بسم الله والحمد لله وتمام الرضى بالله، سبحانه هو فتح لعباده وتعرف إليهم وناول وأعطى، سبحانه هو نفحهم نورا وقربا، وهو كشف لهم رحمة وفضلا، سبحانه هو يجتبيهم ويصطفيهم ويمحصهم وينصرهم ويتولى، وصلى وسلم دائما وأبدا، على سيد دعاة المحبة والهدى، الحبيب محمد ماحي الدجى، وعلى آله وصحبه وإخوانه وحزبه، وعلى جميع الأنبياء والصديقين والصالحين والشهداء.

عرفة موسم الشوق والفرح بالله تعالى

عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إن الله أخذ الميثاق من ظهر آدم بنعمان -يعني عرفة- وأخرج من صلبه كل ذرية ذرأها، فنثرهم بين يديه كالذر، ثم كلمهم قبلا، قال: وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَا أَن تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ {172} أَوْ تَقُولُواْ إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِّن بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ {173}” سورة الأعراف-“ 1.

هذا الميثاق الأول 2 لما كانت الأرواح في ظلمة واحدة تسكن ظهر أبي البشر نبي الله آدم صلى الله عليه وعلى سيدنا محمد وسلم، أخرجها ربها من ظلمة وضيق وانتظار، إلى نور ربها وفسحة معرفته وشهود وجوده ورؤية جماله سبحانه ونوره، خفقت الأرواح يومئذ مسبحة بحمد ربها وشكره أن أوجدها من الفناء والعدم وأحضرها لحضرة قدسه وتحننا منه وتكرما، أشهدها فشهدت، بعد أن أنشأها نشأة الوجود والبقاء به تعالى، هذا الميلاد الأول، هذا الفتح الأول، عهد وميثاق، وبسط وإشراق، يوم أن تفضل ربنا ذو الجلال والإكرام على كل نسمة برحمته، يوم عرفة، يوم أن عرفت كل روح أن لها خالقا وبارئا ورحمانا ووليا، العهد الشوق إليه هو لا غير، والميثاق ذكره هو فحسب، روح عرجت يومئذ إلى ربها فرحا به ورضا وطلبا له، فكان النبي والصديق والصالح والشهيد، وروح خنست وخنعت، فقعدت وتقاعست، فكانت من المبعدين مسجونة في ظلمتين، محبوسة بين نارين، ظلمة الحرمان من الله سبحانه وظلمة السقوط من عين رحمته، ويوم يكشف عن الحساب يتجلى العذاب لها صنفين، نار تحرق الروح والجسد، ونار من الخسران والحسرة والكمد: يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ لَا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِّلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْراً مَّحْجُوراً {22} وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاء مَّنثُوراً {23} أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُّسْتَقَرّاً وَأَحْسَنُ مَقِيلاً {24} وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاء بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنزِيلاً {25} الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ وَكَانَ يَوْماً عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيراً {26} وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً {27} يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَاناً خَلِيلاً {28} لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنسَانِ خَذُولاً {29} -سورة الفرقان-.

اللهم تكرم علينا برحمتك، وأرحنا بذكرك، ورقنا إلى نور معرفتك، وتفضل علينا بشهود فضلك، وأكرمنا بتحقيق شكرك وانفحنا بأداء حق حمدك، أنت ولينا يا أرحم الراحمين!

