1-     بماذا نحن مأمورون إذن؟

هل ينتظر الإنسان الذي خلقه الله عز وجل ليرى كيف يعمل سنة الله لتحيق بالظالمين متفرغا للتسبيح والتهليل والسياحة في ملكوت الله والتحليق في درر المعاني القلبية ونفائسها في مجالس القعود الدسم وفي سماوات العوالم الافتراضية العنكبوتية اللامنتهية؟

هل ينصب نفسه زعيما فاتحا منقذا للبشرية معاديا لكل من ساند الطاغوت وسكت عن الظلم ولم يعلن براءته الكاملة منه فيؤلف ومن ناصروه جمعا من “الصادحين بالحق الموعودين بالنصر” مستخفا بكل قوة في يد خصومه متيقنا من نصر الله عز وجل القائل وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ الروم 47.

هل يكون صدامه مع الباطل المزعوم أهوج عنيفا منكِرا سنن التدرج والتوازن أعماه السعي لجلب المنافع عن أولوية درء المفاسد وصده تشبعه بما يرى أنها يقينيات قرآنية عن فرائض الحوار والجدال بالتي هي أحسن وعن فضائل الرفق والرحمة والدفع بالتي هي أحسن في سياقهما؟

لا معنى لرد بالإيجاب على واحد من الأسئلة الثلاثة إلا المزيد من تلويث الأجواء وتعطيل سير الأمة الحثيث رغم أنف من كره إلى الرشد والتحرر وأخذ زمام المبادرة والفعل الإيجابي في التاريخ من جديد.

فبماذا نحن مأمورون إذن؟

والهم يخترق الجسيم نحافة ويشيب ناصية الصبي ويورم.

هل شاب شعر رسول الله صلى الله عليه وسلم كمدا على ما أصابه من أذى أهل الطائف؟

هل شاب شعره الشريف صلى الله عليه وسلم خوفا على أمته المرحومة من جيوش الروم والفرس ذوات العتاد والعدد؟

هل شاب شعره الشريف أسفا و تهمما بما سينجم عما روجه رأس النفاق لعنه الله عن الأسرة الشريفة نفعنا الله بمحبتها وبمحبة أهل البيت والمهاجرين والأنصار وكل الصحابة ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين؟

لننصت إذن…

قال سيدنا أبو بكر الصديق رضي الله عنه:  يا رسول الله قد شبت. قال صلى الله عليه وسلم:  “شيبتـني هود والواقعة والمرسلات وعم يتساءلون، وإذا الشمس كورت. رواه الإمام الترمذي رضي الله عنه وصححه الشيخ الألباني رحمه الله في صحيح الجامع.

لا يتسع المقام للقيام بمسح ولو سريع لما ورد في هذه السور غير أن المتدبر سيرى بوضوح محورية مسؤولية الإنسان عن الاستقامة على أمر الله عز وجل. تتمحور السور كلها حول عظمة الأمانة التي طوقها بضم الطاء بنو آدم وحول جدية الحساب الذي ينتظرهم بعد قيام الساعة والعرض على الله عز وجل.

تجمع السور والآيات الواردة في الحديث على أنه إن كان من هم يجب أن يأخذه العابر إلى الآخرة بكل ما أوتي من جد فهو هم الاستقامة على أمر الله عز وجل…

مهما كانت الأحداث التي تظهر على الساحة بإذن الله عز وجل، أمرنا أن يبقى تركيزنا وجهدنا منصبين على كيف نكون مستقيمين أفرادا وجماعات وأمة على أمر الله عز وجل وسط هذه الأحداث؟

كيف يستقيم بصرنا الجمعي على أمر الله عز وجل فنفهم ونحلل ونقرأ الأحداث ونربط بعضها ببعض استفراغا للوسع آلتنا وسائل النظر الأرضية من علوم وإعلام و إحصاء وتصنيف للتجارب والخبرات وطاقتنا الصلة بالله عز وجل تعبدا وتفكرا وتدبرا في كتاب الله عز وجل؟

كيف يستقيم خطابنا على أمر الله عز وجل فيعرض كل منا وجهات نظره محترما من يخالفه نابذا الأحكام المسبقة والتصنيفات الجاهزة، مؤمنا بقابلية الناس للتغيير والتراجع عن الخطأ وهو من الناس طبعا؟

كيف يكون عملنا الجمعي المبني على نظر وخطاب وتواصل موافق لأمر الله عز وجل متقنا بالمعنى الإحساني للكلمة الوارد في حديث سيدنا جبريل عليه السلام:  “أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك” رواه سيدنا الإمام مسلم رضي الله عنه في صحيحه.