الأمر الأول: مرتبة الإسلام

في كتب العلماء نجد من بين المعاني التي ذكروها للإسلام أنه إسلام الوجه لله تعالى، وأنه النظام الإلهي الذي ختم الله به الشرائع وجعله نظاما كاملا شاملا لجميع نواحي الحياة، وارتضاه لتنظيم علاقة البشر بخالقهم وبالكون وبالخلائق وبالدنيا والآخرة، ولتنظيم كل الارتباطات التي يحتاج إليها الناس تنظيما مبنيا على الخضوع لله وحده، وإخلاص العبودية له، وعلى الأخذ بكل ما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهو بالنسبة للفرد المسلم أن يحسن العمل، وهو بالنسبة للجماعة والأمة أن يقيموا القسط والعدل في الأرض.

والإسلام باعتباره المرتبة الأولى من مراتب الدين الثلاثة والمساحة الواسعة منها فهو يمثل القاعدة المشتركة بين أفراد الأمة، وبهذا يجسّد حقوق المسلم في حرمة وعصمة دمه وماله وعرضه. فعن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك، عصموا مني دماءهم وأموالهم، إلا بحق الإسلام، وحسابهم على الله تعالى” 1. الظاهر من الحديث أنه يبرز إسلاما حقيقيا مقبولا عند الله تعالى له العصمة في الدارين الدنيا والآخرة، وإسلاما مجازيا منافقا له العصمة في الدنيا فقط خولها للمسلم إسلامٌ بالظاهر، والله يتولى حساب السرائر.

والإسلام باعتباره المرتبة الأولى كذلك والبناء الأساسي الذي تعلو عليه الأبنية الأخرى فهو يمثل الفرائض التي لا يمكن للمسلم أن يفرّط فيها، والفريضة هي كل ما جاء النصُّ فيها قطعيَ الدلالة. فالصلاة فريضة، وكذلك الصيام والزكاة والحج والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد والدعوة والشورى والعدل. والفرائض هي الواجبات الشرعية التي أوجبها الله تعالى على عباده وألزمهم بها، منها ما يكون واجبا على كل مسلم، وهو ما يسمّى بالفرائض العينيّة، ومنها ما هو واجب على الكفاية، أي: إذا قام به من يكفي سقط الإثم عن الباقين. فهذه الفرائض بنوعيها العيني والكفائي واجبة على كل مكلّف مادام مستطيعا، لأن هذا هو مقتضى إيمان العبد بالله ورسوله، يقول الله تعالى: وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين 2. وعليه فإن الهمّ الذي ينبغي أن يكون عند المسلم في هذه المرتبة والدرجة الأولى من دينه هو الحرص على أداء الفرائض والحفاظ عليها قبل أي شيء آخر. فعن أبى ثعلبة الخشَني رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “إن الله تعالى فرض فرائض فلا تضيعوها، وحدَّ حدوداً فلا تعتدوها، وحرم أشياء فلا تنتهكوها، وسكت عن أشياء رحمةً لكم، غير نسيانٍ، فلا تبحثوا عنها” 3.

وللإسلام أركان خمسة كما جاء في الحديث النبوي، وهي: الشهادتان، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج بيت الله الحرام لمن استطاع إليه سبيلا. تمثل فيها شهادةُ أن لا إله إلا الله العقيدة الصحيحة، اعتقادا بالقلب ونطقا باللسان وطاعة لله بالجوارح فيما أمر ونهى، بينما تمثل شهادةُ أن محمدا رسول الله الشريعة الغرّاء. والعقيدة يُصدقها الإذعان للشريعة أو يكذبها. ففي حياة المسلم حقَّ الإسلام لا تفترق لا إله إلا الله عن محمد رسول الله، أيْ لا تنفصل العقيدة عن الشريعة. إذْ لا يُعقل للمسلم الحقيقي أن يشهد لسانه لله تعالى بالوحدانية والإلهية ثم لا يطيع الله فيما أمر ونهى. وعلى هذه الأركان الخمسة يقام بناء الإسلام ويُشيّد صرحه ويعلو بنيانه، يتوسط البناء من هذه الأركان عمود يحمل ثقل السقف وهو ركن الصلاة. فمن لا يصلي يوشك أن يخرّ عليه سقف البناء من فوقه. يقول النبي صلى الله عليه وسلم: “العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر” 4. و“لا يقبل الله لتارك الصلاة عذرا. فإما مسلم حقَّ الإسلام، وإما يُسوّف المرءُ ويُوقت إلى ساعة تخْتم فيها الصحف وتُطوَى، ويحفِر الحفار قبرَ ناصيةٍ كانت في الدنيا تملأ الدنيا ضجيجا لا تسمع معه نداء المؤذن: حي على الصلاة، حي على الفلاح” 5. فالمسلم حقّ الإسلام يصلي صلاته في وقتها ومع جماعة المسلمين وفي المسجد. بهذا يعرف المسلمُ ماهيتَه وماهيةَ أمته وإلى أين هم سائرون.