عرفة وذكرى أول العارفين

يا سّيدي يا أرحم الرحمات! ها قد حلّ موسم الرحمة وفصل الجمال، وزمن البسط وصبح الوصال، وبفرحة ذكرى أجمل البشارات وأنفسها، ذكراكم يا سيدي يا طه، وذكرى مواسم أهل النبوة والرسالات، هذه جموع أهل الرحمان تفد عند الموعد، لتشهد تمام النعمة وأعظم المنة، هؤلاء حجيج أهل الله تعالى وضيوفه، يحتشدون كما كان الموعد الأول واللقاء الأول يوم عرفة الأول، وفاء وصفاء وسر ورحمة ونور متصل، المكان جبل الرحمة، والزمان ذو الحجة، والموعد الله عزوجل والشوق إليه وطلبه سبحانه، رجاء فيه ورجوع إليه وتوبة وأوبة، والإشراق حضرتكم يا نبي الله، يا سندنا القائم الحي: “حياتي خير لكم تحدثون ويحدث لكم، فإذا أنا مت كانت وفاتي خيرا لكم، تعرض علي أعمالكم: فإن رأيت خيرا حمدت الله، وإن رأيت شرا استغفرت لكم” 3.

يا سراج الله الكاشف الماحي! كما استفتح سيدنا آدم، ختمتم ياصاحب النور الأكمل، ومابين الركن والمقام، فتوحات من اجتبي واصطفي من أهل النبوة والرسالات، في مثل هذه الأيام رضي ذو الجلال والإكرام على عباده الصالحين، وتعرف إليهم برحمته، وأذِن بفتحه التام ونصره المبين، كل بأجل وكتاب، وميقات معلوم وحساب.

فأتم الصلوات وأنورها، وأقدس الصلوات وأمجدها، وخير الصلوات وأبهجها، عليكم يانبي الله، وأزواجكم أمهات المؤمنين، وذريتكم وآل بيتكم الطاهرين، وجميع أهل سلسلة النور الكريم، من نبيئين وصديقين وشهداء وصالحين، في العالمين كما رجوتم، ياسيدي يارسول الله! وأحببتم، وأُكْرِمتم ورضيتم.

مناجاة وشكوى

يا سيدي يا رسول الله! ها قد رجع الزمّن كما كان، قبل فتحكم الأول، قبل يوم: إِذَا جَاء نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ {1} وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجاً {2} -سورة النصر-، ظلام عمّ الأرض من جديد، وتقطّعت الأسباب، وسدت الأبواب، وبلغت القلوب الحناجر، وأظلم الوجود بظلم العباد، وظهر الفساد في البر والبحر، وعلا المستكبر كفرا وطغيانا، وانكسر المستضعف قهرا وإذلالا، حتى ضاقت الأرض بما رحبت، والكل بين المستغيث والمستجير، ولا حياة. ومن ذا الذي ينتصر فلا يؤخذ على أم رأسه فيشقى ويردى، ويكون نكال الآخرة والأولى. الظلم عدل اليوم.. ، والويل والنار والشنار لمن ينكر أو يرفض..، لا عدل اليوم، وعلى الدنيا لاَ سلام!.

هذه أمتك يا سيد الوجود! كم من أصحاب الأخدود؟ كم من سيدنا يحيى؟ كم من سيدنا زكريا؟ كم من سيدنا أيوب؟ – سلام على المرسلين-، الكل بين مُحرَّق وشهيد ومكروب، الكل صرعى في جنب الله المولى، نُسخ وقصص وعبرات وعبر، كما في آي القرآن والسور، كتابك الحي، حجة الله العليا، ترى على مرِّ العصور والدهر. هذه قصص أمّتك يا تاج الأنبياء!، كما بلغت ومنذ للملإ الأعلى انتقلت، وللرفيق الأعلى اخترت.

يا سيدي يا سراج الوجود! وأنت اليوم ترى، وقبله قبل أن نكون، حيث كنت ورأيت، وأخبرت وبكيت، وبشّرت ونهيت: فتن ومصائب ومحن وبلايا، كقطع الليل المظلم عليك يا أمتي ستتوالى، ونور من بعدها بصبح مسفرا يتجلّى، عدل محمّدي وإحسان، وجمال يلف الأرض ويتحلّى.

