من كتاب المدهش لأبي الفرج ابن الجوزي رحمه الله.

إخواني، دنا رحيلكم، وقد بان سبيلكم، وسيهجركم خليلكم، وقد نصحكم دليلكم.

يا مقيميــن ارحلوا للذهاب *** بشفير القبـــــور حط الركــاب

نعمـــوا الأوجــه الحســان *** فما صونكموها إلا لعَفْر التراب

والبسوا ناعم الثيـاب ففي *** الحفرة تعرون عن جميع الثياب

قد نَعَتْك الأيام نعيا صحيحا *** بفــراق الإخـــوان والأصحـاب

تذكر يا من جنى ركوب الجنازة! وتصور ما من مأوى في طول المفازة، ودع الدنيا مودعا للحلاوة والـمُزَازة، ارقمْ من قلبك ذكر الجزاء على جُزَازَة. كم ظالم تعدى وجار! فما رعى الأهل ولا الجار، حل به الموت فحل الأزرار، وأدبر عن الأوامر فأحاط به الأدبار، ودار عليه بالدوائر فأخرجه من الدار، وخلا بعمله ثاني اثنين ولكن لا في الغار، فانتبهوا فإنما هي جنة أو نار.

تعــــلقت بآمـــــــال *** طــــوال أي آمـــــال

وأقبلت عـلى الدنيا *** ملحـــــا أي إقبـــــال

فيا هذا تجهز لفراق *** الأهــــل والمـــــــال

فلا بد من المــــوت *** على حــال من الحال

يا من يحدثه الأمل فيستمع! ويخوفه الأجل فلا يرتدع، وصل الصالحون إلى المنى يا منقطع، وجوزوا على صبرهم، إي والله لم يضع. تلمح العواقب فتلمحها للعقل وضع، كأنه ما جاع قط من شبع. إذا تلاقحت غروس المجاهدة تلاحقت ثمار المدائح.

أفلح قوم إذا دُعوا وثبــــوا *** لا يحسبون الأخطار إن ركبوا

سارون لا يسألون ما فعل *** الفجر ولا كيف مالت الشهب

عودهم هجرهم مطالبــة *** الراحة أن يظفروا بما طلبـــوا

إشراف الأوصال أوصاف الأشراف، سادات العادات عادات السادات، أحرار الشيم شيم الأحرار، أقدموا على الفضائل وتأخرت، وقدموا الأهم وأخرت. الشجاع يلبس القلب على الدرع، والجبان يلبس الدرع على القلب.

للمتنبي:

وتكـاد الظبـــــا لما عـــوَدوها *** تَنْتَضي نفسها إلى الأعناق

وإذا أشفق الفوارس من وقع *** القَنَا أشفقــوا من الإشفاق

ومعــال لو ادعــاها ســواهم *** لزمــته جنـــاية الســـــراق

لوح للقوم فأجابوا، وكرر الصياح بك وما تلتفت. إذا سمعوا موعظة غرست في قلوبهم نخيل العزائم، ونبات عزمك عند الزواجر كنبات الكشوثا. كم بين ثالثة الأثافي وسادسة الأصابع! بع باعا من عيشك بفتر من حياتهم. لو صدق عزمك قذفتك ديار الكسل إلى بيداء الطلب.

كان سلمان رضي الله عنه أعجميا، فلما سمع بنبي عربي صار بدوي القلب.

ولقد أحــنّ إلى زرود وطيــــنتي *** من غير ما فطرت عليه زرود

ويشوقني عَجَف الحجاز وقد ضفا *** ريف العراق وظله الممدود

ويطــرب الشــادي وليس يهـزني *** وينــال مني السـائق الغريد

أين وصفك من هذه الأوصاف؟ أين شجرة الزيتون من شجر الصفصاف؟ صعد القوم ونزلتَ، وجدّوا في الجد وهزلت.