كما نجد للإسلام أركانا نجد له أيضا صُوى ومنارا كمنار الطريق بها يعرف المسلمُ الوجهة والاتجاه الصحيح على خط الصراط المستقيم الصاعد إلى المرتبة الثانية التي هي الإيمان. فنجد بعد التذكير ببعض الأركان الخمسة الأساسية في البناء، ذِكرَ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإفشاء السلام على بني آدم عامة، وعلى الأهل حين الدخول عليهم خاصة. يقول النبي صلى الله عليه وسلم: “إن للإسلام صوى ومنارا كمنار الطريق، منها أن تؤمن بالله ولا تشرك به شيئا وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج البيت والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأن تسلم على أهلك إذا دخلت عليهم وأن تسلم على القوم إذا مررت بهم، فمن ترك من ذلك شيئا، فقد ترك سهما من الإسلام، ومن تركهن كلهن، فقد ولّى الإسلام ظهره” 6. ولّى الإسلام ظهره يعني أنه خرج من بناء الإسلام حيث النور والهدى وتركه وراءه ليدخل في نفق الكفر حيث الظلمة والضلال. ويمكن أن نرتب هذه الصّوى والمنارات المصطفّة على الطريق والمرفَقة بأسهم الاتجاه نحو مرتبة الإيمان على الشكل التالي:

طالع أيضا  مفهوم الدين وبناء المراتب (1)

1- الإيمان بالله وعدم الشرك به. 2- إقام الصلاة. 3- إيتاء الزكاة. 4- صوم رمضان. 5- حج البيت. 6- الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. 7- إفشاء السلام على الخاصة من الأهل وعلى العامة من الناس. ومن إفشاء السلام أن يعيش المسلمُ السّلم في كل مناحي الحياة، وهذا يقتضي منه سلامة القلب، وسلامة اللسان وسلامة اليد. فـ“المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده” 7.

ولمعرفة قيمة كل عمل من هذه الأعمال في حياة المسلم يضرب الله تعالى لها أمثالا تقرب المعنى وتبين الحكمة والمغزى نجد بعضها في الحديث الذي رواه الحارث الأشعري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “إن الله أوحى إلى يحيى بن زكريا بخمس كلمات أن يعمل بهن ويأمر بني إسرائيل أن يعملوا بهن، فكأنه أبطأ بهن، فأتاه عيسى فقال: إن الله أمرك بخمس كلمات أن تعمل بهن وتأمر بني إسرائيل أن يعملوا بهن، فإما أن تخبرهم وإما أن أخبرهم، فقال: يا أخي لا تفعل فإني أخاف إن سبقتني بهن أن يخسف بي أو أعذب، قال: فجمع بني إسرائيل ببيت المقدس حتى امتلأ المسجد وقعدوا على الشرفات ثم خطبهم، فقال: إن الله أوحى إلي بخمس كلمات أن أعمل بهن وآمر بني إسرائيل أن يعملوا بهن. أولاهن: لا تشركوا بالله شيئا، فإن مثل من أشرك بالله كمثل رجل اشترى عبدا من خالص ماله بذهب أو ورق ثم أسكنه دارا فقال اعمل وارفع إلي، فجعل يعمل ويرفع إلى غير سيده، فأيكم يرضى أن يكون عبده كذلك! فإن الله خلقكم ورزقكم فلا تشركوا به شيئا، وإذا قمتم إلى الصلاة فلا تلتفتوا فإن الله يقبل بوجهه إلى وجه عبده ما لم يلتفت. وأمركم بالصيام، ومثل ذلك كمثل رجل في عصابة معه صرة مسك كلهم يحب أن يجد ريحها، وإن الصيام أطيبُ عند الله من ريح المسك. وأمركم بالصدقة ومثل ذلك كمثل رجل أسِره العدو فأوثقوا يده إلى عنقه وقربوه ليضربوا عنقه فجعل يقول: هل لكم أن أفدي نفسي منكم؟ وجعل يعطي القليل والكثير حتى فدى نفسه. وأمركم بذكر الله كثيرا ومثل ذلك كمثل رجل طلبه العدو سراعا في أثره حتى أتى حصنا فأحرز نفسه فيه، وكذلك العبد لا ينجو من الشيطان إلا بذكر الله” 8.