يا نبينا! يا هادينا! هذه شجرة دينك الإسلام التي غرستها في أرض قلبك، وسقيتها بأنوار روحك، هذه ثمرة دعوتك أمتك، هذه القرابين والأضاحي والضياء، هذه التزكية والعقبات والاصطفاء، هذا العضّ البغيض ولّى، وهذا الجبر المارد على انتهاء، ياسيدي يارسول الله!، هذه بشارتك الصبح ها قد هلّت، بنورك الأكمل ومددك الفياّء، وفي ذكرى الأذان الأول، ذكرى حجك الزهراء الفيحاء، ذكرى: “تركتكم على المحجة البيضاء” 4.

يا سيدي! يا فرحة الوجود!، ويحل الحجيج ضيوف الرحمان على روضتكم الشريفة، هذه أمتك تحن إليك وتفد عليك هذا العام، بالبيعة والحب والوفاء، هذا البيان منكم هذا الفتح المبين، بلاغ للناس منكم، ومنشور لقوم مومنين: كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ -سورة الأنبياء الآية 104-.

وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ -سورة الصف الآية 6-.

فالصلاة عليكم، يا سيدي! يا رسول الله! ما فاح لكم الورد وانبثقت الأزهار! الصلاة عليكم، يا سيدي! يا رسول الله! بكل الحب وكل النثر وكل الأشعار! الصلاة عليكم، يا سيدي! يا رسول الله! يوم سُعد الكون بكم وسرِّج بالأنوار!

وذكرى لأهل الشوق

وهذه ذكرى المؤذن الأول سيدنا بلال ابن رباح رضي الله تعالى عنه، صاحب: أحد أحد)، لا أرضى عن ربي حولا ولا بديلا، ولو حرقتم الجسد وعذبتم ونكلتم بي تنكيلا!. بلال رضي الله عنه هجر المدينة أخيرا حزينا مكلوما بعد أن غاب عنها سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وحتى مع إلحاح شديد عليه بالبقاء من سيدنا أبى بكر الصديق رضي الله تعالى عنه، رفض مصرا على الرحيل بعيدا، لا يطيق غيبة الحبيب المصطفى ولا يصبر عليها، وبعد سنين يحن بلال ويشتاق… وفي القلب أسرار وأي أسرار!، فيرجع رضي الله تعالى عنه وأرضاه ويهرع للمقام المحمدي، وينتحب هناك طويلا، ثم يلمح ريحانتي رسول الله صلى الله عليه وسلم سيدنا الحسن والحسين رضي الله تعالى عنهما قادمين، فيضمهما إليه ويشمّهما وهو يبكي وينتحب، ولما رجياه أن يؤذن لهما وألحا عليه… أذّن رضي الله عنه كما كان يؤذّن للحبيب الأول، وخرجت يومها كل المدينة بين بكاء وفرحة، ودهشة وبهجة، فقد أشعل القلوب من الشوق والحنين لسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، حتى قال أهل طيبة: رسول الله صلى الله عليه وسلم رجع…

يا صحابة رسول الله! يا نجوم الثُريّا! يا أعلام الهدى! قد أرشدتم وعلّمتم، ووصّيتم وأكّدتم، وأعلمتم ونشرتم: الحبّ المحّمدي لايوازيه عمل ولا يزنه قربان!، الحب الأحمدي أفضل الأعمال وأصل الإيمان! فرضي الله عنكم أيها الصحب الكرام وأرضاكم.

وصدق رب العزة الحنّان المنّان إذ يقول: لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌعَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ {128} فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُلْ حَسْبِيَ اللّهُ لا إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ {129} -سورة التوبة-. وصدق حبيب الله ورسوله صلى الله عليه وسلم: “أحبوا الله لما يغذوكم به من نعمه، وأحبوني لحب الله، وأحبوا أهل بيتي لحبي” 5.

فأين المشتاقون؟ أين المحبون؟ أين المتشوفون؟ أين الذاكرون للحبيب الأول سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.