شمّ العـــــرانين في أنــــافهم أنـــف *** من القبيح وفي أعــناقهم صيد

إن تلقـهم تلق منهم في مجالسهم *** قوما إذا سئلوا جادوا بما وجدوا

نالوا الســماء وحطوا من نفـــوسهم *** إن الكرام إذا انحطوا فقد صعدوا

إن بينك وبين القوم كما بين اليقظة والنوم. أين مسك من حَمْأة، ونجور من بخور، وصفوة من قَذى؟

دخلوا على عابد فقالوا له: لو رفقت بنفسك، فقال: من الرفق أتيت.

اسمع يا كسلان! كانوا في طلب العلى يجتهدون، ولا يرضون بدون على أنهم يعانون فيما يعانون، القوم مع الحق حاضرون عن الخلق غائبون، فقولوا لعاذليهم: لمن تعذلون؟

للمهيار:

كثــر فيــــك اللــوم *** فأين سمـعي منهم

قــلبي واللوم عليك *** منجـــــد ومتـــهم

قالوا سهرت والعيون *** الساهــرات نــوم

وليس مــن جسمك *** إلا جـلدة وأعظــم

ومــا عليهم سهري *** ولا رقــادي لـــهم

وهــل سمات الحب *** إلا سهـر وسقــم

خذ أنت في شــأنك *** يا دمعي وخـل عنهم

كان بشر رحمه الله لا ينام الليل ويقول: أخاف أن يأتي أمر وأنا نائم.

رقـــــــد السمّـــار وأرقــه *** هم للبيــــن يـــــردده

فبكــــاه النجــــم ورق له *** مما يرعـاه ويرصـــــده

وغـدا يقضــي أو بعد غــد *** هل من نظــــــر يتزوده

يهوى المشتــاق لقاءكــم *** وصُـروف الدهر تقــيده

بقي بشر رحمه الله خمسين سنة يشتهي شهوة فما صفا له درهم، وبضائع أعماركم كلها منفقة في الشهوات من الشبهات.

أبشروا بطول المرض يا مخلطين.

وويــــــــلاه من ضيـاع كل العمر *** قد مر جمـيعه بمـــــر الهـــجر

ضاعت حيلي وضل عني صبري *** يا قوم عجزت من تلافي أمري

يا من فاتوه وتخلف! بلّ ثراهم من دمع الأسف.

دع شأن عينك يا حزين وشأنها *** وضع اليدين على الحشا وتململ

هذا وإن فــــراقهم ولقــــــل ما *** يغني وقوفك سـاعة في المنزل

جُزْ بنادي المحبة، وناد بالقوم تراهم كالفراش تحت النيران.

للشريف الرضى رحمه الله:

يا دار من قتل الهوى بعدي *** وجدوا ولا مثل الذي عندي

لو حـركت ذاك الرمــــــاد يد *** لرأت بقــــايا الجمر والوقـد

تشتد عليهم نار الخوف، فيشرفون على التلف. ينبسطون انبساط المحب، ثم ينقبضون انقباض الخائف. هذا اللَّيْنُوفَر ينشر أجنحة الطرب في الدجى، فإذا أحس بالفجر جمع نفسه واستحى من فارط، فإذا طلعت الشمس نكس رأسه في الماء خجلا من انبساطه.

أباسطه على جزع *** كشرب الطائر الفزع

رأى ماء فأطمــعه *** وخاف عواقب الطمع

فصادف فرصة فدنا *** ولم يلتـذ بالجــــرع

كلما جاء كلامي صعد، كلما زادت الوقود فاحت ريح العود. أفيكم مستنشق أو كلكم مزكوم؟ أتجدون، يا إخواني، ما أجد من ريح النسيم؟

ألا يــا نسيم الريح مالك كلما *** تجاوزت ميلا زاد نشْرُك طيبا

أظن سليمى خبرت بسقامنا *** فــأعطتك ريّاها فجئت طبيبا