والإسلام ليس هو الإيمان كما يذهب البعض إلى ذلك، بل الإيمان درجة فوقه. يقول الله عز وجل: قالت الأعراب آمنا، قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولمّا يدخل الإيمان في قلوبكم 9. نطق اللسان وقال آمنا لأنه لا يحسن يفرق بين درجة الإسلام ودرجة الإيمان، فلقّنته الكلمة الإلهية أن يقول أسلمنا وليس آمنا، عسى أن يستقر عنده وعيٌ ومعرفةٌ أن الدين سلّمٌ ومراقٍ. أما عندما يسمو المسلم بالإخلاص والصدق والعمل الصالح والخلق الحسن وسائر شعب الإيمان فانه بذلك يرقى إلى مرتبة أعلى من الإسلام وهي مرتبة الإيمان. وقيل الإسلام يرتبط بالسلوك الظاهري الجوارحي، بينما الإيمان يرتبط بالسلوك الباطني القلبي. فالإسلام علانية والإيمان في القلب. والمؤمنون هم المخاطبون في القرآن بـــ”يا أيها الذين آمنوا”، وليس المسلمين.

وبالنظر في حياة الناس وكيف هي علاقتهم بالإسلام يظهر أن هناك دون الإسلام الحقيقي أنواعا من الإسلام، منها:

طالع أيضا  مفهوم الدين وبناء المراتب (5)

– إسلام أجوف عند من يأتي بالأركان الخمسة وهو مفلس، قد سبّ هذا وشتم هذا وأكل مال هذا… فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “أتدرون ما المفلس؟” قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع فقال: “إن المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي وقد شتم هذا وقذف هذا وأكل مال هذا وسفك دم هذا وضرب هذا فيعطى هذا من حسناته، وهذا من حسناته فإن فنيت حسناته قبل أن يقضي ما عليه أُخذ من خطاياهم فطرحت عليه ثم طرح في النار” 10.

– وإسلام منافق عند من يشهد الشهادتين ولا يصلي، ويصوم من أجل الناس، ويحُج لحمل اللّقب، ويكذب في الحديث، ويخالف الوعد، ويخون الأمانة… عن عبد اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّ النّبِي صلى الله عليه وسلم قَال: “أَربعٌ مَن كنَّ فِيه كانَ مُنَافقًا خالِصا، وَمَنْ كانتْ فِيهِ خَصْلة مِنْهُنّ كَانتْ فِيه خَصْلَة مِنْ النِّفَاق حتَّى يَدَعَهَا: إِذَا اؤْتُمِنَ خَان، وَإِذَا حدّثَ كَذَبَ، وَإِذَا عَاهدَ غَدرَ، وَإِذَا خَاصمَ فجَرَ” 11.

– وإسلام أعرابي عند من أسلم ولم يحدّث نفسه بهجرة ولا جهاد ولا نصرة لدين الله تعالى. يقول الله تعالى: والذين آمنوا ولم يهاجروا مالكم من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا 12. هكذا نجد الناس يتنوع إسلامهم من إسلام حسنٍ مرتبط بالحياة والموت والمصير، إلى إسلام مجرد شعارٍ وكلام وشارة ولون وثوب يُلبس تارة وينزع تارة أخرى ويستبدل كما تستبدل الشعارات والألبسة.

