقد أحصاها وعدّها في سبعة وسبعين شعبة. ونجد كذلك الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله الذي أحصاها في نفس العدد، إلا أن الإمام رحمه الله ما تميّز به في تصنيفه لها عن غيره هو أنه قسّمها حسب ما تحمل كل شعبة من معنى ودلالة وحمولة علمية وعملية إلى عشر مجموعات سماها الخصال العشر، مُعطيا لها أبعادا تربوية وتنظيمية وجهادية. وسأكتفي -للاطلاع عليها معرفة وتذكيرا- بإدراج شعب الإيمان كما صنّفها الإمام ياسين رحمه الله موزعة على الخصال العشر فهي الأنسب للعصر الذي نعيشه تربويا ودعويا وحركيا. وهي على الشكل التالي:

طالع أيضا  مفهوم الدين وبناء المراتب (2)

خصلة الأولى: الصحبة والجماعة

1) محبة اللّه ورسوله. 2) التحاب في اللّه عز وجل. 3) صحبة المؤمنين وإكرامهم. 4) التأسي برسول الله صلى الله عليه وسلم في خلقه. 5) التأسي به صلى الله عليه وسلم في بيته. 6) الإحسان إلى الوالدين وذوي الرحم والصديق. 7) الزواج بآدابه الإسلامية وحقوقه. 8) قوامة الرجل وحافظية المرأة. 9) إكرام الجار والضيف. 10) رعاية حقوق المسلمين والإصلاح بين الناس. 11) البر وحسن الخلق.

خصلة الثانية: الذكر

12) قول لا إله الا الله. 13) الصلاة المفروضة. 14) النوافل. 15) تلاوة القرآن. 16) الذكر وأثره. 17) مجالس الإيمان. 18) التأسي بأذكار النبي صلى الله عليه وسلم. 19) الدعاء بآدابه. 20) التأسي بدعواته صلى الله عليه وسلم. 21) الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم. 22) التوبة والاستغفار. 23) الخوف والرجاء. 24) ذكر الموت.

خصلة الثالثة: الصدق

25) الإيمان باللّه تعالى وبغيبه. 26) الإيمان باليوم الآخر. 27) النية والإخلاص. 28) الصدق. 29) النصيحة. 30) الأمانة والوفاء بالعهد. 31) سلامة القلب. 32) الهجرة. 33) النصرة. 34) الشجاعة. 35) تصديق الرؤيا الصالحة وتعبيرها.

خصلة الرابعة: البذل

36) الزكاة والصدقة. 37) الكرم والنفقة في سبيل اللّه. 38) إيتاء ذوي القربى واليتامى والمساكين. 39) إطعام الطعام. 40) قسمة المال.

خصلة الخامسة: العلم

41) طلب العلم وبذله. 42) التعليم والتعلم بآدابهما الإسلامية. 43) تعلم القرآن وتعليمه. 44) الحديث الشريف وإتباع السنة. 45) التعليم بالخطابة. 46) التعليم بالمواعظ والقصص.

خصلة السادسة: العمل

47) التكسب والاحتراف. 48) طلب الحلال. 49) العدل. 50) إماطة الأذى عن الطريق. 51) التواصي بالحق والصبر. 52) تأييد اللّه عباده الصالحين بالغيب. 53) البركة في أرزاقهم.

خصلة السابعة: السمت الحسن

54) الطهارة والنظافة. 55) آداب اللباس. 56) السمت الحسن والبشر. 57) الحياء. 58) آداب المعاشرة. 59) الجمعة والعيدان. 60) عمارة المساجد.

خصلة الثامنة: التؤدة

 61) الصوم. 62) القيام في حدود اللّه عز وجل. 63) حقن الدماء والعفو عن المسلمين. 64) حفظ اللّسان والأسرار. 65) الصمت والتفكر. 66) الصبر وتحمل الأذى. 67) الرفق والأناة والحلم ورحمة الخلق. 68) التواضع.

خصلة التاسعة: الاقتصاد

69) حفظ المال. 70) الزهد والتقلل. 71) الخوف من غرور الدنيا.

خصلة العاشرة: الجهاد

72) الحج والعمرة. 73) الجهاد في سبيل اللّه عز وجل. 74) التأسي برسول اللّه صلى الله عليه وسلم وبأصحابه في الجهاد. 75) الخلافة والإمارة. 76) المبايعة والطاعة. 77) الدعوة الدائمة إلى اللّه عز وجل 11.

هذه الشعب السبعة والسبعين تمثل في مضمونها الجانب العملي السلوكي للإيمان، فكلما كان التطبيق لعدد أكبر من شعب الإيمان كلما كان مجموع المؤمن جيدا ومرتفعا من خصال الخير يرتقي بها حتى يشرف على مقام الإحسان الذي هو المرتبة الثالثة.

أهمية المرتبة الإيمانية

نجد في القرآن الكريم وفي الحديث النبوي ذكرا للإيمان وتأكيدا عليه ودعوة إليه أكثر من غيره لما له من أهمية، ويظهر ذلك:

– في كون المؤمنين هم المخاطبون في القرآن بــــيآ أيها الذين آمنوا وهو أرقى خطاب لتحمل مسؤولية الوقوف عند الأمر والنهي، والحلال والحرام بعد خطاب يآ أيها الإنسان ويآ أيها الناس.

