كل شيء هناك، الجمال والجلال والبهاء والسناء، هناك كل شيء، هناك إن بحثت عن الصدق تلقاه، وعن الإخلاص تجده، كل شيء تجده تجاهك، هناك نسمات ونفحات عظمى، هناك الشعار الأعظم: (لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لاشريك لك)، شعار عظيم جليل بجلال ربوبيته سبحانه، شعار ذكر، ذكر يلهج به الوافد إلى بيت الله صباح مساء.

هذا الوافد الذي خرج من وطنه ملبيا نداء ربه، ليؤدي ركنا من أركان دينه، تاركا أهله وأحبابه، قصده وهدفه تجديد الصلة بمولاه، لينال رضاه.

هذا الوافد خرج بقلبٍ عاشق، وبلسان ناطق: (الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر الله أكبر، ولله الحمد)، موحدا هو وإخوته، بقلوب خاشعة متضرعة لباريها وخالقها، مقبلة إليه صاغرة، وجلة بما كسبت وفرطت في جنبه، راجية النفع والثواب، كيف لا يرجون منه النفع؟ وهو الذي ناداهم ودلهم على منافعهم.

قال تعالى: وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ. لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ 1. قال الطاهر بن عاشور رحمه الله: (ليحضروا فيحصلوا منافع لهم، إذ يحصل كل واحد مافيه نفعه، وأهم المنافع ما وعدهم الله على لسان سيدنا إبراهيم عليه السلام من الثواب.. وأعظم ذلك اجتماع أهل التوحيد في صعيد واحد ليتلقى بعضهم عن بعض مابه كمال إيمانه) 2.

وفي هذا الباب أنشد الشاعر ابن الأمير الصنعاني قائلا:

وسرنا نشـق البيـد للبلـد الـذي *** بجهـد وشـق للنفـوس بلغـنــاه

رجالاً وركبانا علـى كـل ضامـر *** ومن كـل ذي فـج عميـق أتيـنـاه

نخوض إليه البر والبحـر والدجـى *** ولا قاطـع إلا وعـنــه قطـعـنـاه

ونطوي الفلا من شدة الشوق للقـا *** فتمسي الفلا تحكي سجـلاً قطعنـاه

هناك. هناك النعم التي أكرم الله بها ضيوفه، نعم كثيرة لا تعد ولا تحصى وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها إن الإنسان لظلوم كفار 3. نعم كثيرة تستجلب بذكر الله، فما قام الموسم والمجمع والمؤتمر إلا لذكر الله.

قال تعالى: واذكروا الله في أيام معدودات 4. وقال سبحانه: فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله 5. وقال سبحانه: فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله 6. ذكر دائم متصل غير منقطع، بدء وختاما.

عن عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “إنما جعل الطواف بالبيت وبين الصفا والمروة، ورمي الجمار، لإقامة ذكرالله”. أخرجه الامام أحمد في مسنده والترمذي وأبو داود.

الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد.

هناك الدواء والشفاء، هناك ماء زمزم، طعام طعم وشفاء سقم.

لقد وصف النبي عليه الصلاة والسلام ماء بئر زمزم فقال “إنها مباركة إنها طعام طعم” وفي رواية عند البزار بسند صحيح عن أبي ذر “وشفاء السقم”. وعن محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر قال: “كنت عند ابن عباس رضي الله عنهما جالساً فجاءه رجل فقال: من أين جئت؟ قال: من زمزم قال: شربت منها كما ينبغي؟ قال: وكيف؟ قال: إذا شربت منها فاستقبل القبلة واذكر اسم الله وتنفس ثلاثاً وتضلع منها فإذا أفرغت فاحمد الله عزو جل، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن آية ما بيننا وبين المنافقين، إنهم لا يتضلعون من زمزم” 7.

وقد روي عن جابر أنه إذا شرب ماء زمزم دعا فقال (اللهم إني أشربه لظمأ يوم القيامة).‏ وعلى قدر نيتك تعطى.

وصلى بأركـان المقـام حجيجنـا***وفي زمزم ماءً طهـوراً

وردنـاه وفيه الشفا فيـه بلـوغ مرادنـا***لما نحن ننويـه إذا مـا شربنـاه

هناك التيسير لا التعسير، هناك يتجلى الرفق بكل صوره، قال تعالى: ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم 8. وقوله: فمن تعجل في يومين فلا اثم عليه ومن تأخر فلا اثم عليه لمن اتقى 9، وما الاستطاعة إلا ناطقة عن التيسير من استطاع إليه سبيلا 10. وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: “قال رجل للنبي صلى الله عليه وسلم زرت قبل أن أرمي، قال: لا حرج، قال: حلقت قبل أن أذبح، قال: لا حرج، قال: ذبحت قبل أن أرمي ، قال: لا حرج”.

ولقد قال عبدُ اللَّهِ بن عمرو: (ما رأيتُه صلى اللَّه عليه وسلم سئِلَ يومئذٍ عن شيء إلا قال: (افْعَلُوا وَلاَ حَرَجَ)) الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر الله أكبر، ولله الحمد. درس بليغ، لمن لا يرفق بأمة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

هناك الأمن والأمان، والسلم والسلام، الكل يقول السلام ويرد السلام، هناك باب السلام. قال تعالى: وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا 11. وقوله تعالى عن سيدنا ابراهيم رب اجعل هذا البلد آمنا 12.

هناك، هناك تقتل وتحيى، هناك ولادتك، عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “من حج ولم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه”.. ولادة قلبية.

فطيبوا سروراً وافرحوا وتباشروا***وتيهوا وهيموا بابنا قـد فتحنـاه

ولا ذنب إلا قـد غفرنـاه عنكـم***وما كان من عيب عليكم سترناه

هناك خطب الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم خطبة تجاوزت الزمان والمكان بصداها، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

فهنيئا للحاج والمعتمر الذي وفقه الله تعالى للذهاب إلى هناك، هنيئا له بكل شيء، هنيئا له بالنعم السابغة.

هنيئا لمن حج واعتمرا***وكف عن النفس أوزارها

فإن الشفاعة مضمونة***لمن حج مكة أو زارها

هناك، هناك انتصر الحق، وزهق الباطل. إن الباطل كان زهوقا.


[1] سورة: “الحج” الآية: 27.
[2] التحرير والتنوير.
[3] سورة: “ابراهيم” الآية: 34.
[4] سورة: “البقرة” الآية: 230.
[5] سورة: “البقرة” الآية: 198.
[6] سورة “البقرة” الآية: 200.
[7] أخرجه ابن ماجة والحاكم في المستدرك.
[8] سورة: “البقرة” الآية: 198.
[9] سورة: “البقرة” الآية: 203.
[10] سورة: “آل عمران” الآية: 97.
[11] سورة: “البقرة” الآية: 125.
[12] سورة: “إبراهيم” الآية: 35.