3-     نظر صحيح وتواصل فعال:

 في سعي صادقي الأمة إلى الخروج بها مما هي فيه لا غنى لهم عن نظرة صحيحة لحالها أولا. إنه جهد جبار أهل أن تتعاون عليه الطاقات الكثيرة وتتقاسم مهامه كل حسب اختصاصه وما يتقن. لا حركة جمعية صائبة نحو الأفضل ترجى دون إبصار آفاقي أرضي واضح للقوى الفاعلة في الكوكب للكيانات الاقتصادية والدول والتكتلات ومحركات الفعل على المستوى الدولي ولاعتبارات كل قوة وتحالفاتها وأسباب تلك التحالفات وللرأي العام الدولي والمؤثرات فيه ولوزنه وتأثيره على القرارات الكبرى. ..

لا بد من استفراغ الوسع والبحث الممأسس الدقيق الممتد عبر الزمن ولابد من تشبيك جيد لمؤسسات هذا البحث بعيدا ما أمكن عن الحزبية الضيقة وتحليا قدر المستطاع بسعة الصدر والاعتراف للآخر بحريته في الفهم والتعليق وطرح الأسئلة.

لا غنى كذلك عن عمل إعلامي جاد يضع الناس في الصورة الصحيحة متينة صلته بالجهود العلمية المذكورة سابقا. وإنها لمن أعظم الخدمات التي يمكن أن تتقرب بها النخب إلى سيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نظرة صحيحة لعالم اليوم واضحة المعالم مبسطتها. يحتاج الشباب وفي مثل هذا العصر خاصة إلى تصوير صحيح لحقيقة أوطانه، لحقيقة وضعها الاقتصادي، لحقيقة مواردها وخيراتها ولإمكانيات نهوضها المادية واللامادية. للقوى الخارجية ولسياساتها ومصالحها وطرق تحكمها في قرارات الدول الضعيفة. على النخب العلمية والإعلامية والسياسية أن تصارح الأجيال الصاعدة بحقيقة الوضع الذي تمر منه الأمة بآثار الإفساد والنهب والتفسيق وبضرورة تمريض الوضع برفق وتؤدة وعلو همة حين يأذن الله عز وجل بالسياقات المواتية.

بقليل من الإنصات واحترام الآخر واحترام حقه في التفكير وحقه في المعارضة وحقه في الحب وحقه في البغض توفر المجتمعات كما نرى بأمهات أعيننا في أقطار مجاورة الكثير من الجهد والوقت والطاقة. كم كان التعنت والأحكام المتصلبة ولا يزالان قاتلين لكل قابلية للتعاون على نصرة القضايا العادلة… بل كم طحن الأبرياء ونهبت الثروات واستأسد الباطل لحماقة ابتلي بها المستهدفون بالظلم عكسها إدخال بعضهم بعضا في دوامات من الاتهام والاتهام المضاد لا مخرج منها للجميع إلا إلى مزبلة التاريخ. يسب أحدهم الآخر في الجريدة أو الموقع أ فيرد الآخر التحية بخير منها أو مثلها من الجريدة أو الموقع ب. تتوالد الشتائم والعبارات والأوصاف وتمر السنون فتسأل عن الحصيلة فلا تكاد ترى غير انفجارات صوتية في الهواء ذهبت إلى غير رجعة وساعات بل سنين ثمينة استهلكت في لا شيء وعبور دنيوي يوشك أن ينتهي ضيعه المنخرطون في حماقة الشتم والكراهية المتبادلين وأكف ينفر بعضها من بعض وتستغرب لم لا يسمع في الآفاق أي تصفيق؟.

نعيد طرح السؤال من جديد:

كيف هي القلوب والعقول والجوارح السائرة إلى لقاء الله عز وجل سبحانه طوعا وكرها إذا تسارعت الأحداث الكبرى واستأسد الاستكبار العالمي والمحلي المستفرد غصبا بخيرات الأرض، المحتكر جهارا نهارا للصواب والحق، الناعت ما سوى تعريفاته ورؤاه بما طاب له من أوصاف التشدد والإرهاب والظلامية والانفصالية؟

قال الحق سبحانه عز وجل قبل هذه الأحداث وبعدها وهو القديم ليس قبله شيء وهو الباقي سبحانه ليس بعده شيء فاستقم كما أمرت ومن تاب معك ولا تطغوا إنه بما تعملون بصير هود 112. مهما كان ما أظهره الله في الكون ومهما كانت الأحداث، لم يطلب إلينا الحق سبحانه غير الاستقامة على أمره. لننصت إلى العظيم الطبري رحمه الله يفسر الآية ثم نواصل:  قال أبو جعفر:  يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم:  فاستقم أنت، يا محمد، على أمر ربك، والدين الذي ابتعثك به، والدعاء إليه، كما أمرك ربك ومن تاب معك، يقول:  ومن رجع معك إلى طاعة الله والعمل بما أمره به ربه من بعد كفره ولا تطغوا، يقول:  ولا تعدوا أمره إلى ما نهاكم عنه. إنه بما تعملون بصير، يقول:  إن ربكم، أيها الناس، بما تعملون من الأعمال كلها، طاعتها ومعصيتها. بصير، ذو علم بها، لا يخفى عليه منها شيء، وهو لجميعها مبصر. يقول تعالى ذكره:  فاتقوا الله، أيها الناس، أن يطلع عليكم ربكم وأنتم عاملون بخلاف أمره، فإنه ذو علم بما تعملون، وهو لكم بالمرصاد”. تفسير سيدنا الإمام الطبري رحمه الله.