– وفي كون الإيمان لتعرضه للبلى والخولقان هو المراد بالتجديد من الدين، فهو يرتبط بالقلب، والقلب هو المحرك للجوارح والمحفز على النهوض بالمسؤولية والقيام بجلائل الأعمال مثل الدعوة والجهاد.

– وفي كونه المرتبة الجوهرية التي كان المؤمنون زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعده يحرصون أشدّ الحرص عليها من غيرها. وذلك بالسؤال عن أحوالهم الإيمانية والمطالبة بعقد المجالس له لتجديده والزيادة فيه. فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن حارثة جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم:” كيف أصبحت يا حارثة؟ قال: أصبحت مؤمنا حقا، قال:” يا حارثة، إن لكل حقّ حقيقة فما حقيقة إيمانك؟”. قال: عزفت نفسي عن الدنيا، فأسهرت ليلي وأظمأت نهاري، وكأني أنظر إلى ربي عز وجل على عرشه بارزا، وكأني أنظر إلى أهل الجنة في الجنة يتنعمون، وأهل النار في النار يُعذبون. فقال له: “عرفت فالزم” (وفي رواية: أبصرت فالزم، وفي أخرى: “عرفت فالزم”، ثمّ قال: “من أحبّ أن ينظر إلى عبد قد نوّر الإيمان في قلبه فلينظر إلى حارثة” 12.

طالع أيضا  مفهوم الدين وبناء المراتب (4)

تقتضي مرتبة الإسلام من المسلم أن يحرص على الفرائض وأن يحفظ حدود الله تعالى، أما مرتبة الإيمان فتقتضي من المؤمن أن يحرص على فضائل الأعمال ليترقى أكثر في سلم الدين ودرجاته. والأعمال الفاضلة التي رغّبنا فيها الشارع لما فيها من أجرٍ وثواب كبيرين هي كثيرةٌ لا تعدّ ولا تحصى. نذكر منها ما جاء في هذين الحديثين على سبيل المثال، الأول يخدم الخلاص الفردي: عن أوس بن أوس الثقفي رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “من غسل يوم الجمعة واغتسل ثم بكر وابتكر ومشى ولم يركب ودنا من الإمام فاستمع ولم يلغ كان له بكل خطوة عمل سنة أجر صيامها وقيامها”[ref]حديث رواه أحمد وأبو داود والترمذي وقال: حديث حسن صحيح.[/ref].  والثاني يخدم الخلاص الجماعي: وهو هذه الكلمة التي قالها النبي صلى الله عليه وسلم لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه لما دفع له الراية يوم خيبر فقال له عليٌّ رضي الله عنه: أقاتلهم حتى يكونوا مثلنا؟ فقال له النبي صلى الله عليه وسلم:” انفذ على رسلك حتى تنزل بساحتهم، ثم ادعهم إلى الإسلام، وأخبرهم بما يجب عليهم، فوالله لأن يهدي الله بك رجلا خير لك من أن يكون لك حُمْر النَّعَم” 13. والملاحظ على أحاديث فضائل الأعمال أنها غالبا ما تكون بصيغة: “من… فله…”.

من مقتضيات الإيمان الأساسية في وجوده أو عدمه، وفي كماله أو نقصانه، وفي قوته أو ضعفه، المحبة الإيمانية. والأحاديث الواردة في التأكيد على هذا الأمر كثيرة، إذْ تمثل المحبة الإيمانية أصلا من أصول الإيمان الكبيرة، بدونه يفقد الإيمان حقيقته. وهذا الأصل يجمع حبّ الله تعالى وهو منبع كل حب، وحب رسوله صلى الله عليه وسلم وهو النعمة العظمى، وحب المؤمنين وهو اللحمة الجامعة لقلوبهم، وحب كلّ من ينفع حبه عند الله عز وجل من مخلوقاته. ففي الحديث قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لما طلع له جبلُ أحد: “هذا جبل يحبنا ونحبه” 14. وفي حديث آخر رواه الإمام البخاري عن الجذع الذي اتخذه رسول الله منبرا، أنه لما تخلى عنه حنّ إليه الجذع حنين الناقة محبة وشوقا، فجاءه النبي صلى الله عليه وسلم “فاحتضنه فسكن”.

ومن أجل توثيق وتثبيت وترسيخ هذا الحبّ بكل أنواعه في قلوب المؤمنين لا بد من تربية إيمانية تقوم على الصحبة الإيمانية وعلى الإقبال على ذكر الله وعلى طاعته. والتربية الإيمانية مكانها مجالس الذكر والعلم والإيمان.

 


[1] رواه الإمام مسلم رحمه الله.
[2] التوبة:51.
[3] الأنفال:2-4.
[4] الفتح:4.
[5] رواه الإمام أحمد وحسنه السيوطي.
[6] رواه الإمام أحمد والطبراني، ورجال أحمد ثقات، والحديث صححه السيوطي.
[7] رواه البخاري ومسلم رحمهما الله تعالى.
[8] رواه الإمام مسلم رحمه الله.
[9] رواه الإمام أحمد رحمه الله.
[10] رواه الشيخان رحمهما الله تعالى.
[11] ينظر ياسين عبد السلام، مقدمات في المنهاج، ص:76 وما بعدها.
[12] رواه الإمام ابن حبان رحمه الله، وقيل الحديث في سنده ضعف.
[13] رواه الشيخان في الصحيحين.
[14] رواه الإمام البخاري ومسلم رحمة الله عليهما.