حقوق المسلم

يمثل الإسلام مجتمعا يضم أفرادا وأعضاء تجمعهم روابط التآخي والتحاب والتعاون والتآزر لتشكل منهم وحدة مجتمعية متماسكة لا تجد لها نظيرا عند أي مجتمع آخر. هذه الروابط تصل أحكام بعضها إلى الوجوب لضرورتها وأهميتها. نذكر منها ستّا جمعها حديث نبوي، وتمثل هذه الحقوق أرقى وسائل التواصل الاجتماعي المباشر في زمن غلبت عليه القطيعة والهجران. فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “حق المسلم على المسلم خمس: رد السلام، وعيادة المريض، واتباع الجنائز، وإجابة الدعوة، وتشميت العاطس” 13. وفي رواية مسلم: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “حق المسلم على المسلم ستّ”، قيل: ما هن يا رسول الله؟ قال: “إذا لقيته فسلّم عليه، وإذا دعاك فأجبه، وإذا استنصحك فانصح له، وإذا عطس فحمد الله فشمته، وإذا مرض فعُده، وإذا مات فاتبعه” 14.

كنف الإسلام هو عنوان فقرة من كتاب “محنة العقل المسلم” للإمام عبد السلام ياسين رحمه الله، يتحدث فيها الإمام حول اكتناف الإسلام للمسلم في حضن عبادات الإسلام 15. ويوضح رحمه الله أن ظاهر المسلم الذي يمثله جسمه هو أول ما يتناوله الإسلام، وذلك من خلال حفظ جوارحه وضبطها بضوابط الشرع. ومن جملة هذه الجوارح اللسان والبصر والأذن والبطن والفرج واليد والرجل والعورة. فيحفظ اللسان من الغيبة والنميمة والفجور والزور. ويحفظ الأذن من سماع البهتان. ويحفظ البصر من النظر إلى المحرمات. ويحفظ البطن والفرج واليد والرجل في حدود الحلال المباح. ويحفظ عورته باللباس الساتر، للرجل ستره وللمرأة حجابها. وكما يكتنف الإسلام ظاهر المسلم يكتنف باطنه بالتوبة الصادقة والنية الصالحة. والمكان الذي يكتنف فيه الإسلامُ المسلم هو المسجد وفي صحبة أهله وصحبة المؤمنين ساعة الجلوس لذكر الله والتوبة إليه. وعندما يكتنف الإسلامُ المسلمَ بهذه الضوابط الشرعية يتقدّس كيانه الإنساني ويطيب. وما خُلقت الجنة إلا للطيبين والطيبات، يقول الله تعالى: طبتم فادخلوها خالدين 16.

كتاب آخر يفيدنا في توضيح هذه المعاني العالية لمرتبة الإسلام، هو كتاب “أسرار الشريعة” لمؤلفه الإمام عبد الغني بن إسماعيل النابلسي رحمه الله. تحدث فيه عن الإسلام من خلال ذكر معناه وحاله ومقامه وشروطه وأركانه وأقسامه من جهتي الشريعة والحقيقة 17. فذهب إلى أن معنى الإسلام شرعا هو الانقياد والتسليم والإذعان لما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم من عند ربه من البيان والهدى. وأن معنى الإسلام حقيقة هو الدخول حالا ومقالا تحت الأمر الإلهي المترجم على لسان الشرع. وذهب إلى أن حال الإسلام في الشريعة هو عصمة المال والنفس في الدنيا من الأخذ إلا بحق، وفي الآخرة من الخلود في النار. وأن حال الإسلام في الحقيقة هو القرب من الله تعالى، فالمسلم قريب من الله تعالى بطاعته له، والكافر بعيد من الله تعالى بكفره به. أما بالنسبة لمقام الإسلام في الشريعة فأورد أنه توالي نعم الله ومننه على عبده في الدنيا والآخرة جزاء صبره ورضاه على ما يصيبه من المصائب والبلايا والأمراض. وبالنسبة لمقام الإسلام في الحقيقة فهو وقوف العبد عند خير الأمور وهو أوسطها وأعدلها. وفي حديثه عن شروط الإسلام في الشريعة فحدّدها في شروط وجوب وشروط صحة وذكر منها العقل والبلوغ والحياة، وأما شروطه في الحقيقة فهي ثلاثة: معرفة النفس من حيث الصورة والصفات والأفعال، ومعرفة الأثر في الكون من حيث ظهور الموجودات والمخلوقات، ومعرفة المؤثِّر الذي هو الله تعالى من حيث هو الفاعل الحقيقي في الكون. وأما في حديثه عن أركان الإسلام بحسب الشريعة فاستعرض المعروف منها وهي خمسة كما جاءت في الحديث إذْ عليها يتأسس بنيان الإسلام من جهة الأداء الواجب بالجسم والجوارح. أما بحسب الحقيقة فأكد أنها هي خمسة بعينها لكن من جهة القيام الواجب بالقلب والروح. وعندما وصل إلى ذكر أقسام الإسلام في الشريعة جعلها ثلاثة: إسلام بالقول نطقا بالشهادتين فقط، وإسلام بالفعل بحضور الجماعة ومواسم العبادات حتى لا تترتب على صاحبه أحكام الردة، وإسلام بالتبعية وهو إسلام الصغار. أما أقسام الإسلام في الحقيقة فجعلها ثلاثة أيضا وهي: أولا: إسلام بالقلب فقط وهو إسلام العامة، وذلك بانقيادهم واستسلامهم لجميع أوامر الله تعالى ونواهيه دون اعتبار لعمل الجوارح. وثانيا: إسلام بالقلب والأعمال وهو إسلام الخاصة، وذلك بتأكيد وتصديق ما وقر في القلب من خلال عمل الجوارح. وثالثا: إسلام بالقلب والأعمال والمشاهدة وهو إسلام خاصة الخاصة، وذلك بالجمع بين اعتقاد القلب وعمل الجوارح ومشاهدة العقل. بمعنى أن يجعل المسلم أمر الله في قلبه وعقله وجوارحه. قال تعالى: وهم بأمره يعملون 18.