استفراغ الوسع حتى يستقيم النظر الجمعي على أمر الله عز وجل…

استفراغ الوسع حتى يستقيم الخطاب الجمعي للأمة على أمر الله عز وجل…

استفراغ الوسع حتى يستقيم التواصل بين نخب الأمة على أمر الله عز وجل…

استفراغ الوسع حتى يستقيم تحرك الأمة على أمر الله عز وجل…

فلا يحملن أحدنا الجهد البشري فوق طاقته فينتظر من المشاريع والطروحات الفكرية أن تمد الناس بوصفة للنهوض بالأمة تحيط بكل السيناريوهات الممكنة وتهيء لكل مشهد الأفكار المناسبة والحلول الناجعة… فبعد أن تستنفذ الأمة أقصى قدراتها على التفكير والفهم والتحليل قد تبدو الظروف الموضوعية محبطة ولا حل في الأفق. فما العمل إذن؟

ذو العرش المجيد فعال لما يريد البروج 16. صدق الله العظيم.

إذا قمت أيها الإنسان بكل ما تستطيع تجاه وضع منحرف عن العدل مغيب فيه نشدان الإحسان فليطمئن قلبك لله الفعال لما يريد… لا تضيع فكرك في كيف ومتى فذلك سيتكلف به الله عز وجل ذو العرش المجيد الفعال لما يريد. ستصبح قضية الانتقام للمظلوم قضيته هو سبحانه. وسيأتي بأسه بنيان الظالمين من حيث لم يحتسبوا إمعانا منه سبحانه في الاستهزاء بمن لم يرعو بتحذيره عز وجل ووعيده. .

وكما أبى سبحانه ألا أن يرزق المؤمن المتقي من حيث لا يحتسب تعرفا إليه وحفظا له من الاتكال من حيث القلب على كسبه، كذلك يأبى سبحانه إلا أن يأتي المغتر بتدبيره وفطنته من حيث لم يحتسب:

وَظَنُّوا أَنَّهُم مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ الحشر 2. وكذلك يفعل الله بكل من اعتد بحصونه الوهمية مالية كانت أو عسكرية أو إعلامية واستكبر وأمن مكر الله نسأل الله المغفرة والعافية والتوبة والحفظ.

“يطرح المسلم الذي يشهد لله بالوحدانية ويجهل من دينه كثيرا ما وضعه الله من أسباب وما رتب من نتائج. يطرح من الاعتبار سنة الله في التاريخ التي لا تبديل لها ويتعلق بالغيب وينتظر المعجزة. ويتجلى طرحه هذا في تواكلية عاجزة عن فهم الواقع وعن التأثير فيه. هذا المسلم السطحي لا يدرك مسؤولية العباد وكسبهم ويبقى إيمانه مشطورا حيث وقف مع وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ ولم يلتفت إلى قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ التي قرعت أسماع الصحابة بعد هزيمة أحد لتثبت لأولئك الغر الميامين أسْد الله أن سنة الله لا تجامل أحدا. أما المفكر المعاصر، ملحدا كان أو قوميا أو مسلما تراثيا أو سطحيا، فيعمد إلى طرح جانبِ الغيب من معادلته ويُعَلِّم “وعيا تاريخيا” وضعيا لا مكان فيه للغيب، ماديا جدليا لا يحسب إلا حساب القوى المتناقضة المتصارعة. في زعم هؤلاء لا يصلح للمجتمعات المسلمة إلا التنصل الكامل الشامل من العقلية الغيبية ليتأتى لها اكتساب العقلانية المحررة. ولا تفتح لها أبواب التاريخ إلا بوعي لعالمية الحضارة الغربية، من جملة هذا الوعي التحليل التاريخي الأرضي الصرف فعل الله في الأرض وتصرفه، بل وجوده، عندهم خرافة” وبعد كلام… “بين طرفي إلغاء الأسباب وإلغاء الغيب من الحساب يقع صواب الإيمان بقدرة الله تعالى المطلقة والاحترام المشروط على المؤمنين لسنته في الكون والتاريخ”. (سنة الله 10-11) للعالم المجاهد الأستاذ عبد السلام ياسين رحمه الله وألحقنا به مسلمين.

وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وآله وصحبه ومن تبعه والحمد لله رب العالمين.