قال الشاب الحسني الشريف، أخي الحبيب سيدي طارق العمراني:

أيـا ربِّي بلِّغ من سلامـي عاطـرا ** يفــوق فـتيت المسك في طيِّ نشـره

إلى السّـيد المخــتار من آل هاشم ** وأكْرَمِ من يــومي الجــلالُ لفخـره

إلى النّور نــور الله فاض فأشرقت ** بـه غُــرَّتا شمس الإلـه وبــدره

إلـى السِـرّ سِرِّ اللهِ في خــلق آدم ** إلى خيــر من أوحى له روحَ أمـره

إلى السيِّد الهادي نـــور الـورى ** إلى الأبلــج فـاح الكون من عطـره

إلى الحبيب من تاه الحُبُّ في عطفـه ** إلى الذي نكــرع الخيــر من خيره

إليك أشواق وجــدي وآهات جوى ** وصلـوات حب في كتاب الله وسفـره

صلاة الله عليك سيـــدي تتــرى ** من أقدس البقــاع من القلب في طهره

صلاة الله عليك سيـــدي تـتـرى ** من أنفس القلاع من المغرب من بشره

صلاة العــرس الأول حين ولدتـم ** وبهجـة الســرِّ لمَّا رأى وسيـــره

وعلى الآل وعتـــرة البيت حماته ** وارثـي عــرف محمـــد وزهـره

وقلت مرتجزا:

قلبي من جواكم حبيـبي قد احترقـا ** وذكــراكم لي نجــوى ولــذة وبــكـا

دمعي هتون والسـر حائر قد وقفـا ** يشهد نوركـم ويستغيــث متى اللقـا

تقطعت أسبــابي وحزني قد رقـى ** بالكمــد أســفا وشمـلي قد تفـــرقا

لا لذة ولا عيش لي ولا أمن قد تحققا ** بــل كدر وانكســار وشـرب ما صفـا

صبــرت نفسي وعزيتها مشفقــا ** فصــاحت لا أصبر وجــلدي قد مرقــا

كفرت بالعلائق وكلي بك قد تعلـقـا ** برئــت من الأوهــام والسر قد أشرقــا

من نوركم سيدي وحـب قد تفتقــا ** من رضــاكم سيــدي وقرب قد توافــقا

صُمت عن سوى الحبيب هوى ووفـا ** نــبي الله أحمد سـيد أهل الطهر والنــقا

وواليت آل البيت سندي منارات التقى ** وصلى ربي عليهم وسلم بعدد ما صور وخلقا

سبحان الله والحمد لله، ولا إله إلا الله، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد. اللهم صلِّ على سيِّدنا محمَّد النَّبي وأزواجه أمَّهات المؤمنين وذريَّته وأهل بيته، كما صلَّيت على آل سيِّدنا إبراهيم إنك حميد مجيد، صلاة القرب والرضا، والسعادة والهنا، وآخر دعوانا الحمد لله رب العالمين.


[1] رواه الإمام أحمد.
[2] قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إني سألت ربي أولاد المشركين فأعطانيهم خدما لأهل الجنة، لأنهم لم يدركوا ما أدرك آباؤهم من الشرك، ولأنهم في الميثاق الأول). أخرجه الحكيم الترمذي عن أنس رضي الله عنه وحسنه السيوطي.
[3] ابن سعد عن أبي بكر رضي الله عنه مرسلا، وأخرجه البزار من حديث ابن مسعود رضي الله عنه بسند صحيح، قال الهيثمي: ورجاله رجال الصحيح.
[4] رواه ابن ماجه في سننه (43) والحاكم في المستدرك (1/96) وأبو نعيم في المستخرج (1/36) وأحمد في مسنده (28/367) والطبراني في الكبير (18247 و257) وفي مسند الشاميين (3/173) وابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله (2/1163) وغيرهم من حديث العرباض بن سارية. وقد صححه أبو نعيم بهذا اللفظ وكذا الحاكم وغيرهما.
[5] أخرجه الترمذي والحاكم في المستدرك عن ابن عباس رضي الله عنهما، وصححه السيوطي.