طالع أيضا  الإحسان رتبة في الدين ودرجة في التقوى

وفي هذا السياق نجد عند الشيخ يوسف القرضاوي تقسيما آخر لتعاليم الإسلام 19، إذْ حدّدها في أربعة شعب:

الأولى: شعبة العقائد وتندرج تحتها أركان الإيمان الستة.

والثانية: شعبة العبادات وتضم الصلاة والصيام والزكاة والحج والذكر والدعاء.

والثالثة: شعبة القيم والأخلاق وتتلخص في شعب الإيمان ومقامات الإحسان.

والرابعة: شعبة النظم والشرائع التي ترتبط بالفقه الإسلامي في فصل العلائق القانونية بين الناس أفرادا وأسرا وجماعات ودولا.

إلى جانب كل هذه المعاني هناك للإسلام أيضا تربية إسلامية يتربى عليها المسلم ليتميز عن سائر الخلق بشخصيته الإسلامية لها شروطها وآدابها، وله دعوة عالمية رحيمة موجهة لأمة الدعوة التي تنتظر من يمدّ لها اليد ليخرجها من ظلمات الكفر والشرك إلى نور الإسلام والإيمان لها وسائلها وأساليبها، وله حكما إسلاميا رشيدا يحمي الأمة في دينها ودنياها له قواعده ومقتضياته. هذا الإسلام الذي يمثل دين الحقّ عبر تاريخ الأنبياء والرسل عليهم السلام يعيش اليوم صراعا مريرا من قبل أعدائه في الداخل ومن الخارج. والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

في المقال القادم إن شاء الله يكون الحديث عن المرتبة الثانية التي هي الإيمان.


[1] رواه البخاري ومسلم.
[2] الأنفال: 1.
[3] حديث حسن، رواه الدارقطني وغيره.
[4] رواه الإمام أحمد والترمذي وغيرهما.
[5] ياسين عبد السلام، حوار مع صديق أمازيغي، ص: 170.
[6] أخرجه الحاكم رحمه الله من طريق محمد بن أبي السري العسقلاني، وقال: هذا حديث صحيح على شرط البخاري.
[7] رواه البخاري في صحيحه، ورواه غيره بألفاظ مختلفة.
[8] رواه الترمذي والنسائي وابن حبان في صحيحه والحاكم وقال: صحيح على شرط البخاري ومسلم.
[9] الحجرات: 14.
[10] رواه مسلم والترمذي.
[11] رواه البخاري ومسلم.
[12] الأنفال: 73.
[13] رواه الإمام البخاري رحمه الله.
[14] رواه الإمام مسلم رحمه الله.
[15] انظر محنة العقل المسلم بين سيادة الوحي وسيطرة الهوى، ص: 47-49.
[16] الزمر: 70.
[17] انظر أسرار الشريعة، ص: 218 وما بعدها.
[18] الأنبياء: 27.
[19] انظر كتاب من أجل صحوة راشدة تجدد الدين وتنهض بالدنيا، ص: 168 – 169.